الثاقب في المناقب

الثاقب في المناقب

الثاقب في المناقب

اشارة

سرشناسه: ابن‌حمزه، محمدبن علي، قرن ق‌۶

عنوان و نام پديدآور: الثاقب في المناقب/ عمادالدين ابي‌جعفر محمدبن علي الطوسي المعروف بابن حمزه؛ تحقيق نبيل رضا علوان

مشخصات نشر: قم: موسسه انصاريان، ۱۴۱۲ق. = ۱۳۷۰.

مشخصات ظاهري: ۷۰۱ ص.نمونه

شابك: بها:۳۰۰۰ريال

يادداشت: عربي

يادداشت: چاپ سوم: ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷

يادداشت: كتابنامه: ص. ۱۹ - ۱۶؛ همچنين به‌صورت زيرنويس

موضوع: معجزه (اسلام) -- احاديث

موضوع: چهارده معصوم -- معجزات -- احاديث

موضوع: احاديث شيعه -- قرن ق‌۶

شناسه افزوده: علوان، نبيل رضا، مصحح

رده بندي كنگره: BP۱۴۱/۵/م۶‌الف۲ ۱۳۷۰

رده بندي ديويي: ۲۹۷/۲۱۸

شماره كتابشناسي ملي: م‌۷۱-۳۶۹۱

مقدمة التحقيق

الاهداء

إليك يا صاحب المعجزات الباهرات الباقيات.

إليك يا نبي الرحمة و خاتم النبيين.

و إلي آلك الطيبين الطاهرين المعصومين الغر الميامين.

أقدم هذا الجهد المتواضع في إحياء هذا الكتاب، و كلي أمل باللّه تعالي أن ينال رضاكم، و أن يكون ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال و لا بنون إنه سميع الدعاء.

نبيل رضا علوان

تقريظ

تفضّل الأخ الخطيب و الشاعر الحسيني الشيخ محمّد باقر الايرواني النجفي دام توفيقه و أتحفنا بأبيات من شعره تضمّنت تاريخ صدور الكتاب. و له منّا جزيل الشكر.

من هبة المولي الكريم الواهب

فزنا بنيل الخير و المواهب

نسأله التّأييد و المزيد من

توفيقه و اليسر في المطالب

فالأمر موكول له جلّ اسمه

و غالب و فوق كلّ غالب

نحمده علي عظيم منّه

ان قد هدانا للطّريق الصّائب

و اللّه قد ألهمنا حبّ الولا

لآل بيت المصطفي الأطايب

هم قادة للدّين و الدّنيا معا

و من رجاهم لم يعد بخائب

و اللّه قد شرّفهم علي الوري

و خصّهم بأشرف المراتب

و أصبحت طاعتهم مقرونة

بطاعة اللّه كفرض واجب

لا يشفعون في غد إلّا لمن

والاهم رغم العدوّ النّاصبي

و ها هو الكتاب خير شاهد

أتحفنا به يراع كاتب

أعني النّبيل ابن الرّضا حقّقه

ببالغ الجهد و شوق جاذب

إلي الملا أرّخته: (قل علنا

عنوانه الثّاقب في المناقب)

مقدمة المحقق

الحمد للّه الأوّل بلا ابتداء، و الآخر بعد فناء الأشياء، الوليّ الحميد، العزيز المجيد، المتفرّد بالملك و القدرة، الفعّال لما يريد، له الخلق و الأمر.

و الحمد للّه الذي الخلق بقدرته، و جعلهم دليلا علي إلهيّته، و بعث فيهم رسلا مبشّرين و منذرين لئلا يكون للناس علي اللّه حجّة بعد الرسل، يأمرونهم بعبادته، و أيّد كلّ رسول بآيات و معجزات جعلها دليلا علي صدق نبوّته.

و صلّي اللّه علي محمّد خاتم الأنبياء و المرسلين، و صاحب المعجز المبين (القرآن العظيم) أوّل الثقلين، كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

و الصلاة و السلام علي آله الطيّبين، ثاني الثقلين، و المقرونين بالكتاب المبين، الهداة المهديّين، ذوي الآيات الباهرات، و المعجزات الظاهرات، و منهل الفضائل و المكرمات، نجوم الهدي و أعلام التقي؛ ما غرّد طير و شدا.

أمّا بعد:

فقد كان الناس يطالبون كلّ نبيّ مرسل، أو وصي، أن يريهم بعض المعجزات و خوارق العادات شرطا لتصديقه و الايمان به فذلك أثبت طريق إلي معرفة صدقه و اثبات صحّة نبوّته و وصايته، فما هو المعجز؟

«المعجز في اللغة: ما يجعل غيره عاجزا، ثمّ تعورف في الفعل الذي يعجز القادر عن الاتيان بمثله.

و في الشرع: هو كلّ حادث، من فعل اللّه، أو بأمره، او تمكينه، ناقض لعادة الناس في زمان تكليف مطابق لدعوته، أو ما يجري مجراه».

فالمعجزة إذن هي برهان ساطع، و دليل قاطع، و علامة صدق، يظهرها اللّه علي يدي النبي أو الوصي عند دعائه أو ادعائه، يمكن للناس من خلالها التمييز بين الصادق و الكاذب، و دفع الشكّ و الريب فيه، لئلا تبقي لهم حجّة في معصيته و مخالفته، و ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيا من حيّ عن بيّنة.

و للمعجز أحكام و شروط لا بدّ من توفّرها و معرفتها، ذكر الشيخ المصنّف أربعة منها في مقدّمة كتابه هذا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أعظم معجزات الأنبياء، و اشرفها منزلة و أسماها رتبة، و أوضحها دلالة هي: (القرآن الكريم) الذي فرض اعجازه علي كلّ من سمعه علي تفاوت مراتبهم في البلاغة، و اختلاف مشاربهم و تباين تخصصاتهم؛ أعجزهم اسلوبه و نظمه في الايجاز و الإطالة معا؛ علومه، حكمه، كشفه عن الغيوب الماضية و أخبار الامم السالفة و سير الأنبياء، و إخباره عن الحوادث الآتية و الغيب؛ و امتاز ببقائه و خلوده، خاصّة و أن سائر معجزات الأنبياء كانت وقتيّة ذهبت في حينها، و لم يشاهدها إلّا من عاصرها و حضرها، لذا فهو دليل علي صدق اولئك الرسل و الأنبياء، إذ هو مصدّق لهم، و مخبر عن حالهم.

و قد وصلتنا أخبار و أحاديث هي أكثر من أن تحصي، و أوسع من أن تحوي، دخل جلّها حدّ الاشتهار، إذ جاءت مرويّة بطرق و أوجه كثيرة، و بأسانيد صحيحة مصحّحة، تحكي جميعها معجزات و دلائل النبي و الأئمة من أهل بيته صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين، باينوا بها من سواهم، و سموا بها علي سائر الأنبياء و الأوصياء المتقدّمين.

فكانوا يرون أصحابهم و مواليهم و مخالفيهم خوارق العادات، و يخبرونهم بما في سرائرهم و قلوبهم من الحاجات و الإرادات، و بما كانوا يفعلونه في خلواتهم، كان جلّها ظاهرا لجماعة من الناس، شاهدوه بأنفسهم في أوقات كثيرة، و تناقلوه في مجالسهم، كتظليل الغمامة علي رأس الرسول صلّي اللّه عليه و آله قبل البعثة و بعدها، و انشقاق القمر، و ردّ الشمس، و تسبيح الحصي، و حنين الجذع، و تلاوة رأس الحسين عليه السلام آيات من القرآن بعد ذبحه، و غير ذلك ممّا يعدّ خرقا للعادة، و ملحقا بالأعلام و الدلائل الباهرة الدالّة علي أنّهم الحجّة العظمي علي الخلق.

قال الشيخ أبو عبد اللّه المفيد في أوائل المقالات: «فأمّا ظهور المعجزات علي الأئمة و الأعلام- أي العلامات- فإنّه من الممكن الذي ليس بواجب عقلا، و لا ممتنع قياسا، و قد جاءت بكونها منهم عليهم السلام الأخبار علي التظاهر و الانتشار، و قطعت عليها من جهة السمع و صحيح الآثار، و معي في هذا الباب جمهور أهل الإمامة».

و قد أثري علماء الفريقين المكتبة الاسلاميّة بمؤلّفات حوت نزرا يسيرا من معجزات و دلائل النبي صلّي اللّه عليه و آله و أهل بيته المنتجبين عليهم السلام، و من اولئك العلماء الأعلام شيخنا عماد الدين الطوسي.

المؤلف

في كلام العلماء

هو الشيخ الفقيه المتكلّم المحدّث عماد الدين أبو جعفر محمّد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي.

وصفه معاصره الشيخ منتجب الدين علي بن بابويه في الفهرست ب «الشيخ الإمام... فقيه، عالم، واعظ..»..

و وصفه الشيخ الفقيه الحسن بن علي بن محمّد الطبري (من علماء القرن السابع) في كتابيه الكامل البهائي و مناقب الطاهرين ب «الشيخ الإمام، العلّامة الفقيه، ناصر الشريعة، حجّة الإسلام عماد الدين أبو جعفر محمّد بن علي بن محمّد الطوسي المشهدي» و ذكر من مصنّفاته كتاب الثاقب في المناقب.

و ذكره العلّامة الخوانساري في روضات الجنّات فقال: «الشيخ الفقيه المتكلّم الأمين أبو جعفر الرابع عماد الدين محمّد بن علي بن محمّد الطوسي المشهدي، المشتهر بالعماد الطوسي المشهدي، و المكنّي عند فقهائنا الأجلّة بابن حمزة، صاحب الوسيلة، و الواسطة، من المتون الفقهيّة المشهورة، الباقية إلي هذا الزمان، و المشار إلي فتاويه و خلافاته النادرة في كتب علمائنا الأعيان... و يظهر أنّه كان في طبقة تلاميذ شيخ الطائفة، أو تلاميذ ولده الشيخ أبي علي..»..

ثمّ نقل كلام الشيخ الفقيه يحيي بن سعيد الهذلي الحلّي (من علماء القرن السابع) في مقدّمة كتاب «نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه و النظائر» قال: «قال شيخنا السعيد أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي قدّس اللّه روحه... و قال الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي الطوسي المتأخّر رضي اللّه عنه في الوسيلة... و قال الشيخ أبو يعلي سلّار... و قال الشيخ أبو الصلاح..»..

قال العلّامة الخوانساري: «قد ظهر من هذه العبارة تقدّم منزلة الرجل علي منزلة مثل سلّار و أبي الصلاح الحلبي، اللذين كانا من كبار فقهاء زمن شيخنا الطوسي رحمه اللّه، بل قد يلوح منها مشارفته إيّاهم في الطبقة..»..

ابن حمزة مشترك

قال العلّامة المتتبّع الميرزا عبد اللّه أفندي في رياض العلماء: «ابن حمزة يطلق علي جماعة، و في الأغلب الأشهر يراد منه الشيخ أبو جعفر الثاني الطوسي المتأخّر صاحب الوسيلة و غيرها في الفقه، أعني الشيخ الإمام عماد الدين أبو جعفر محمّد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، الفقيه المعروف؛ و يقال فيه (محمّد بن حمزة) أيضا من باب الاختصار».

ثمّ ذكر جماعة ممّن يطلق عليهم كنية ابن حمزة.

آثاره العلميّة

۱) التعميم: ذكره الأفندي في الرياض نقلا عن رسالة لتلميذ الشيخ حسين بن مفلح الصيمري المعمولة لذكر بعض مشايخ الشيعة.

۲) التنبيه: ذكره الأفندي نقلا عن الرسالة المذكورة، و عن بعض العلماء و لم يذكر اسمه، و سمّاه هذا الأخير: التنبّه.

و ذكرهما الخوانساري في الروضات عن بعض الفهارس.

۳) الثاقب في المناقب: و هو هذا الكتاب، و سيأتي الحديث عنه في فصل مستقل.

۴) الرائع في الشرائع.

۵) مسائل في الفقه.

۶) المعجزات: عدّ الكتاب الثلاثة الأخيرة الشيخ منتجب الدين من مصنّفاته.

و لعل كتاب المعجزات هذا هو نفسه كتاب الثاقب في المناقب، لاتّحاد موضوعهما.

۷) نهج العرفان إلي هداية الإيمان: نسب هذا الكتاب الشيخ زين الدين في رسالة الجمعة إلي عماد الدين الطبرسي، و استظهر الميرزا الأفندي «أنّه هو هذا الشيخ، فيكون الطبرسي من غلط النسّاخ، و الصواب الطوسي، إذ لم يعهد عماد الدين الطبرسي».

و لكن الشيخ آقا بزرك الطهراني ذكره في الذريعة قائلا: «نهج العرفان إلي سبيل الايمان، في الفقه، لعماد الدين الطبري الحسن بن علي ابن محمّد، صاحب بضاعة الفردوس، و تحفة الأبرار، و كامل البهائي، ينقل عنه الشهيد الثاني في رسالة الجمعة».

۸) الواسطة: ذكره الشيخ منتجب الدين، و الشيخ الطهراني في الذريعة، و قال: «من أجلّ المتون الفقهيّة المعوّل عليها».

۹) الوسيلة إلي نيل الفضيلة: ذكره الشيخ منتجب الدين و غيره، و قال عنه الشيخ الطهراني في الذريعة: «من المتون الفقهيّة المعوّل عليها و المنقول عنها في الكتاب الفقهيّة».

۱۰) كتاب في قضاء الصلاة: نسبه إليه السيّد ابن طاوس في كتابه «غياث سلطان الوري» و نقل عنه.

أساتذته و شيوخه

استظهر العلّامة الخوانساري في روضات الجنّات من خلال كتابي الشيخ الحسن بن علي الطبرسي «مناقب الطاهرين» و «الكامل البهائي» و من سائر ما يوجد من النقل عنه في كتب الفتاوي و الاستدلال، أنّه كان في طبقة تلاميذ شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي، أو من تلاميذ ولده الشيخ أبي علي

و استظهر أيضا ممّا في مقدّمة «نزهة الناظر» الذي ذكرنا نصّ عبارته، أنّه كان في طبقة الشيخ تقي الدين أبي الصلاح الحلبي (۳۷۴- ۴۴۷ ه) تلميذ الشيخ الطوسي و السيّد المرتضي علم الهدي؛ و في طبقة الشيخ أبي يعلي سلّار بن عبد العزيز الديلمي الذي هو من شيوخ ابن الشيخ الطوسي، و المتوفّي سنة ۴۴۸ أو ۴۶۳ ه.

رغم أنّه شكّك في ذلك فقال: «مع أنّه خلاف ما يظهر من الاجازة و كتب الرجال و الأخبار».

و قال الشيخ الأفندي في رياض العلماء: «و قد قال بعض العلماء في كتابه أنّه رحمه اللّه تلميذ الشيخ الطوسي... و في كونه تلميذا للشيخ الطوسي محل نظر».

و قال في موضع آخر: «و قد يقال إنّه يروي عن الشيخ بلا واسطة، أو بواسطة، و هو الذي ينقل قوله في صلاة الجمعة بالحرمة، لا الآتي- أي أبي يعلي محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري- الذي كان خليفة الشيخ المفيد، كما قد يظن».

و لعل منشأ هذا الخلط هو اشتراك الشيخ عماد الدين و أبي يعلي بكنية «ابن حمزة»، و في اسميهما «محمّد»، و كونهما من كبار فقهاء عصرهما، حتي أنّ بعض العلماء نسبوا كتاب «الوسيلة إلي نيل الفضيلة» إلي الشيخ أبي يعلي، رغم أنّ الشيخ عماد الدين قد نقل قول أبي يعلي في الرمي، في كتاب الحج من الوسيلة: «و الرمي واجب عند أبي يعلي».

و الواقع أنّه بعيد الطبقة عن هؤلاء الأعلام، لأنّه ممّن نبغ في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، كما سيأتي بيانه.

و الثابت أنّه تلميذ الشيخ الفقيه الجليل محمّد بن الحسين- أو الحسن- الشوهاني.

روي عنه في كتابه هذا قائلا: «حدّثنا شيخي أبو جعفر محمّد بن الحسين بن جعفر الشوهاني رحمه اللّه في داره بمشهد الرضا عليه السلام».

و في موضع آخر قال: «و قد سمعت شيخي أبا جعفر محمّد بن الحسن الشوهاني رضي اللّه عنه، بمشهد الرضا عليه الصلاة و السلام، في داره، و هو يقرأ من كتابه، و قد ذهب عنّي اسم الراوي..»..

و روي عنه أيضا في كتابه في قضاء الصلاة علي ما في «غياث سلطان الوري» للسيّد ابن طاوس، قال:

«حكي ابن حمزة في كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسين الشوهاني أنّه كان يجوّز الاستيجار عن الميت».

و يستفاد من قوله في الثاقب (رحمه اللّه) أنّه لم يكن حيّا حين تأليف الكتاب، و اللّه أعلم.

ترجم له الشيخ منتجب الدين في الفهرست قائلا: «الشيخ العفيف أبو جعفر محمد بن الحسين الشوهاني، نزيل مشهد الرضا عليه و علي آبائه الطاهرين السلام، فقيه، صالح، ثقة».

و هو يروي عن الشيخين المفيدين: أبي علي الحسن بن محمّد بن الحسن الطوسي، و أبي الوفاء عبد الجبّار بن علي المقرئ الرازي، عن الشيخ الطوسي، كما ذكر ذلك تلميذه ابن شهرآشوب (المتوفّي سنة ۵۸۸ ه) في كتابه «مناقب آل أبي طالب».

من هذا أيضا يستفاد أنّ الشيخ عماد الدين يروي عن الشيخ الطوسي بواسطتين، و أنّه من طبقة الشيخ ابن شهرآشوب السروي.

تلاميذه و الراوون عنه

يروي عنه السيّد النسّابة جلال الدين عبد الحميد بن السيّد شمس الدين فخار بن معد الحسيني.

صرّح بذلك المحقّق الكركي في إجازته للقاضي صفي الدين عيسي، عند ذكره ابن حمزة صاحب الوسيلة، حيث قال:

«و قد رويت جميع مصنّفاته و مرويّاته بالأسانيد الكثيرة و الطرق المتعدّدة؛ فمنها الطرق المتعدّدة إلي الشيخ السعيد جمال الدين أحمد بن فهد، عن السيّد السعيد العالم النسّابة تاج الدين محمّد بن معيّة العلوي الحسني، عن شيخه السيّد العالم الفاضل علي بن عبد الحميد بن فخار العلوي الحسيني الموسوي، عن والده السيّد عبد الحميد، عن ابن حمزة».

من هذا يعلم أنّ ابن حمزة هو في طبقة السيّد فخّار بن معد (المتوفّي سنة ۶۳۰ ه) و مؤلّف كتاب «الحجّة علي الذاهب إلي تكفير أبي طالب».

عصره

ممّا يؤسف له أنّ كثيرا من أعلام الفكر الإسلامي لم يسجّل لهم تاريخ الميلاد أو الوفاة، و من اولئك الذين لم يهتد لتاريخ ميلادهم و وفاتهم الشيخ عماد الدين ابن حمزة، فأهملهما من ترجم له، بل أهملوا ذكر كثير من أساتذته و شيوخه و تلامذته و الراوين عنه، حيث لم نعرف الكثير منهم.

و لكن، ممّا تقدّم في فصول هذه المقدّمة تبيّن لنا أنّه عاش في القرن السادس الهجري، و ألّف كتابه هذا في النصف الثاني منه.

و يؤكّد ذلك ما ذكره هو في كتابه هذا، قال بعد أن أورد حديثا:

«و قد نقلت ذلك من النسخة التي انتسخها جعفر الدوريستي بخطّه، و نقلها إلي الفارسية في سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة، و نحن نقلناها إلي العربيّة من الفارسية ثانيا ببلدة كاشان، و اللّه الموفّق، في مثل هذه السنة:

سنة ستين و خمسمائة».

و أورد في هذا الكتاب بعض مشاهداته، منها قصّة أنو شروان المجوسي الأصفهاني الذي بعثه خوارزمشاه (المتوفّي سنة ۵۵۱ ه) رسولا إلي السلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي المتوفّي سنة (۵۵۲ ه).

مدفنه

قال السيّد الصدر في تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام:

«لا أعرف تاريخ وفاته، غير أنّه توفّي في كربلاء، و دفن في بستان خارج البلد، و قبره اليوم معروف خارج باب النجف، رضي اللّه تعالي عنه».

و أكّد ذلك الشيخ الطهراني في الثقات العيون، و عند ذكره لمصنّفاته في الذريعة.

و قال سلمان هادي طعمة، بعد أن أثني عليه: «و مرقده في الطريق العالم المؤدّي إلي مدينة الهنديّة- طويريج-».

الثاقب في المناقب

و قد ذكره في عداد مصنّفاته جلّ من ترجم له، كما ذكروا له كتابا في المعجزات، و لعله هذا.

و هو في خمسة عشر بابا، و حوي كلّ باب عدّة فصول، فالباب الأوّل في معجزات الرسول صلّي اللّه عليه و آله، و فيه خمسة عشر فصلا.

و الباب الثاني في بيان معجزات الأنبياء التي ذكرها اللّه تعالي في القرآن و بيان فضائلهم، و ما جعله اللّه تعالي لأهل بيت نبيّنا عليه و عليهم السلام ممّا يضاهيها و يشاكلها و يدانيها، و فيه أحد عشر فصلا.

و قد ألّف معاصره الفقيه المحدّث المفسّر قطب الدين الراوندي (المتوفّي سنة ۵۷۳ ه) كتابا في موضوع هذا الباب بالخصوص، سمّاه «الموازاة بين معجزات نبيّنا صلّي اللّه عليه و آله و معجزات أوصيائه عليهم السلام، و معجزات الأنبياء عليهم السلام» حوي أربعة و أربعين فصلا، ثمّ إنّه ألحقه بكتابه «الخرائج و الجرائح» و جعله الباب السابع عشر منه.

أمّا الأبواب الثلاثة عشر الاخري فهي في معجزات فاطمة عليها السلام و الأئمة الاثني عشر عليهم السلام.

و أمّا الباعث له علي تأليف هذا الكتاب فقد ذكره هو في المقدّمة، فقال:

«ثمّ إنّي ذكرت ذات يوم من خصائهم نتفا، و من فضائلهم طرفا، بحضرة من هو شعبة من تلك الدوحة الغرّاء، و زهرة من تلك الروضة الغنّاء، فاستحسن واردها، و استطرف شاردها، و استحلّي مذاقها، و استوسع نطاقها، و أشار بتصنيف أمثالها، و تزويق ظلالها، و جمع ما بذّ من فوائدها، و شذّ عن فرائدها..»..

فتأليفه لهذا «الثاقب» كان استجابة لرغبة ذاك السيّد الشريف، الذي لم يصرّح باسمه.

مصادر الكتاب:

استقي أحاديث و روايات كتابه هذا من طرق عديدة، منها:

- عن شيخه أبي جعفر الشوهاني، كما تقدّم.

- مشاهداته الشخصيّة لكرامات حدثت في زمانه، كحكاية أنو شروان المتقدّمة، و حكاية محمّد بن علي النيسابوري.

- نقلا عن كتب و مؤلفات، كما أشار لذلك في المقدّمة: «إنّ أصحابنا رضي اللّه عنهم قد صنّفوا في هذا المعني كتبا و صحفا ضخمة، و أنا ألتقط منها ما هو أروع إلي السمع، و أوقع في القلب، و أملأ للصدر».

و من الكتاب التي صرّح بأسمائها:

۱) كتاب بستان الكرام: للشيخ المحدّث أبي الحسن محمّد بن أحمد ابن شاذان القمّي، من أعلام القرن الرابع و الخامس، نقل حديثين من جزئه السادس و الثمانين.

۲) مفاخر الرضا: للحاكم النيسابوري أبي عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه ابن البيع الشافعي (۳۲۱- ۴۰۵ ه) صاحب «المستدرك علي الصحيحين».

۳) حلية الأولياء: للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد اللّه الأصفهاني (۳۳۶- ۴۳۰ ه).

۴) فضائل البتول: لأبي موسي.

۵) سير الأئمة: للموليني.

و علي ما أعلم فانّه لم يصلنا في هذا العصر من هذه الكتاب الخمسة إلّا كتاب «حلية الأولياء».

و من أجل هذا و غيره فقد تفرّد كتابنا هذا بأحاديث نادرة كان هو المصدر لها في عصرنا الحاضر، لذا كانت مهمّة تخريج أحاديثه كلّها عسيرة جدّا، فبقيت فيه أحاديث لم نعثر لها علي مصدر آخر.

النسخ المعتمدة في التحقيق

۱) النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة سماحة البحاثة المحقق العلامة السيد محمد علي الروضاتي الأصفهاني دام مؤيدا فقد تفضل مشكورا و سمح لنا بالمخطوطة نفسها فقابلنا عليها من أولها إلي آخرها و تحتوي المخطوطة علي ۲۲۹ ورقة، و كانت أصح النسخ لأن عليها تصحيح صاحب روضات الجنات (قدس) و مع ذلك لم أجعلها الأصل بل عملت علي التلفيق بين النسخ مع تثبيت الاختلاف بين النسخ في الهامش و كانت النسخة بخط واحد و ذكر في آخر صفحاتها أنه تم بعون اللّه تعالي و توفيقه علي يد أفقر عباد اللّه الغني محمد بن محمد الحراري الأتريجي كان اللّه له و لوالديه و المؤمنين غفورا رحيما. و قد رمزت لها بالحرف «ر».

۲) النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة مسجد گوهرشاد في مشهد الإمام الرضا (ع) تحت رقم ۵۴۶ العناوين مكتوبة بالقلم الأحمر، يتكون الكتاب من ۱۵۲ ورقة طولها* عرضها ۱۵* ۵، ۲۱ سطرا من النسخ الجيد و بخط واحد مع ختم الحاج السيد سعيد النائيني مؤسس المكتبة. و قد رمزت لها بالحرف: ك.

۳) النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة ملك في طهران تحت رقم ۳۷۵۶ كتبت بخط الناسخ محمد بن قسط، و العناوين مكتوبة بالقلم الأحمر من مخطوطات القرن الثاني عشر الهجري تقع النسخة في ۲۴۴ ورقة عدد الأسطر ۱۵ سطرا في كل صفحة بحجم واحد ۱۴ ۳۰ و قد رمزت لها بالحرف: «م».

۴) النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية اللّه العظمي السيد المرعشي النجفي «رحمه اللّه» العامة في مدينة قم المقدسة تحت رقم (۲۸۲۳) كتبها بخط النسخ الشيخ علي الزاهد القمي، و كتب عناوينها بالخط الأسود و في حاشيتها تصحيح و علامات بلاغ و مقابلة بخط الناسخ و في بدايتها و نهايتها ختم بيضوي «حسين الطباطبائي» تقع النسخة في ۲۷۲ ورقة في كل ورقة ۱۵ سطرا بحجم ۲۱ ۱۵ سم و كانت كثيرة السقط و الأغلاط و قد رمزت لها بالحرف: «ش».

۵) النسخة الثانية المحفوظة في خزانة مكتبة آية اللّه العظمي المرعشي النجفي «رحمه اللّه» العامة في قم المقدسة رقم المجموعة (۱۲۵۱) عدد الأوراق ۸۳ الموجود منها إلي نهاية حياة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام و الباقي ساقط من النسخة، و النسخة من القرن الثامن أو التاسع، و قد رمزت لها بالحرف: «ع».

۶) النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة روضة خيري بمصر مخطوطة سنة ۱۰۶۴ ه تحت رقم ۵۴۵ عدد الأوراق ۱۹۷، مصورة في معهد المخطوطات العربية في الكويت تحت رقم (۱۳۹۷) و قد رمزت لها بالحرف: «ص».

شكر و تقدير

أتقدم بالشكر الجزيل الوافر لسماحة حجة الإسلام و المسلمين أستاذنا المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي «دام ظله» لما ألقاه من تشجيع في الاستمرار في تحقيق هذا الكتاب و إرشادي إلي إمكان وجود نسخ خطية جيدة آخرها نسخة صاحب الروضات في أصفهان فقد تجشم الذهاب معنا إلي أصفهان و تفضل علينا سماحة البحاثة المحقق العلامة السيد محمد علي الروضاتي الأصفهاني دام مؤيدا باعطائها و مقابلتها من أولها إلي آخرها و له منا جزيل الشكر، و كذلك أشكر الأخ عزيز الحاج رحيم الخفاف لما بذل من مشاركة في إخراج هذا السفر الجليل إلي الوجود كما أشكر الاخوة في مؤسسة بعثت لما قدموه لي من ملاحظات قيمة راجيا من اللّه العلي القدير أن يوفقهم لخير الدارين و خدمة الدين الحنيف.

قم المقدسة، شهر ذي الحجة، ۱۴۱۱ ه. «نبيل رضا علوان»

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه العلي مجده، الغالب جنده، الفائض فضله، الدائم طوله، الذي له الخلق و الأمر، و بيده الخذلان و النصر، و إليه المرجع و المصير، و هو العليم القدير، لا معقّب لحكمه، و لا عازب عن علمه، و لا محيص عن قدره، و لا رادّ لقضائه، أحاط بكلّ شي‌ء علما، و أحصي كلّ شي‌ء عددا.

و أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، شهادة قائدها التوفيق، و سائقها التحقيق، و باعثها الإيقان، و راعيها البيان.

و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، (انتجبه من أفضل أرومة و أكرم جرثومة، و أفضل قبيلة، و معدن فضيلة)، تناسخته كرائم الأصلاب إلي شرائف الأرحام، لم تدنّسه الجاهلية بأنجاسها، و لم تلحقه الضلالة بعنادها، و لم يكنفه إلّا من ذكا شهابه، و زكا نصابه، و طاب مولده، و كرم محتده، فأظهره من بيت العرب، و معدن الحسب، من هاشم و عبد المطلب، (فربّاه بالعلم، و غذّاه بالحلم) و علّمه البيان، و أنزل عليه القرآن.

بعثه و معالم الدين دارسة، و مناهج الحقّ طامسة، و الناس حياري في سكرة، سكاري في حيرة، فدعا إلي الحقّ، و هدي إلي الصدق، و نصح الخلق، و أمر بالقصد، و بعث علي الرشد، و احتمل العناء، و يظلّ نهاره مجاهدا، و يبيت ليله مكابدا، حتّي أقام عمود الدين، و ثبّت قواعد اليقين، و نفر الشرك هاربا، و نكب الشكّ خائبا، و رست دعائم الإيمان، و رسخت قواعد الإحسان، و أظهر الإسلام، و نفّذ الأحكام، و خلص الدين للّه و لو كره المشركون

ثمّ إنّه لمّا دنا أجله و انقضي نحبه و آثر جوار ربّه، نظر لأمته نظر الوالد لولده، و ركّز فيهم راية الحقّ، و نصب لهم لواء الصدق، و خلّف فيهم الثقلين: كتاب اللّه، و عترته أهل بيته، دليلين في الظلمة، قائدين إلي الرحمة.

و ذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا، قال اللّه تعالي: وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً و فيه ما يجلو العمي، و يدعو إلي الهدي، و إن كان لا ينطق بلسانه، و لا يحكم ببيانه، و لا يذكر ما فيه، و لا يظهر ما في مطاويه، إلّا بدليل ناطق، و مقر صادق، و الدليل علي أحكامه من جعله النبيّ صلي الله عليه و آله له قرينا، و نصبه عليهم أمينا بقوله: «إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، فإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّي يردا عليّ الحوض». فهما قرينان متّفقان، و صاحبان لا يفترقان.

و قد جعل عندهم بيانه، و عليهم أنزل قرآنه، و منهم ظهر برهانه، قال اللّه تعالي: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَي الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدي فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

و قد دلّ الكتاب علي أنّهم المعصومون من الزلل، المأمونون من الخطل، بقوله تعالي: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و نبّه علي أنّهم هم الأمناء علي التنزيل، العلماء بالتأويل، بقوله:

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ و ذكر أنّه ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ. فهم الفائزون بعلمه، العالمون بحكمه، الملهمون لسرّه، العاملون بأمره، و هم ورثة الأنبياء، و بقيّة الأصفياء، و حملة الكتاب، و المهتدون إلي الصواب بقوله تعالي:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفي آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَي الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فدلّ علي أنّهم الصفوة من الصفوة، و الأسوة من الأسوة، ليظهر مواقعها، و يشهر مواضعها، و يسفر صاحبها، و يزهر مصباحها، و لا يغلق بابها، و لا يبهم خطابها، و لا يتقحم راكبها، و لا يتخلل مواكبها.

قال اللّه تعالي: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّي يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ.

ثمّ بيّن علي ذلك دليلا، و هدي إليه سبيلا بقوله تعالي: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَي الْكاذِبِينَ. فنبّه علي أنّهم هم الذريّة و الصفوة، و النفس و الأسوة، و المبرّءون من الكذب، و المطهّرون من الريب، و المخصوصون بالاصطفاء، و المكرّمون بالاجتباء، و الحجج علي الخليقة، و الهداة إلي الطريقة، بعثا علي حطّ رحل الطلب بفنائهم، و فصل الحكم بقضائهم.

قال اللّه تعالي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.

ثمّ نفي الاختيار عن غيره، و أضافه إلي أمره بقوله تعالي:

وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فتناسي أكثر الأمّة وصيّته، و اجتهدوا في إطفاء نوره، و إخفاء نهجه، و يأبي اللّه إلّا أن يتمّ نوره، و يوضّح منهاجه، و يزهر سراجه، و يحيي معالمه، و يرسي دعائمه، فأمدّهم علي تشردهم في الأقطار، و تباعدهم في الديار، ممّا تخرّ له الجباه، و تتقلّص له الشفاه، و تعنو له الرقاب، و تتضاءل له الألباب من زواهر الآيات، و بواهر البيّنات، ما تأثره المقرّ و الجاحد، و يرويه الشامخ و المعاند، و تزداد علي مرّ الأيّام جدّة، و علي كرّ الأيّام عدّة، و علي كثرة الأعداء ظهورا، و علي فترة الأولياء بهورا، لتأكيد الحجّة، و تبيين المحجّة.

ثمّ إنّي ذكرت ذات يوم من خصائصهم نتفا، و من فضائلهم طرفا، بحضرة من هو شعبة من تلك الدوحة الغرّاء، و زهرة من تلك الروضة الغناء، فاستحسن واردها، و استطرف شاردها، و استحلي مذاقها، و استوسع نطاقها، و أشار بتصنيف أمثالها، و تزويق ظلالها، و جمع ما بذّ من فوائدها، و شذّ من فرائدها، فاستخرت اللّه سبحانه في ذلك، و طفقت أجمع علي ترتيب غريب، و تركيب عجيب، و أنظم أن أذكر أوّلا طرفا من المعجزات لسيّد الأنبياء، و إمام الأولياء محمّد المصطفي صلي الله عليه و آله، ثمّ اثنّي بما في كتاب اللّه سبحانه و تعالي من آيات الأنبياء و دلالات الأصفياء، ثمّ إنّي أذكر بإزاء كلّ آية ما توازيها، و بدل كلّ فضيلة فضيلة تضاهيها، من آيات أئمّتنا (صلوات اللّه عليهم).

ثمّ أستأنف الكلام، و أرتّب النظام، و ابتدئ بذكر أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، و أذكر قليلا من آياته، و طرفا من دلالاته.

ثمّ أذكر لسيّدة النساء الإنسية، الحوراء المرضية، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ما يدلّ علي شرف فضائلها، و يهدي إلي وضوح دلائلها.

ثمّ أذكر لكلّ واحد من الأئمّة عليهم السلام، علي الترتيب و النسق، إلي الحجّة المنتظر، بعض آياته، ليدلّ علي شرف غايته، إذ لو ذهبت أجمع ما ظهر من الآيات و ما بهر علي أيديهم من الدلالات لضاق الزمان، و تعذّر الإمكان، و فني القلم، و نفد البياض.

و إنّ أصحابنا (رضي اللّه عنهم) قد صنّفوا في هذا المعني كتبا و صحفا ضخمة، و أنا ألتقط منها ما هو أروع إلي السمع، و أوقع في القلب، و أملأ للصدر، و قد سمّيته ب «الثاقب في المناقب».

و أسأل اللّه سبحانه و تعالي أن يجعل ذلك خالصا لرضاه، و لا يكلني إلي سواه، إنّه وليّ ذلك و القادر عليه.

الباب الأوّل في ذكر طرف من معجزات نبيّنا محمّد صلي الله عليه و آله

في بيان مقدمات الكتاب

اعلم وفّقك اللّه أنّا لو ذهبنا نجمع جميع معجزاته، و نؤلّف أكثر آياته، لاعترانا الفتور، و أزري بنا القصور، لأنّه لم يعط أحد من الأنبياء الماضين (عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام) آية، إلّا و قد اعطي مثلها و زيد له، لأنّه أفضل البشر، و سيّد الخلق (عليه أفضل الصلاة و السلام)، و قد اقتصرنا علي عدّة آيات تبركا بذكره، و تيمّنا بنشره.

و قد ظهرت معجزاته علي أنحاء، فأظهرها و أسناها و أبهرها و أبهاها: القرآن، لأنّه باق علي مرّ الأزمان، لا يزيده طول الأحقاب إلّا اعتلاء، و لا كثرة التلاوة إلّا بهاء، و لو ذكرت ما فيه لطال الخطاب، و لم يسع سطره الكتاب.

و له معجزات أخر، يشهد بصحّتها القرآن، و يحكم بحقيتها البيان، مثل انشقاق القمر، و المعراج، فأعرضنا عن ذكر ذلك لشهرتها بين أهل الإسلام.

و للمعجز أحكام لا بدّ من معرفتها:

أحدها: أن يكون من فعل اللّه تعالي.

و ثانيها: أن يكون خارقا للعادة.

و ثالثها: أن يكون متعذّرا مثله علي الخلق في الجنس، مثل إحياء الموتي، أو في الصفة نحو القرآن و انشقاق القمر.

و رابعها: أن يكون موافقا لدعوي المدّعي، و إنّما يدلّ المعجز علي صدق المدّعي فحسب، سواء كان مدّعيا للنبوّة، أو الإمامة، أو الصلاح.

و قد يظهر اللّه تعالي المعجز علي أيدي الصالحين من عباده -بحسب المصلحة- إذا كان الوقت يقتضيه، فلا يدلّ بالإبانة علي النبوّة، كما ذهب إليه قوم، و شرح ذلك و بيانه مذكوران في موضعهما.

و ما ظهر من آياته صلي الله عليه و آله إما ظهر قبل بعثته، أو بعدها.

فالأوّل: إنّما أظهره اللّه تعالي علي يده، تعظيما له في قلوب الناس، لطموح الأبصار إليه، و اعتماد الخلق عليه.

و الآخر: إنّما أظهره عقيب دعواه ليدلّ علي أنّه الصادق فيما ادّعاه، المحق فيما ابتناه، المقتدي بفعاله، المهتدي بمقاله.

فإن ظهر لا عقيب دعواه كان ذلك تنبيها للحاضر، و تعريفا للناظر، و تذكيرا للمتأمل الذاكر، سواء كان ابتداء من القديم تعالي، أو بسبب أمر يقتضي ذلك، سواء ظهر علي يده، أو علي يد غيره من إجابة الدعاء، أو دفع البلاء، أو كبت عدوّ، أو عون ولي، أو نفاذ أمر، أو إنهاء عذر، أو تقديم نذر، أو إحياء سنّة، أو تضعيف منّة، أو ترغيب في الإسلام، أو ترهيب عن الآثام.

و نحن نذكر- بعون اللّه- من ذلك مقدار مائة آية له صلي الله عليه و آله، ليسهل حفظه، و لا يبعد حظه، و من اللّه استمد التوفيق علي العمل، و العصمة من الزلل، لأنّه وليّ ذلك و القادر عليه.

في بيان ظهور آياته التي ظهرت علي يديه في المياه و فيه: أحد عشر حديثا

۱) عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله كان في بعض غزواته فنفد الماء، فقال: يا عليّ قم إلي هذه الصخرة، و قل: أنا رسول رسول اللّه إليك، انفجري ماء، فو الذي أكرمه بالنبوّة، لقد بلّغتها الرسالة، فطلع منها مثل ثدي البعير، فسال منها من كلّ ثدي ماء، فلمّا رأيت ذلك أسرعت إلي النبيّ صلي الله عليه و آله و أخبرته، فقال: انطلق يا عليّ فخذ من الماء. و جاء القوم حتّي ملأوا قربهم و إداواتهم، و سقوا دوابهم، و شربوا، و توضئوا».

۲) و عنه عليه السلام أنّه قال: «أمرني صلي الله عليه و آله في بعض غزواته، و قد نفد الماء، فقال: يا عليّ آتني بتور. فأتيته به، فوضع يده اليمني و يدي معها في التور، فقال: انبع فنبع الماء من بين أصابعنا».

و التور: شبه ركوة يغسل منها اليد و الوجه.

۳) عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام أن قال: «لمّا نزل رسول اللّه صلي الله عليه و آله الحديبية، شكوا إليه العطش و قلّة الماء، فقال صلي الله عليه و آله: اطلبوا لي ماء. فأتي بماء، فشرب صلي الله عليه و آله، و غسل منه وجهه، و صبّه في القليب، فجاشت حتّي اغترف الناس بالقصاع منه».

۴) عن عليّ عليه السلام، قال: «بعثني رسول اللّه صلي الله عليه و آله في بعض غزواته إلي ركي، فأتيت الركي، فإذا ليس فيه ماء؛ فرجعت إليه فأخبرته، فقال: فيه طين؟ فقلت: نعم، فقال: آتني بشي‌ء منه، فأتيته بطين منه، فتكلّم فيه، فقال: اذهب و القه بالركي، فألقيته فيه، فإذا الماء قد ارتفع حتّي امتلأ الركيّ و فاض من جانبيه، فجئت مسرعا، فأخبرته بالذي رأيت، فقال: أ ما تعجب يا عليّ أنّ اللّه أنبعه بقدرته».

۵) عن أبي هدبة إبراهيم بن هدبة، عن أنس، قال: كان رسول اللّه صلي الله عليه و آله في بعض غزواته، فغلبهم العطش، فإذا بجارية سوداء حبشية، معها راوية، فقال له أصحابه: يا رسول اللّه هذه راوية ماء.

قال: فأخذ بخطام البعير، و الجارية تقول: يا عبد اللّه ما تريد منّي؟! قال: «لا بأس عليك» ثمّ نادي أصحابه: «هاتوا أوعيتكم».

فجاؤوا بها، فحلّ الراوية، فلم يبق فيها شي‌ء من الماء، و ملأ القوم أوعيتهم، ثمّ قال: «زوّدوها من تمركم». فزوّدوها كسرا و تمرات، ثمّ قال للجارية: «أدني منّي». فمسح يده صلي الله عليه و آله علي وجهها فابيضّ وجهها، ثمّ مسح يده علي الراوية، و قال: «بسم اللّه»، فإذا الراوية كأنّها لم ينقص منها شي‌ء.

قال: فذهبت الجارية إلي أهلها، فقال مولاها: أمّا البعير فبعيري، و الراوية راويتي، و الجارية ليست بجاريتي، فقالت: أو لست بجاريتك؟!

قال: فما بال وجهك أبيض؟! قالت: استقبلني رجل يسمّي محمّد رسول اللّه صلي الله عليه و آله... و قصّت عليه القصّة.

قال: فأتي مولاها رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و قال: يا رسول اللّه إنّ لنا بئرا مغورة، و إنّ ماءنا من مكان بعيد.

قال: «فأرنيها». فأراه، فتفل فيها بريقه الشريف و قال: «بسم اللّه» و لو لا أنّه قال ذلك لغرّقهم الماء، لكن صار ثلثيها، و شربوا منها ماء عذبا.

و في ذلك عدّة آيات.

۶) عن عليّ عليه السلام قال: «كان رسول اللّه صلي الله عليه و آله في غزوة، فشكونا إليه الظمأ، فدعا بركوة يمانية، ثمّ نصب يده المباركة فيها، فتفجّرت من بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا و صدرت الخيل رواء، و ملأنا كلّ مزادة و سقاء و قربة».

۷) و عنه عليه السلام، قال: «كنّا معه صلي الله عليه و آله بالحديبية، و إذا ثمّ قليب جافّة، فأخرج صلي الله عليه و آله سهما من كنانته و ناوله البراء بن عازب، و قال له: اذهب بهذا السهم إلي هذه القليب فاغرزه فيها. ففعل ذلك، فتفجّرت اثنتا عشرة عينا من تحت السهم».

۸) و عنه عليه السلام، قال: «و يوم الميضاة عبرة و علامة، دعا بالميضاة فنصب يده فيها، ففاض الماء، و ارتفع حتّي توضّأ منها ثمانية آلاف رجل، و شربوا حاجتهم، و سقوا دوابهم، و حملوا ما أرادوا».

۹) عن عرو بن الزبير، قال: مرّ النبيّ صلي الله عليه و آله في بعض غزواته علي ماء يقال له: بيسان، فسأل عنه، فقيل: يا رسول اللّه اسمه بيسان، و هو ماء مالح، فقال صلي الله عليه و آله: «بل هو نعمان، و هو طيّب» فغيّر الاسم، فغير اللّه الماء و عذب.

۱۰) عن عمرو بن سعيد، قال: قال لي أبو طالب: كنت مع ابن أخي بسوق ذي المجاز، فاشتدّ الحرّ فعطشت، فشكوت إليه، و قد علمت أنّه ليس عنده شي‌ء، فقال: «يا عمّ عطشت؟» فقلت:

نعم، فثني وركه، فنزل، فألقم عقبه الأرض، ثمّ رفع و قال: «اشرب يا عمّ» فشربت حتّي رويت.

۱۱) عن عليّ عليه السلام، قال: «خرج رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلي حنين، فإذا هو بواد يشخب، فقدّرناه فإذا هو قدر أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول اللّه، العدوّ من وراثنا، و الوادي أمامنا؛ كما قال أصحاب موسي عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، فنزل رسول اللّه صلي الله عليه و آله فقال: اللهم إنّك جعلت لكلّ نبيّ مرسل دلالة، فأرني قدرتك.

فركب صلي الله عليه و آله، و عبرت الخيل لا تندي حوافرها، و الإبل لا تندي أخفافها، و رجعنا، فكان فتحنا».

في بيان آياته الواردة في الأطعمة و الأشربة و فيه: تسعة أحاديث

۱۲) أخبرنا أبو صالح عن ابن عبّاس، قال: كان سبب تزويج النبيّ صلي الله عليه و آله بخديجة عليها السلام، أنّه أقبل ميسرة- عبد

خديجة- و كان النبيّ صلي الله عليه و آله قد نزل تحت شجرة، فرآه الراهب، فقال:

من هذا الذي معك؟ فقال: من أهل مكة، قال: فإنّه نبي، و اللّه ما جلس في هذا المجالس بعد عيسي عليه السلام أحد غيره.

قال: فأقبل إلي خديجة فقال لها: إنّي كنت آكل معه حتّي أشبع، و يبقي الطعام، فدعت خديجة بقناع عليه رطب، ودعت أختها هالة، و هي امرأة أبي العاص بن الربيع بن عبد العزي بن عبد الشمس، ودعت النبيّ صلي الله عليه و آله، فأكلوا حتي شبعوا و لم ينقص منه شي‌ء.

۱۳) عن عليّ عليه السلام، قال: «لمّا نزلت: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا رسول اللّه صلي الله عليه و آله ثلاثين من أهل بيته، و كان الرجل منهم ليأكل جذعة و يشرب زقا، فقرّب إليهم رجلا فأكلوا حتّي شبعوا».

و في الحديث طول.

۱۴) عن أبان بن عثمان، يرفعه بإسناده، قال: إنّ أبا أمامة أسعد بن الأرت [كان] يبعث إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله كلّ يوم غداء و عشاء في قصعة، ثريدا عليه عراق، و كان يأكل معه من حوله حتّي يشبعوا، ثمّ ترد القصعة كما هي.

۱۵) عن عمر بن ذر قال: حدّثنا مجاهد أنّ أبا هريرة كان يقول: و اللّه الذي لا إله إلّا هو، إنّي كنت لأعتمد بيدي علي الأرض من الجوع، و إنّي كنت لأشدّ الحجر علي بطني من الجوع، و لقد قعدت يوما علي طريقهم الذي يخرجون منه، فمرّ بي أبو بكر.

فسألته عن آية من كتاب اللّه، و ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ بي و لم يفعل.

ثمّ مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب اللّه، و ما سألته إلّا ليشبعني و لم يفعل.

ثمّ مرّ بي أبو القاسم صلي الله عليه و آله، فتبسّم حين رآني، و عرف ما في نفسي، و ما في وجهي، فقال: «يا أبا هريرة». فقلت: لبيك يا رسول اللّه، [قال]: «التحق».

و مضي، و اتبعته و دخل، و استأذنت، فأذن لي، و دخلت، فوجدت لبنا في قدح فقال: «من أين هذا اللبن؟» قالوا: أهداه لك فلان- أو فلانة-.

قال: «يا أبا هريرة» قلت: لبّيك يا رسول اللّه. قال: «الحق أهل الصّفّة و ادعهم».

قال: و أهل الصّفّة أضياف أهل الإسلام لا يأوون إلي أهل و مال، و إذا أتته صلي الله عليه و آله صدقة بعث بها إليهم، و لم يتناول شيئا، و إذا أتته هديّة أصاب منها و أشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: ما هذا اللبن في أهل الصّفة؟! كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّي بها، و أنا الرسول؟! فإذا جاءوا فأمرني فكنت أعطيهم، و ما عسي أن يبلغني من هذا اللبن؟! و لم يكن بد من طاعة اللّه عزّ و جل، و من طاعة رسوله، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا حتّي استأذنوا، فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت.

فقال: «يا أبا هريرة»، فقلت: لبيك يا رسول اللّه، قال: «خذ و أعطهم» فأخذت القدح، و جعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتّي يروي، ثمّ يردّ القدح حتّي انتهيت إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و قد روي القوم كلّهم، فأخذ القدح فوضعه علي يده، و نظر إلي فتبسّم و قال: «يا أبا هريرة». فقلت: لبيك. قال: «بقيت أنا و أنت» قلت: صدقت يا رسول اللّه، قال: «اقعد و اشرب».

فشربت حتّي رويت، فما زال صلي الله عليه و آله يقول: «اشرب، اشرب» حتّي رويت و قلت: و الذي بعثك بالحقّ نبيّا، ما أجد له مسلكا.

قال: «فاعطني» قال: فأعطيته، فحمد اللّه عزّ و جل، و أثني عليه، و سمّي، و شرب الفضلة.

۱۶) عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله، لم يكن شي‌ء أحبّ إليه في الشاة من الكتف، فدخل علي قوم من الأنصار، فذبح شاة فأمر بها فسلخت ثمّ قطعت، ثمّ انضجت، فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «هات الكتف» فجاءه به، ثمّ قال:

«هات الكتف» فجاءه به، ثمّ قال: «هات الكتف» فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، إنّي ذبحت شاة واحدة، و قد أتيتك بثلاث أكتاف، قال: «أما إنّك لو سكتّ لجئت بما دعوت به».

۱۷) عن الصادق عليه السلام، قال: «إنّ سلمان رضي اللّه عنه أشار علي النبيّ صلي الله عليه و آله بحفر الخندق، فأمر أصحابه أن يحفروا».

قال: «فأرسلوا إلي النبيّ صلي الله عليه و آله جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و كان أصغر القوم، فقال: يا رسول اللّه إنّا لنضرب بالمعاول فما نقدر علي شي‌ء من الأرض. قال: خذ بيدي، فذهب النبيّ صلي الله عليه و آله ليستقل به، فما استطاع، فعلم جابر أنّ ذلك الضعف إنّما هو من الجوع، و كان لا يرجع أحد حتّي يستأذن النبي صلي الله عليه و آله.

قال: فأتيته فقلت: يا رسول اللّه، إنّي أحبّ أن تأذن لي. قال:

«انصرف» فانصرفت، و طحنت صاعا، و ذبحت جذعة، فأتي النبيّ صلي الله عليه و آله حين ظن أنّهم قد فرغوا، فقال: إنّي أحبّ أن تجيئني أنت و رجل أو رجلان ممّن أحببت.

فقال: أيّها الناس أجيبوا جابر بن عبد اللّه. و قد عدّوا بالأمس ألف رجل، قال: فدنا من النبيّ صلي الله عليه و آله، و قال: إنّه ليس عندي إلّا جذعة و صاع طحنته. فقال: أيّها الناس، أجيبوا جابرا.

قال: فانطلق حتّي دخل علي زوجته، و قال: قد افتضحنا، قالت: و لم؟ فأخبرها، قالت: فأنهيت ما كان عندك إلي النبيّ صلي الله عليه و آله؟

قال: نعم، قالت: أسكت، فإنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله لم يكن ليفضحك.

فدخل النبيّ صلي الله عليه و آله، و دعا بعشر صحاف، و حلّقهم عشرة عشرة، ثمّ قال لها: سمّي و اغرفي و أبقي، و سمّي و اثردي و أبقي.

قال: و سمّي النبيّ صلي الله عليه و آله فدعا مائة فما رئي منهم إلّا أثر أصابعهم، فقاموا، ثمّ دعا مائة أخري، فجلسوا، و سمّي النبيّ صلي الله عليه و آله فما رئي منهم إلّا أثر أصابعهم، فما زال يجي‌ء مائة، مائة، حتّي فرغ القوم، و كلّ ذلك يسمّي، قال: فبقي الطعام كما هو حتّي استطعموه العيال، و الجيران، و الصبيان».

۱۸) عن سيف، عن أبان، عن أنس بن مالك، قال: كنّا مع النبيّ صلي الله عليه و آله في غزوة فانتقص زاد القوم، فقال: «هل فيكم أحد معه شي‌ء؟» فجاءه رجل بكفّ برّ، بقية برّ، فبسط له ثوبا ثمّ رمي به عليه، ثمّ غطاه، فدعا اللّه تعالي، ثم كشف عنه، فأخذ الناس منه، و لقد رأيت أحدب و هو يشدّ كمّه رباطا حتّي يملأه، فأخذ العسكر منه علي هذا النحو، ما بقي أحد إلّا أخذ حاجته، فأقلع و هو كما هو.

۱۹) مثله: شكوا إليه في غزوة تبوك نفاد الزاد، فدعا بفضلة زاد لهم، فلم يجد إلّا بضع عشرة تمرة، فطرحت بين يديه، فمسّها بيده المباركة، و دعا ربّه ثمّ صاح في الناس فانحلقوا، و قال: «كلوا بسم اللّه» فأكل القوم فصاروا كأشبع ما كانوا، و ملأوا مزاودهم و أوعيتهم، و التمرات كلّها كهيئتها، يرونها عيانا.

۲۰) عن جابر بن عبد اللّه، قال: توفي- أو استشهد- عبد اللّه بن عمرو بن حزام، فاستغثت برسول اللّه صلي الله عليه و آله علي غرمائه أن يضعوا من دينهم شيئا، فأبوا، فقال صلي الله عليه و آله: «اذهب فصنّف تمرك أصنافا» ففعلت، ثمّ أعلمته فجاء، فقعد علي أعلاه- أو في وسطه- ثمّ قال: «كل للقوم». فكلت لهم حتّي وفيتهم، و بقي تمري، كأنّه لم ينقص منه شي‌ء.

في ظهور آياته فيما أنزل عليه من السماء و فيه: ثلاثة عشر حديثا

۲۱) عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «أمطرت المدينة ليلة مطرا شديدا، فلمّا أصبحوا خرج رسول اللّه صلي الله عليه و آله بعلي فمرّ برجل من أصحابه، فخرجوا من المدينة إلي جبل ريّان- و هو جبل مسجد الخيف- فجلسوا عليه، فرفع رسول اللّه صلي الله عليه و آله رأسه، فإذا رمّانة مدلاة من رمّان الجنّة، فتناولها رسول اللّه صلي الله عليه و آله ففلقها، و أكل منها و أطعم عليّا عليه السلام، و قال: يا فلان هذه الرمّانة من رمّان الجنّة، لا يأكلها في الدنيا إلّا نبي، أو وصيّ نبي».

۲۲) عن عليّ بن الحسين، عن أبيه عليهما السلام، قال:

«اشتكي الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام و برئ، و دخل بعقبة مسجد النبيّ صلي الله عليه و آله، فسقط في صدره، فضمّه النبيّ صلي الله عليه و آله، و قال: فداك جدّك تشتهي شيئا؟ قال: نعم، أشتهي خربزا، فأدخل النبيّ صلي الله عليه و آله يده تحت جناحه ثمّ هزّه إلي السقف. قال حذيفة: فأتبعته بصري، فلم ألحقه، و إنّي لأراعي السقف ليعود منه، فإذا هو قد دخل من الباب و ثوبه من طرف حجره معطوف، ففتحه بين يدي النبيّ صلي الله عليه و آله، و كان فيه بطيختان، و رمّانتان، و سفرجلتان، و تفاحتان، فتبسّم النبيّ صلي الله عليه و آله و قال:

«الحمد للّه الذي جعلكم مثل خيار بني إسرائيل، ينزل إليكم رزقكم من جنّات النعيم، امض فداك جدّك و كل أنت و أخوك و أبوك و أمّك، و خبأ لجدّك نصيبا فمضي الحسن عليه السلام، و كان أهل البيت عليهم السلام يأكلون من سائر الأعداد و يعود، حتّي قبض رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فتغير البطيخ، فأكلوه فلم يعد، و لم يزالوا كذلك حتّي قبضت فاطمة عليها السلام، فتغيّر الرّمان، فأكلوه فلم يعد، و لم يزالوا كذلك حتّي قبض أمير المؤمنين عليه السلام، فتغيّر السفرجل، فأكلوه فلم يعد، و بقيت التفاحتان معي و مع أخي، فلمّا كان يوم آخر عهدي بالحسن، وجدتها عند رأسه و قد تغيّرت، فأكلتها، و بقيت الأخري معي».

۲۳) و روي عن أبي محيص أنّه قال: كنت بكربلاء مع عمر بن سعد لعنه اللّه فلمّا ركب الحسين عليه السلام العطش، استخرجها من ردائه و اشتمها، و ردّها، فلمّا صرع عليه السلام فتشته فلم أجدها، و سمعت صوتا من رجال رأيتهم، و لم يمكني الوصول إليهم، أنّ الملائكة تتلذّذ بروائحها عند قبره، عند طلوع الفجر، و قيام النهار.

و في الحديث طول، أخذت موضع الحاجة.

۲۴) و روي أبو موسي في مصنّفه (فضائل البتول عليها السلام) أنّ جبرئيل جاء بالرّمانتين، و السفرجلتين، و التفاحتين، و أعطي الحسن و الحسين عليهما السلام، و أهل البيت يأكلون منها، فلمّا توفّيت فاطمة عليها السلام تغيّر الرّمان و السفرجل، و التفاحتان بقيتا معهما، فمن زار الحسين عليه السلام من مخلصي شيعته بالأسحار وجد رائحتها.

و لست أدري أن الأمرين واحد أم اثنان؟ و قد وقع هذا الاختلاف في الرواية، و اللّه أعلم.

۲۵) عن عليّ عليه السلام، قال: «بينما رسول اللّه صلي الله عليه و آله يتضوّر جوعا، إذ أتاه جبرئيل عليه السلام بجام من الجنّة فيه تحفة من تحف الجنّة، فهلّل الجام، و هلّلت التحفة في يده، و سبّحا و كبّرا و حمّدا، فتناولهما أهل بيته، ففعلوا مثل ذلك.

فهمّ أن يتناولها بعض أصحابه، فتناوله جبرئيل عليه السلام، و قال له: كلها، فإنّها تحفة من الجنّة، أتحفك اللّه بها، و إنّها ليست تصلح إلّا لنبي، أو وصي نبي، فأكل صلي الله عليه و آله و أكلنا، و إنّي لأجد حلاوتها إلي ساعتي هذه».

۲۶) عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، مرسلا، قال: دخل رسول اللّه صلي الله عليه و آله علي فاطمة عليها السلام، و ذكر فضل نفسها، و فضل زوجها و ابنيها- في حديث طويل- فقالت عليها السلام: «يا رسول اللّه، و اللّه لقد بات ابناي جائعين» فقال: «يا فاطمة، قومي فهاتي العفاص من المسجد».

قالت: «يا رسول اللّه ما لنا من عفاص» قال: «يا فاطمة قومي، فإنّه من أطاعني فقد أطاع اللّه، و من عصاني فقد عصي اللّه».

قال: فقامت فاطمة إلي المسجد، فإذا هي بعفاص مغطّي.

قال: فوضعته قدّام النبيّ صلي الله عليه و آله فإذا هو طبق مغطّي بمنديل شامي، فقال: «عليّ بعليّ و أيقظي الحسن و الحسين».

ثمّ كشف عن الطبق، فإذا فيه كعك أبيض يشبه كعك الشام، و زبيب يشبه زبيب الطائف، و تمر يشبه العجوة يسمّي الرائع- و في رواية غيره. و صيحاني مثل صيحاني المدينة- فقال لهم النبيّ صلي الله عليه و آله:

«كلوا».

۲۷) عن سليمان الديلمي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «مطروا بالمدينة مطرا جودا، فلمّا أن انقشعت السحابة، خرج رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و معه عدّة من أصحابه المهاجرين و الأنصار، و عليّ عليه السلام ليس في القوم، فلمّا خرجوا من باب المدينة، جلس النبيّ صلي الله عليه و آله ينتظر عليّا، و أصحابه حوله.

فبينما هو كذلك، إذ أقبل عليّ من المدينة، فقال له جبرئيل عليه السلام: يا محمد، هذا عليّ قد أتاك، نقيّ الكفّين، نقيّ القلب، يمشي كمالا، و يقول صوابا، تزول الجبال و لا يزول. فلمّا دنا من النبيّ صلي الله عليه و آله، أقبل يمسح وجهه بكفّه، و يمسح به وجه علي، و يمسح به وجه نفسه و هو يقول: أنا المنذر و أنت الهادي من بعدي.

فأنزل اللّه علي نبيّه كلمح البصر: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.

قال: فقام النبيّ صلي الله عليه و آله، ثمّ ارتفع جبرئيل عليه السلام، ثمّ رفع رأسه، فإذا هو بكفّ أشدّ بياضا من الثلج، قد أدلت رمّانة، أشدّ خضرة من الزمرّد، فأقبلت الرّمانة تهوي إلي النبيّ صلي الله عليه و آله بضجيج، فلمّا صارت في يده، عضّ منها عضّات، ثمّ دفعها إلي عليّ عليه السلام، و قال له: كل، و أفضل لابنتي و ابنيّ- يعني الحسن و الحسين عليهما السلام- ثمّ التفت إلي الناس، و قال: أيّها الناس، هذه هديّة من عند اللّه إلي، و إلي وصيّي، و إلي ابنتي، و إلي سبطي، فلو أذن اللّه لي أن آتيكم منها لفعلت، فاعذروني عافاكم اللّه.

قال سلمان: جعلت فداك، فما كان ذلك الضجيج؟ فقال: إنّ الرمانة لمّا اجتنيت، ضجّت الشجرة بالتسبيح.

قال: جعلت فداك، ما تسبيح الشجرة؟ قال: سبحان من سبّحت له الشجر الناظرة، سبحان ربّي الجليل، سبحان من قدح من قضبانها النار المضيئة، سبحان ربّي الكريم».

و يقال: إنّه من تسبيح مريم عليها السلام.

۲۸) عن عليّ عليه السلام، قال: «أتاني رسول اللّه صلي الله عليه و آله في منزلي، و لم يكن طعمنا منذ ثلاثة أيّام، فقال لي: يا عليّ هل عندك من شي‌ء؟ فقلت: و الذي أكرمك بالكرامة ما طعمت أنا و زوجتي و ابناي منذ ثلاثة أيّام.

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: يا فاطمة ادخلي البيت، و انظري هل تجدين شيئا؟ فقالت: خرجت الساعة، فقلت: يا رسول اللّه، أدخلها أنا؟

فقال: ادخل بسم اللّه، فدخلت فإذا بطبق عليه رطب، و جفنة من ثريد، فحملتها إلي النبيّ صلي الله عليه و آله، فقال: أ رأيت الرسول الذي حمل هذا الطعام؟ فقلت: نعم.

فقال: كيف هو؟ قلت: من بين أحمر و أخضر و أصفر، فقال:

كلّ خطّ من جناح جبرئيل عليه السلام، مكلّل بالدرّ و الياقوت، فأكلنا من الثريد حتّي شبعنا، فما رؤي الأخذ من أصابعنا و أيدينا».

۲۹) عن عبد الرزاق، عن معمّر، عن الزهريّ عن سعيد بن المسيب، قال: إن السماء طشت علي عهد رسول اللّه صلي الله عليه و آله ليلا، فلمّا أصبح صلي الله عليه و آله قال لعليّ عليه السلام: «انهض بنا إلي العقيق ننظر إلي حسن الماء في حفر الأرض».

قال عليّ عليه السلام: «فاعتمد رسول اللّه صلي الله عليه و آله علي يدي فمضينا، فلمّا وصلنا إلي العقيق نظرنا إلي صفاء الماء في حفر الأرض».

قال عليّ عليه السلام: «يا رسول اللّه، لو أعلمتني من الليل لاتخذت لك سفرة من الطعام». فقال: يا علي، إنّ الذي أخرجنا إليه لا يضيّعنا فبينا نحن وقوف، إذ نحن بغمامة قد أظلّتنا ببرق و رعد حتّي قربت منّا، فألقت بين يدي رسول اللّه صلي الله عليه و آله سفرة عليها رمّان، لم تر العيون مثلها، علي كلّ رمّانة ثلاثة أقشار: قشر من اللؤلؤ، و قشر من الفضّة، و قشر من الذهب.

فقال صلي الله عليه و آله لي: قل: بسم اللّه و كل يا علي، هذا أطيب من سفرتك. و كشفنا عن الرمّان، فإذا فيه ثلاثة ألوان من الحب: حبّ كالياقوت الأحمر، و حبّ كاللؤلؤ الأبيض، و حبّ كالزمرّد الأخضر، فيه طعم كلّ شي‌ء من اللذّة، فلمّا أكلت ذكرت فاطمة و الحسن و الحسين، فضربت بيدي إلي ثلاث رمّانات، و وضعتهن في كمّي، ثمّ رفعت السفرة.

ثمّ انقلبنا نريد منازلنا، فلقينا رجلان من أصحاب رسول اللّه صلي الله عليه و آله. فقال أحدهما: من أين أقبلت يا رسول اللّه؟ قال: من العقيق، قال: لو أعلمتنا لاتّخذنا لك سفرة تصيب منها، فقال: إنّ الذي أخرجنا لم يضيعنا. و قال الآخر: يا أبا الحسن، إنّي أجد منكما رائحة طيبة، فهل كان عندكم ثمّ طعام؟ فضربت يدي إلي كمّي لأعطيهما رمّانة فلم أر في كمّي شيئا، فاغتممت من ذلك

فلمّا افترقنا و مضي النبيّ صلي الله عليه و آله إلي منزله و قربت من باب فاطمة عليها السلام، وجدت في كمّي خشخشة، فنظرت فإذا الرمّان في كمّي، فدخلت و ألقيت رمّانة إلي فاطمة، و الأخريين إلي الحسن و الحسين، ثمّ خرجت إلي النبيّ صلي الله عليه و آله، فلمّا رآني قال: يا أبا الحسن، تحدّثني أم أحدّثك؟ فقلت: حدّثني يا رسول اللّه، فإنّه أشفي للغليل؛ فأخبر بما كان، فقلت: يا رسول اللّه، كأنّك كنت معي».

و في حديث آخر فيه طول؛ و في ذلك عدّة آيات.

۳۰) عن أبان، عن أنس بن مالك، قال: خرج رسول اللّه صلي الله عليه و آله نحو البقيع، فقال لي: يا أنس «انطلق و ادع لي عليّ بن أبي طالب» فانطلقت، فلقيني عليّ عليه السلام، فقال: «أين رسول اللّه؟» فقلت: إنّ رسول اللّه أتي نحو البقيع و هو يدعوك.

فانطلق، فأتاه، فجعلا يمشيان و أنا خلفهما، و إذا غمامة قد أظلّتهما نحو البقيع، ليس علي المدينة منها شي‌ء، فتناول النبيّ صلي الله عليه و آله شيئا من الغمامة، و أخذ منها شيئا يشبه الأترج، فأكله و أطعم عليّا، ثمّ قال: «هكذا يفعل كلّ نبيّ بوصيّه».

۳۱) عن ثمامة بن عبد اللّه، عن أنس، قال: بعث إليّ الحجاج- لعنه اللّه- يوما فقال: ما تقول في أبي تراب؟ فقلت في نفسي: و اللّه لأسوأنك.

قال: خرجت أريد النبيّ صلي الله عليه و آله، و أنا غلام، و قد صلّي الفجر، و هو راكب علي حماره، و عليّ يمشي، و هو معتنقه بيمينه، فقال: «يا أنس، اتبعنا» فاتبعتهما حتّي أتينا أكمة بالمدينة فنزل رسول اللّه صلي الله عليه و آله عن الحمار، ثمّ جلس هو و عليّ علي الأكمة، و قال: «يا أنس، كن هاهنا إلي أن آتيك».

فجلسا يتحدّثان و يضحكان إلي أن طلعت الشمس، فقلت:

الآن ينزلان، فجاءت سحابة فأظلّتهما عن الشمس، فرأيت رسول اللّه صلي الله عليه و آله يتناول منها شيئا، فيأكله و يطعم عليّا، و أنا أنظر، إلي أن انجلت الغمامة، فنزلا و يد رسول اللّه صلي الله عليه و آله في يد علي، فقلت: بأبي و أمّي يا رسول اللّه، لقد رأيت عجبا، قال: «قد رأيت؟!» قلت: نعم.

قال: «يا أنس، إنّه قد جلس علي هذه الأكمة مائة نبي، و مائة وصيّ كلّهم تظلّهم هذه الغمامة، كما أظلّتني و أظلّت عليّا.

يا أنس، ما جلس علي هذه الأكمة نبيّ أكرم علي اللّه منّي، و لا وصيّ أكرم علي اللّه من وصيّي هذا».

۳۲) عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللّه، قال:

أتي رسول اللّه صلي الله عليه و آله بفاكهة من الجنّة و فيها أترجة، فقال جبرئيل عليه السلام: يا محمّد ناولها عليّا، فناولها، فبينا هو يشمّها إذ انفلقت، فخرج من وسطها رقّ مكتوب فيه: من الطالب الغالب إلي عليّ بن أبي طالب.

۳۳) عن أبي الزبير، عن جابر رضي اللّه عنه قال: أهديت إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله أترجة من أترج الجنّة، ففاح ريحها بالمدينة، حتّي كاد أهل المدينة أن يعتبقوا بريحها، فلمّا أصبح رسول اللّه صلي الله عليه و آله في منزل أم سلمة رضي اللّه عنها، دعا بالأترجة فقطعها خمس قطع، فأكل واحدة، و أطعم عليّا واحدة، و أطعم فاطمة واحدة، و أطعم احسن واحدة، و أطعم الحسين واحدة، فقالت له أمّ سلمة:

أ لست من أزواجك؟

قال: «بلي يا أمّ سلمة، و لكنها تحفة من تحف الجنّة أتاني بها جبرئيل، أمرني أن آكل منها و أطعم عترتي.

يا أمّ سلمة، إنّ رحمنا أهل البيت موصولة بالرحمن، منوطة بالعرش، فمن وصلها وصله اللّه، و من قطعها قطعة اللّه».

في ظهور آياته في إبراء المرضي، و الأعضاء المبانة و المجروحة و فيه: أحد عشر حديثا

۳۴) عن عليّ عليه السلام قال: «أصاب عبد اللّه بن أنس طعنة في عينه، فمسحها رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فما عرفت من الأخري».

۳۵) عن عبد اللّه بن كعب بن مالك، قال: لمّا بعث رسول اللّه صلي الله عليه و آله محمّد بن مسلمة في رجال من الأنصار إلي كعب بن الأشرف و ثبت رجل من المسلمين رجلا من الأنصار فجرح فحملوه، فأتوا به إلي النبيّ صلي الله عليه و آله فمسح عليه فبرئت.

۳۶) عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «قتل عليّ بن أبي طالب عليه السلام يوم أحد أربعة عشر رجلا، و قتل سائر الناس سبعة، و أصابه يومئذ ثمانون جراحة، فمسحها رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فلم ينفح منها شي‌ء».

۳۷) عن حمّاد بن أبي طلحة، عن أبي عوف، قال: دخلت علي أبي عبد اللّه عليه السلام فألطفني، و قال: «إنّ رجلا مكفوف البصر أتي النبيّ صلي الله عليه و آله، و قال: يا رسول اللّه، ادع اللّه لي أن يردّ إليّ بصري».

قال: «فدعا اللّه له، فردّ عليه بصره.

ثمّ أتاه آخر فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه لي أن يردّ عليّ بصري. فقال صلي الله عليه و آله: تثاب عليه الجنّة أحبّ إليك، أم يردّ عليك بصرك؟ فقال: يا رسول اللّه، و إنّ ثوابها الجنّة؟! قال: اللّه أكرم من أن يبتلي عبدا مؤمنا بذهاب بصره، ثمّ لا يثيبه الجنّة»

۳۸) عن شرحبيل بن حسنة، قال: أتيت النبيّ صلي الله عليه و آله، و بكفّي سلعة، فقلت: يا رسول اللّه، إنّ هذه السلعة تحول بيني و بين قائم سيفي لمّا أقبض عليه، و عنان الدابة، فقال صلي الله عليه و آله: «أدن منّي» فدنوت منه، فقال: «افتح كفّك». ففتحتها، فتفل في كفّي، و وضع يده علي السلعة، فما زال يمسحها بكفّيه حتّي رفع، و ما أري أثرها.

۳۹) عن عليّ عليه السلام، قال: «بينا رسول اللّه صلي الله عليه و آله جالس، إذ سأل عن رجل من أصحابه، فقيل: يا رسول اللّه، قد صار من البلاء كهيئة الفرخ لا ريش عليه، فأتاه صلي الله عليه و آله، فإذا هو كالفرخ من شدّة البلاء، فقال له: «لقد كنت تدعو في صحتك؟

قال: نعم، أقول: يا ربّ، أيما عقوبة تعاقبني بها في الدنيا و الآخرة فاجعلها لي في الدنيا.

فقال صلي الله عليه و آله: هلّا قلت: اللّهم ربّنا آتنا في الدنيا حسنة، و في الآخرة حسنة، و قنا عذاب النار.

فقالها، فكأنّما أنشط من عقال، و قام صحيحا، و خرج معنا».

۴۰) و عنه صلوات اللّه عليه، قال: «و لقد أتاه رجل من جهينة مجذوم متقطع من الجذام، فشكا إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فأخذ قدحا من الماء، فتفل فيه، ثمّ قال: «امسح به جسدك، ففعل حتّي لم يوجد فيه شي‌ء».

۴۱) و عنه عليه السلام، قال: «إنّ قتادة بن ربعي كان رجلا صحيحا، فلمّا أن كان يوم احد أصابته طعنة في عينه، فبدرت حدقته، فأخذها بيده، ثمّ أتي النبيّ صلي الله عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، إنّ امرأتي الآن تبغضني، فأخذها صلي الله عليه و آله من يده، ثمّ وضعها في مكانها، فلم تكن تعرف، إلّا بفضل حسنها، و فضل ضوئها علي العين الأخري».

۴۲) و عنه عليه السلام، قال: «أصاب محمّد بن سلمة يوم كعب بن الأشرف مثل ذلك في عينه، و يده، فمسحها رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فما تبينا».

۴۳) عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: تفل رسول اللّه في رجل عمرو بن معاذ، حين قطعت رجله فبرئت.

۴۴) عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «مرّ أعمي علي رسول اللّه، فقال له: يا فلان، أ فتشتهي أن يردّ اللّه عليك بصرك؟ قال: ما من شي‌ء أوتاه من الدنيا أحبّ إليّ من أن يردّ اللّه عليّ بصري.

فقال صلي الله عليه و آله: توضأ و اسبغ الوضوء، ثمّ (صلّ ركعتين) ثمّ قل:

اللّهم، إنّي أسألك و أدعوك، و أرغب إليك، و أتوجّه إليك بنبيّك محمّد صلي الله عليه و آله، نبيّ الرحمة، يا محمّد، إنّي أتوجّه بك إلي اللّه ربّك و ربّي ليردّ بك عليّ بصري.

قال: فما قام النبيّ صلي الله عليه و آله من مجلسه، و لا خطا خطوة، حتّي رجع الأعمي و قد ردّ اللّه عليه بصره».

۴۵) عن عليّ عليه السلام، قال: «أتاه رجل أعرابي أبرص، فتفل في فيه، فما قام من عنده إلّا صحيحا».

في بيان ظهور آياته في كلام الجمادات و غيرها و فيه: ثمانية أحاديث

۴۶) عن حبّة، عن عليّ عليه السلام، قال: «كنت مع رسول اللّه صلي الله عليه و آله في شعاب مكّة، و أسمع تسليم الشجر و الحجارة عليه».

۴۷) عن أبي هريرة، عن أبي بكر، قال: بينا نحن مع رسول اللّه صلي الله عليه و آله، إذا نحن بصائح من نخلة، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «هل تدرون ما قالت النخلة؟» قالوا: اللّه و رسوله أعلم.

قال: «قالت: هذا محمّد رسول اللّه، و وصيّه عليّ بن أبي طالب» عليه السلام، فسمّاه النبيّ صلي الله عليه و آله في ذلك اليوم: الصيحاني.

۴۸) عن عليّ عليه السلام، قال: «إنّ رجلا من ملوك فارس عاقلا أديبا، قال: يا محمّد أخبرني إلي ما تدعو؟ قال: أدعو إلي شهادة أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، و أنّ محمدا عبده و رسوله.

قال: و أين اللّه يا محمّد؟ قال: بكل مكان موجود، و في غير شي‌ء محدود.

قال: كيف هو؟ و أين هو؟ قال: ليس كيف و لا أين، لأنّه تبارك و تعالي خلق الكيف و الأين.

قال: فمن (أين جاء؟ قال: لا يقال: من أين جاء، و إنّما يقال:

من) أين جاء للزائل من مكان إلي مكان، و ربّنا تعالي لا يزول.

قال: يا محمّد إنّك لتصف أمرا عظيما، بلا كيف، فكيف لي أن أعلم أنّه أرسلك؟ فلم يبق بحضرته ذلك اليوم، لا حجر و لا مدر، و لا شجر، و لا سهل، و لا جبل، إلّا قال من مكانه: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله.

فقال الرجل: و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله. فقلت أنا: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه.

فقال: يا محمّد، من هذا؟ قال: هذا خير أهلي و أقرب الخلق إلي، لحمه من لحمي، و دمه من دمي، و روحه من روحي، و هو وزيري في حياتي، و بعد وفاتي، كما كان هارون من موسي، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، فاسمع له و أطع، تكن علي الحقّ. ثمّ سمّاه النبيّ صلي الله عليه و آله: عبد اللّه».

۴۹) عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: «تراءي له جبرئيل عليه السلام بأعلي الوادي، عليه جبّة من سندس، فأخرج له درنوكا من درانيك الجنّة، فأجلسه عليه، ثمّ أخبره أنّه رسول اللّه، و أمره بما أراد أن يأمره به، فلمّا أراد جبرئيل عليه السلام الانصراف

أخذ رسول اللّه صلي الله عليه و آله بثوبه، فقال: ما اسمك؟ قال: جبرئيل. فعلم رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فلحق بالغنم، فما مرّ بشجر، و لا مدر إلّا سلّم عليه».

۵۰) عن حنش بن المعتمر، عن عليّ عليه السلام أنّه قال: «دعاني رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فوجّهني إلي اليمن لأصلح بينهم، فقلت: يا رسول اللّه إنهم قوم كثير، لهم سن، و أنا شاب حدث، قال: يا علي، إذا صرت بأعلي عاقبة أفيق فناد بأعلي صوتك: يا شجر، يا مدر، يا ثري، محمّد رسول اللّه يقرئكم السلام.

قال: فذهبت فلمّا صرت بأعلي عاقبة أفيق أشرفت علي أهل اليمن، فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوي، مشرعون رماحهم، مشرعون أسنّتهم، متنكبون قسيهم، شاهرون سلاحهم، فناديت بأعلي صوتي: يا شجر، يا مدر، يا ثري، محمّد رسول اللّه يقرئكم السلام، فلم يبق شجر، و لا مدر، و لا ثري، إلّا ارتجّ بصوت واحد: و علي محمّد رسول اللّه السلام، و عليك السلام، فاضطربت قوائم القوم و ارتعدت ركبهم، فوقع السلاح من أيديهم، و أقبلوا إليّ مسرعين، فأصلحت بينهم، و انصرفت عنهم».

۵۱) و عنه عليه السلام، قال: «و لقد أخذ يوم خيبر- أو يوم حنين، الشكّ من الراوي- حجرا، فسمع للحجر تسبيح و تقديس، ثمّ قال للحجر: انفلق فانفلق ثلاث فلق، فسمع لكلّ فلقة تسبيح لا تسمع لأخري، و المنّة للّه».

۵۲) عن إبراهيم بن عبد الأكرم الأنصاري، ثمّ النجاري، قال: دخل رسول اللّه صلي الله عليه و آله هو و سهل بن حنيف، و أبو أيوب حائطا من حوائط بني النجّار، فلمّا دخل ناداه حجر علي رأس بئر لهم، تنضح السواني عليها، فكلّمه.

ثمّ ناداه الرمل و كلّمه.

فلمّا دنا من النخل، نادته العراجين من كل جانب: السلام عليك يا رسول اللّه. و كلّ واحد منها يقول: خذ منّي، فأخذ منها فأكل و أطعم.

ثمّ دنا من العجوة، فلمّا أحسته سجدت، فبارك عليها رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و قال: «اللهم بارك عليها، و انفع بها».

فمن ثمّ روت العامّة أنّ الكمأة من المنّ و ماؤها شفاء للعين، و أنّ العجوة من الجنّة.

۵۳) و عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: كان رسول اللّه صلي الله عليه و آله يقوم في أصل شجرة- أو قال: إلي جذع نخلة، الشكّ من الراوي- ثمّ اتّخذ منبرا فحنّ الجذع إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله حتّي سمع حنينه أهل المسجد، حتّي أتاه رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فمسحه بكفه الشريف فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته لحنّ إلي يوم القيامة.

و لقد أخذ رسول اللّه صلي الله عليه و آله كفّا من حصي المسجد، فسبّحت في كفّه.

في بيان آياته من كلام البهائم، و في كلام الطفل الذي لم يبلغ حين الكلام و فيه: تسعة أحاديث

۵۴) أخبرنا أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه، قال: عدا ذئب علي شاة فأخذها، فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعي الذئب علي ذنبه، قال: أ لا تتّقي اللّه، تنزع منّي رزقا ساقه اللّه تعالي إلي.

فقال الراعي له: إنّ هذا لعجب! ذئب مقع علي ذنبه، يتكلّم بكلام الإنس.

فقال له الذئب: ألّا أنبئك بما هو أعجب من هذا؟! محمّد (ص يحدّث الناس بأنباء ما قد سبق.

قال: فأقبل الراعي بغنمه حتّي حصل بالمدينة، فزواها إلي زاوية من زواياها، ثمّ أتي النبيّ صلي الله عليه و آله فأخبره، فخرج إلي المسجد، و أمر فنودي بالصلاة جامعة، فلمّا اجتمع الناس قال للراعي: «أخبر بما رأيت»، فأخبرهم، فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «و الذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتّي تكلّم السباع الناس، و يكلّم الرجل عذبة سوطه، و شراك نعاله فتخبره فخذه بما يحدث علي أهله بعده».

۵۵) عن عليّ عليه السلام، قال: «كلّم الذئب أبا الأشعث ابن قيس الخزاعي، فأتاه فطرده مرّة بعد أخري، ثمّ قال له في المرّة الرابعة: ما رأيت ذئبا أصفق وجها منك.

فقال له الذئب: بل أصفق وجها منّي من تولّي عن رجل ليس علي وجه الأرض أفضل منه، و لا أنور نورا، و لا أتم بصيرة و لا أتم أمرا، يملك شرقها و غربها، يقول: لا إله إلّا اللّه، فيتركونه، من أصفق وجها: أنا أم أنت الذي تتولي عن هذا الرجل الكريم، رسول ربّ العالمين؟!

قال الخزاعي: ويلك ما تقول؟! قال الذئب: بل الويل لمن يصلي جهنّم غدا، و يشقي في النشور أبدا، و لا يدخل في حزب محمّد.

ثمّ قال الخزاعي: حسبي حسبي، فمن الذي يحفظ عليّ غنمي لأنطلق إليه، و أؤمن به، و أقول الكلمة؟ قال له الذئب: أنا أحفظها عليك حتّي تذهب إليه و ترجع.

قال الخزاعي: فمن لي بذلك؟ قال الذئب: اللّه تعالي لك.

فلم يزل الذئب في غنمه يحفظها، حتّي جاء الخزاعي إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنّ محمدا رسول اللّه، آمنت و صدّقت.

ثمّ أخبره بكلام الذئب، و أنا معه أسمع منه ذلك، فلم أستقر بعد ذلك بأيّام، إلّا و ذلك الذئب بين يديّ يقول: يا أبا الحسن، قلت للخزاعي كذا و كذا».

قال: «و أخذ أبو الأشعث سخلة من غنمه فذبحها للذئب، و قال:

أنت الذي أعتقتني من النار».

۵۶) عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال:

خرج أعرابي من بني سليم يدور في البرية، فصاد ضبّا فصيّره في كمّه، و جاء إلي النبيّ صلي الله عليه و آله، و قال: يا محمد، أنت الساحر الكذّاب الذي تزعم أنّ في السماء إلها بعثك إلي الأسود و الأبيض؟ فو اللات و العزّي لو لا أن يسمّيني قومي بالعجول لضربتك بسيفي حتّي أقتلك.

فقام عمر بن الخطّاب ليبطش به، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «مهلا يا أبا حفص، فإنّ الحليم كاد أن يكون نبيّا».

ثمّ قال النبيّ صلي الله عليه و آله: «يا أخا بني سليم، هكذا تفعل العرب؟

تأتينا في مجالسنا و تهجونا بالكلام! أسلم يا أعرابي فيكون لك ما لنا، و عليك ما علينا، و تكون في الإسلام أخانا».

فقال: فو اللات و العزّي، لا أؤمن بك حتّي يؤمن بك هذا الضبّ. و ألقي الضبّ من كمّه.

قال: فعدا الضب ليخرج من المسجد، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «يا ضبّ» فالتفت إليه، فقال صلي الله عليه و آله له: «من أنا؟» فقال: أنت محمد رسول اللّه.

فقال: النبي صلي الله عليه و آله: من تعبد. فقال: أعبد من اتّخذ إبراهيم خليلا، و ناجي موسي كليما، و اصطفاك حبيبا.

فقال الأعرابي: سبحان اللّه ضب اصطدته بيدي، لا يفقه و لا يعقل، كلّم محمّدا و شهد له بالنبوّة، لا أطلب أثرا بعد عين، أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله.

و أنشأ يقول:

ألا يا رسول اللّه إنّك صادق

فبوركت مهديّا و بوركت هاديا

شرعت لنا دين الحنيفة بعد ما

غدونا كأمثال الحمير الطواغيا

فيا خير مدعوّ و يا خير مرسل

إلي الإنس ثمّ الجنّ لبيك داعيا

فنحن أناس من سليم عديدنا

أتيناك نرجو أن ننال العواليا

فبوركت في الأقوام حيّا و ميّتا

و بوركت طفلا ثمّ بوركت ناشيا

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «علّموا الأعرابي» فعلّم سورا من القرآن.

و في الحديث طول.

۵۷) و رواية أخري عن معرض بن معقب، قال: حججت حجّة الوداع، فنزلت دارا في مكّة، فرأيت النبيّ صلي الله عليه و آله، و وجهه يتهلّل مثل دارة القمر، و رأيت منه عجبا! أتاه رجل من أهل اليمامة بابن له يوم ولد، فرأيته في خرقة، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «من أنا» فقال الطفل:

أنت رسول اللّه. قال: «صدقت، بارك اللّه فيك».

قال: «و لم يتكلّم بعدها حتّي شبّ».

قال أبي: و كنّا نسمّيه باليمامة: مبارك اليمامة.

۵۸) عن نافع، عن ابن عمر، قال: جاء إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله قوم فشهدوا علي رجل بالزور: أنه سرق جملا، فأمر النبيّ صلي الله عليه و آله بقطعه.

فولّي الرجل و هو يقول اللّهمّ صلّ علي محمّد و آل محمّد، حتّي لا يبقي من الصلاة شي‌ء، و بارك علي محمّد و آل محمّد، حتّي لا يبقي من البركات شي‌ء، و ارحم محمّدا و آل محمّد، حتّي لا يبقي من الرحمة شي‌ء، و سلّم علي محمّد و آل محمّد، حتّي لا يبقي من التسليم شي‌ء.

قال: فتكلّم الجمل، و قال: يا رسول اللّه إنّه بري‌ء من سرقتي، فأمر النبيّ صلي الله عليه و آله بردّه، و قال: «يا هذا ما قلت آنفا؟» قال: قلت: اللّهمّ صلّ علي محمّد و آل محمّد... و ذكر كلامه من الدعاء.

قال: «كذلك نظرت إلي ملائكة اللّه يخوضون سبل المدينة، حتّي كادت تحول بيني و بينك، لتردنّ عليّ الحوض يوم القيامة و وجهك أشدّ بياضا من الثلج».

۵۹) عن عليّ عليه السلام، قال: «اجتمع آل ذريح في عيد لهم، فجاءتهم بقرة لهم فصاحت: يا آل ذريح، أمر نجيح، مع رجل يصيح، بصوت فصيح، فجاء بلا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، عجّلوا بلا إله إلّا اللّه تدخلوا الجنّة.

قال: فو اللّه ما شعرنا إلّا بال ذريح قد أقبلوا إلي النبيّ صلي الله عليه و آله، يطلبونه حتّي أسلموا».

و روي هذا الخبر أطول من ذلك.

و روي أنّ القوم أحضروا ثورا ليذبحوه، فقال ذلك.

۶۰) و عنه عليه السلام، قال: «كانت بقرة في بني سالم، فلمّا بصرت بالنبيّ صلي الله عليه و آله و كنا معه، فأقبلت تلوذ و تعدو، و قالت: يا بني سالم، جاءكم الرجل الصالح، مع الوزير الصادق، أحاكمكم إليه فإنّه قاضي اللّه في الأرض و رسوله، يا رسول اللّه إنّي وضعت لهم اثني عشر بطنا، و استمتعوا بي، و أكلوا من زبدي، و شربوا من لبني، و لم يتركوا لي نسلا، و هم الآن يريدون ذبحي، و أنت الأمين علي وحيه، الصادق بقول: لا إله إلّا اللّه.

فامن به بنو سالم، و قالوا: ألا و الذي بعثك بالحقّ نبيا، ما نريد معها بعد يومنا هذا من شاهد، و لا بيّنة، و لا نشكّ أنّك نبيّه و رسوله، و هذا وزيرك».

۶۱) و عنه عليه السلام، قال: «أقبل جمل إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فضرب بجرانه الأرض، و رغا و بكي كالساجد المتذلّل، الطالب الراغب السائل، فقال القوم: سجد لك هذا الجمل، فنحن أحقّ بالسجود منه، فقال صلي الله عليه و آله لهم: بل اسجدوا للّه تعالي، إنّ هذا الجمل يشكو أربابه، و لو أمرت شيئا يسجد لشي‌ء لأمرت المرأة تسجد لزوجها.

فهمّ أن ينهض مع الجمل لينصفه من أربابه، فإذا قد أقبل صاحبه أعرابي، فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: هلم يا أعرابي. فأقبل إليه، فقال صلي الله عليه و آله: ما بال هذا البعير يشكو أربابه؟

فقال: يا رسول اللّه ما يقول؟

قال صلي الله عليه و آله: يقول: «إنّكم انتجعتموه صغيرا و عملتم عليه، حتّي صار عودا كبيرا، ثمّ إنّكم أردتم نحره. فقال الأعرابي: و الذي بعثك بالحقّ و النبوة، و اصطفاك بالرسالة ما كذبك، و لقد قال الحقّ.

فقال صلي الله عليه و آله: يا أعرابي اختر مني واحدة من ثلاث: إما أن تهبه لي، و إما أن تبيعه. و إمّا أن تجعله سائبة للّه عزّ و جل.

فقال: يا رسول اللّه قد وهبته لك. فقال: و إنّي أشهدكم أنّي جعلته سائبة للّه تعالي. و كان ذلك الجمل يأتي أعلاف الناس فلا يدفعونه».

۶۲) عن حميد الطويل، عن أنس، قال: بينا النبيّ صلي الله عليه و آله في فضاء من المدينة، إذ أقبل جمل يعدو، و يسيل عرقه علي أخفافه، حتّي برك بين يدي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و أقبل يبكي في كفي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، حتّي امتلأنا دموعا، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «حسبك قد قطّعت الأحشاء، و أنضجت الكلاء، فإن كنت صادقا فلك صدقك، و إن كنت كاذبا فعليك كذبك، مع أنّ اللّه تعالي قد أمن عائذنا، و ليس بخائب لائذنا».

ثمّ تأخّر، فبرك بين يدي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقال أصحابه: يا رسول اللّه ما يقول هذا البعير؟ قال: «هذا بعير قد همّ أهله بنحره و أكل لحمه، فهرب و استغاث بنبيّكم، و بئس جزاء المملوك الصالح من أهله، حقيق عليه أن يجزع من الموت».

و أقبل النبيّ صلي الله عليه و آله يحدّث أصحابه و يسألونه، فبينما هو كذلك، إذ أقبل أصحابه في طلبه، فلم يزالوا في أثره حتّي وقفوا علي النبيّ صلي الله عليه و آله فسلّموا، فردّ عليهم، و قال: «ما بليّتكم؟» فقالوا: يا رسول اللّه بعيرنا هرب منّا فلم نصبه إلّا بين يديك.

فقال: «إنّه يشكو، ففيم اشتكاؤه؟» قالوا: يا رسول اللّه، ما يقول؟

قال: «ذكر أنه كان فيكم خوارا، فلم يزل حتّي اتخذتموه في إبلكم فحلا فأنماها و بارك فيها، و كان إذا كان الشتاء رحلتم عليه إلي موضع الكن و الدف‌ء، و إذا كان الصيف رحلتم عليه إلي موضع الكلأ، فلمّا أدركت هذه السنة المجدبة، هممتم بنحره، و أكل لحمه، فهرب و استجار بنبيكم، و بئس جزاء المملوك الصالح، و حقيق عليه أن يجزع من الموت».

فقالوا: قد كان ذلك يا رسول اللّه، و اللّه لا ننحره، و لا نبيعه و لنتركه.

فقال: «كذبتم، قد استغاث فلم تغيثوه، و استعاذ فلم تعيذوه، و أنا أولي بالرحمة منكم، إنّ اللّه تعالي قد نزع الرحمة من قلوب المنافقين، و أسكنها في قلوب المؤمنين، فبيعوه بمائة». فباعوه بمائة، فاشتراه رسول اللّه صلي الله عليه و آله بمائة درهم. ثمّ قال: «انطلق أيّها البعير، و أنت حرّ لوجه اللّه» فقام و رغا بين يدي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقال: «آمين» ثمّ رغا الثانية، فقال: «آمين»، ثمّ رغا الثالثة فقال:

«آمين»، ثمّ رغا الرابعة فبكي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و بكينا من حوله، فقلنا: ما يقول هذا البعير، يا رسول اللّه؟ فقال: «أما إنّه يقول: جزاك اللّه خيرا أيّها النبيّ القرشيّ عن الإسلام و القرآن؛ قلت: آمين، فقال:

حقن اللّه دماء أمّتك- و روي عذاقها- كما حقنت دمي؛ فقلت:

آمين؛ فقال: أعطاها اللّه مناها من الدنيا كما سكنت روعتي؛ قلت:

آمين، ثمّ قال في الرابعة: لا جعل اللّه بأسها بينها في دار الدنيا» فبكي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و بكينا معه، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «هذه سألتها ربّي فأعطانيها، و سألته هذه الخصلة فمنعنيها، و أخبرني أنّه لا يكون فناء أمّتي إلّا بالسيف».

في بيان ما يقرب من ذلك، من كلام الذراع، و الشاة المسمومة و فيه: أربعة أحاديث

۶۳) عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس، قال:

شهدت خيبرا و أنا رديف أبي طلحة، فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «اللّه أكبر، خربت خيبرا، إنّا إذا نزلنا بساحة القوم، فساء صباح المنذرين».

فجاءت امرأة بشاة مسمومة، فوضعتها بين يدي النبيّ صلي الله عليه و آله، فلمّا ذهب ليأكل منها، قال لأصحابه: «ارفعوا أيديكم فإنّها مسمومة، و الذي نفسي بيده، إنّ فخذها- أو عضوا منها، الشكّ من الراوي- قد كلّمني».

فأرسل إلي اليهودية فقال: «ما حملك علي أن أفسدتيها بعد أن أصلحتيها؟» قالت: أو علمت ذلك؟ قالت: و اللّه لأخبرنّك ما حملني علي ذلك، قلت: إن كنت نبيّا حقّا، فإنّ اللّه سيعلمك، و إن لم تكن كذلك أرحت الناس منك.

۶۴) عن عليّ عليه السلام، قال: «إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله لمّا نزل الطائف، و حاصر أهلها، بعثوا إليه شاة مصلية مسمومة، فنطق الذراع منها و قال: يا رسول اللّه لا تأكلني، فإنّي مسمومة».

۶۵) عنه عليه السلام، قال: «إنّ اليهود أتت امرأة منهم يقال لها: عبدة، فقالوا: يا عبدة، لقد علمت أنّ محمدا قد هدم ركن بني إسرائيل، و هدم ركن اليهود، و قد جاءك الملأ من بني إسرائيل بهذا السمّ له، فهم جاعلون لك جعلا علي أن تسمّيه في هذه الشاة.

فعمدت عبدة إلي الشاة فشوتها، ثمّ جمعت الرؤساء في بيتها، و أتت رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و قالت: يا محمّد قد علمت ما يجب لي، و قد حضرني رؤساء اليهود فزرني بأصحابك. فقام صلي الله عليه و آله، و معه عليّ عليه السلام، و أبو دجانة، و أبو أيوب، و سهل بن حنيف، و جماعة من المهاجرين و الأنصار، فلمّا دخلوا و أخرجوا الشاة شدّت اليهود آنافها بالصوف، و قاموا علي أرجلهم و توكئوا علي عصيهم، فقال لهم رسول اللّه صلي الله عليه و آله: اقعدوا؛ فقالوا: إنّا إذا زارنا نبي لم يقعد منّا أحد، و كرهنا أن يصل إليه من أنفاسنا ما يتأذّي به. و كذبت اليهود عليها لعنة اللّه، إنّما فعلت ذلك مخافة سورة السم و دخانه.

فلمّا وضعت الشاة بين يديه، صلّي اللّه عليه و آله تكلّمت كتفها فقال:

مه يا محمّد لا تأكلني، فإنّي مسمومة، فدعا النبي صلّي اللّه عليه و آله عبدة، فقال لها: ما حملك علي ما صنعت؟ قالت: قلت: إن كان نبيّا صادقا لم يضرّه، و إن كان كاذبا أرحت قومي منه.

فهبط جبرئيل عليه السلام، فقال: اللّه يقرئك السلام، يقول:

قل: بسم اللّه الذي يسمّيه به كل مؤمن، و به عزّ كلّ مؤمن، و بنوره الذي أضاءت به السماوات و الأرضوان، و بقدرته التي خضع لها كلّ جبار عنيد، و انتكس كلّ شيطان مريد، من شرّ السمّ، و السحر، و اللمم، بسم اللّه العليّ الملك الفرد، الذي لا إله إلّا هو وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً.

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله ذلك، و أمر أصحابه، فتكلّموا به، ثمّ قال:

كلوا. ثم أمرهم أن يحتجموا».

۶۶) عن يزيد بن أبي حبيب، قال: أقبلت امرأة و معها ابن لها، و هو ابن شهر، حتّي جاءت رسول اللّه صلي الله عليه و آله فاكفهرّت عليه بوجهها، فقال الغلام من حجرها: السلام عليك يا رسول اللّه؛ السلام عليك يا محمّد بن عبد اللّه، قال: فأنكرت الأم ذلك من ابنها، فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «فما يدريك أني رسول اللّه، و أنّي محمّد بن عبد اللّه؟».

قال: علّمنيه ربّ العالمين، و الروح الأمين جبرئيل عليه السلام، و هو قائم علي رأسك ينظر إليك. فقال جبرئيل عليه السلام: يا محمّد هذا تصديق لك بالنبوة، و دلالة لنبوتك كي يؤمن بك بقية قومك.

قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «ما اسمك يا غلام؟».

قال: سمّوني عبد العزي، و أنا به كافر، فسمّني يا رسول اللّه.

قال: «أنت عبد اللّه».

قال: يا رسول اللّه، ادع اللّه عزّ و جل أن يجعلني من خدمك في الجنّة.

فقال جبرئيل عليه السلام: ادع اللّه عزّ و جلّ يعطيه ما سأل.

قال الغلام: السعيد من آمن بك، و الشقيّ من كذبك، ثمّ شهق شهقة فمات، فأقبلت الأمّ عليه، و قالت: يا رسول اللّه، فداك أبي و أمي، لقد كنت مكذّبة بك إلي لدن ما رأيت من آيات نبوّتك، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أنّك رسول اللّه، يا أسفي علي ما فات منّي.

فقال لها: «أبشري، فو الذي ألهمك الإيمان، إنّي لأنظر إلي حنوطك و كفنك مع الملائكة» فما برحت حتّي شهقت و فاضت نفسها، فصلّي رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله، عليهما و دفنها جميعا.

في ظهور آياته من درور اللبن من ضرع الشاة التي ما بها لبن و فيه: ثلاثة أحاديث

۶۷) عن زر بن حبيش عن عبد اللّه بن مسعود، قال: كنت أرعي غنما لعقبة بن أبي معيط، فمرّ بي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و أبو بكر، فقال لي: «يا غلام هل من لبن؟» قلت: نعم، و لكن مؤتمن. فقال:

«فهل من شاة لم يقربها الفحل؟».

قال: فأتيته بشاة فمسح ضرعها بيده الشريفة فنزل اللبن، فحلبه في إناء، فشرب، و سقي أبا بكر، ثمّ قال للضرع: «اقلص» فقلص.

قال: ثمّ لقيته بعد ذلك، فقلت: يا رسول اللّه، علّمني من هذا القول.

قال: فمسح رأسي و قال: «يرحمك اللّه، إنّك عليم معلّم مكرّم».

۶۸) عن محرز بن هديد، قال إنّه سمع هشاما- أخا معبد- قبل البطحاء، أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله لمّا خرج مهاجرا من مكّة، هو و أبو بكر و عامر ابن فهيرة، و دليلهما اللّيثي عبد اللّه بن أريقط مرّوا علي خيمة أم معبد، و كانت امرأة جلدة، برزة تحتبي بفناء الخيمة، تسقي و تطعم، فسألوها لحما و تمرا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، و كان القوم مرمّلين مسنتين فقالت: لو كان عندنا شي‌ء ما أعوزناكم القري.

فنظر رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلي شاة في كسر الخيمة، فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت: شاة خلفها الجاهد عن الغنم.

فقال: «هل بها من لبن؟» قالت: هي أجاهد من ذلك.

قال: «أ تأذنين لي أن أحلبها». قالت: نعم بأبي أنت و أمي إن كان بها لبن فاحلبها.

فدعا رسول اللّه صلي الله عليه و آله بالشاة، فمسح بيده علي ضرعها، و سمّي اللّه تعالي، و دعا لها في شأنها فتفاجّت عليه، و درّت.

فدعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيها شخبا حتّي علاه الثمال، ثمّ سقاها حتّي رويت، و سقي أصحابه حتّي رووا، ثمّ شرب آخرهم شربا، و قال صلي الله عليه و آله «ساقي القوم آخرهم شربا»، فشربوا جميعا عللا بعد نهل، حتّي أراضوا ثمّ حلب ثانيا عودا علي بدء، حتّي امتلأ الإناء، فغادره عندها و ارتحلوا عنها.

و في الحديث طول مع اختلاف الروايات.

۶۹) عن قيس بن النعمان السكوني، قال: لما انطلق النبيّ صلي الله عليه و آله، و أبو بكر مستخفيين في الغار، مرّا بعبد يرعي غنما قال:

و استسقياه من اللبن، فقال: و اللّه ما لي شاة تحلب، غير أن هنا عناقا حملت أوّل السنة، و ما بقي لها لبن.

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «ائتنا بها»، فأتي بها، فدعا لها بالبركة، ثمّ حلب عسا و سقي أبا بكر، ثمّ حلب أخري و سقا الراعي و شرب، فقال العبد: باللّه من أنت؟! فو اللّه ما رأيت مثلك قط!

فقال صلي الله عليه و آله: «أتراك إن خبّرتك تكتم». فقال: نعم.

فقال: «إنّي محمّد رسول اللّه» فقال: أنت الذي تزعم قريش أنّه صابئ.

فقال: «إنّهم ليقولون ذلك». قال: فإنّي أشهد أنّك رسول اللّه، و أنّ ما جئت به حقّ.

في بيان ظهور آياته في الاستسقاء و إظلال السحاب عليه، و غيره و فيه: خمسة أحاديث

۷۰) عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال لابنه إسماعيل: «يا بنيّ حدثنا» قال إسماعيل: كانت السماء تمطر بغير سحاب، فتنبت الأرض من ساعتها، فيرعي فيها رسول اللّه صلي الله عليه و آله عناقه.

و في ذلك آيتان.

۷۱) و عن عليّ عليه السلام، و روي أيضا غيره أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله كان ذات يوم جالسا في المسجد، إذ جاءه أعرابي و وقف عليه، و قال: ما لنا بعير يربط و لا صبي يصيح. ثمّ أنشأ يقول:

[أتيناك يا خير البرية كلّها

لترحمنا مما لقينا من الأزل]

أتيناك و العذراء يدمي لبانها

و قد شغلت أم الصبي عن الطفل

و ألقي بكفّيه الفتي استكانة

من الجوع ضعفا ما يمرّ و لا يحل

و لا شي‌ء مما يأكل الناس عندنا

سوي الحنظل العامي و العلهز و الغسل

و ليس لنا إلّا إليك فرارنا

و أين فرار الناس إلّا إلي الرّسل

فقام النبيّ صلي الله عليه و آله يجرّ رداءه، حتّي صعد المنبر، و قلب الرداء، و خطب و قال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا مريئا غدقا غير رائث و لا لابث نافعا غير ضار، تملأ به الضرع، و تنبت به الزرع، و تحيي به الأرض بعد موتها».

قال: فو اللّه ما ردّ يده إلي نحره، حتّي ألقت السماء بأرواقها

و جاء أهل البطحاء يصيحون: الغرق الغرق يا رسول اللّه، فرفع رأسه إلي السماء و قال: اللهم حوالينا و لا علينا، اللّهم علي الربا و الآكام، و بطون الأودية، و أصول الشجر.

قال: فانجابت السحابة عن المدينة، حتّي أحدق بها كالإكليل، فتبسّم رسول اللّه صلي الله عليه و آله حتّي بدت نواجذه.

و في الحديث طول، و في ذلك أيضا آيتان.

۷۲) عن ابن عبّاس، قال: قالت حليمة: انفلت منّي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فغافلت عنه، فذهب إلي البهم مع أخته الشيماء قبل البهم علي الماء، فخرجت أطلبه، حتّي وجدته علي الماء، فقلت: أ في هذا الحرّ؟!

فقالت أخته: فما وجد أخي حرّا، رأيت غمامة تظلل عليه، إذا وقف وقفت، و إذا سار سارت، حتي انتهي إلي هذا الموضع. فقالت أمّها: أعوذ باللّه من شرّ ما أحذر علي ابني.

۷۳) [عن] عليّ عليه السلام، قال: «إنّ الغمامة كانت تظلّله من يوم ولد، إلي أن قبض في حضره و أسفاره».

۷۴) عن سعيد بن المسيب، عن أبي لبابة، قال: استسقي رسول اللّه صلي الله عليه و آله يوم الجمعة، فقال: «اللّهم اسقنا» فقلت: يا رسول اللّه، إن التمر في المربد. و ما في السماء سحابة نراها.

فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «اللّهم اسقنا»، قالها ثلاثا، و قال في الثالثة: «حتّي يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره».

قال: فاستهلّت السماء، و أمطرت مطرا شديدا، و صلّي بنا رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

قال: فأطافت الأنصار بأبي لبابة يقولون: يا أبا لبابة، و اللّه لن تقلع حتّي تقوم أنت فتسد ثعلب مربدك بإزارك، فأقلعت السحابة.

في ظهور آياته في طاعة الشجر و الحجر له و فيه: ثمانية أحاديث

۷۵) حمّاد بن عثمان و مخلد بن عبد اللّه جميعا، قالا:

سمعنا أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: «إن من الناس من يؤمن بالكلام، و منهم من لا يؤمن إلّا بالنظر، إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله أتاه رجل، فقال له:

أرني آية. فقال صلي الله عليه و آله لشجرتين: اجتمعا، فاجتمعتا، ثمّ قال: تفرقا.

فافترقتا، فرجعت كلّ واحدة منهما إلي مكانها».

۷۶) و عنه عليه السلام، قال: «لمّا سار رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلي حصن بني قريظة، حال النخل بينه و بين الحصن، فقال صلي الله عليه و آله للنخل بيده كذا، فذهبت النخل يمينا و شمالا، حتّي بدا له الحصن».

۷۷) عن عليّ عليه السلام، قال: «لقد بعث رسول اللّه صلي الله عليه و آله يوم بطحاء إلي شجرة فأجابت، و لكلّ غصن منها تسبيح، و تهليل، و تقديس.

ثمّ قال لها: انشقّي. فانشقّت نصفين، ثمّ قال لها: التزقي، فالتزقت، ثمّ قال لها: اشهدي. فشهدت له بالنبوّة، ثمّ قال لها:

ارجعي إلي مكانك بالتسبيح، و التهليل، و التقديس. ففعلت.

و كان موضعها جنب الجزّارين بمكّة.

و في ذلك عدّة آيات من الذهاب، و المجي‌ء، و الانشقاق، و الالتزاق، و التسبيح، و الشهادة بالنبوة.

۷۸) عن أبي بكر قال لعمر: أ ما تذكر و نحن منصرفون من الغزوة الفلانية، و قد أراد النبيّ صلي الله عليه و آله أن يقضي حاجته، و كان مكشوفا، فدعا بشجرة و كانت بالبعد، فانقلعت بأصولها و عروقها، فأقبلت إليه صلي الله عليه و آله فوقفت في وجهه، فقام خلفها حتّي عمل ما أراد، ثمّ قال لها: «ارجعي إلي موضعك». فرجعت إلي موضعها؟!

۷۹) و روي أنّه صلي الله عليه و آله في غزوة الطائف مرّ بين طلح و هو وسن من النوم، فاعترضته سدرة، فانشقّت له نصفين، فمرّ بين نصفيها، و بقيت السدرة علي ساقين إلي زماننا هذا، تسمي سدرة النبيّ صلي الله عليه و آله.

۸۰) عن الصادق عليه السلام، قال: «كان رسول اللّه صلي الله عليه و آله في موضع، و معه رجل من الصحابة، فأراد قضاء حاجته، فقال للرجل: ائت الاثنتين- يعني النخلتين- فقل لهما: اجتمعا فاجتمعتا، فاستتر رسول اللّه صلي الله عليه و آله بهما، فقضي حاجته، فجاء الرجل إلي ذلك الموضع، فلم ير شيئا».

۸۱) و روي أبو الجارود العبدي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: «لمّا صعد النبي صلي الله عليه و آله الغار، فطلبه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، خشية أن يغتاله المشركون، و كان النبيّ صلي الله عليه و آله في حراء، و عليّ علي ثبير فبصر به النبيّ صلي الله عليه و آله فقال:

مالك يا عليّ؟

فقال: بأبي أنت و أمّي، إنّي خشيت أن يغتالك المشركون.

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: ناولني يدك يا علي. فزحف الجبل حتّي تخطي عليّ عليه السلام برجله الجبل الآخر، ثمّ رجع إلي قراره، و المنّة للّه».

۸۲) عن أبي بكر، قال: كنت مع النبيّ صلي الله عليه و آله في الغار، و سمعت أصوات قريش، فخفت و قلت: قد جاءوا ليقتلوك و يقتلوني معك. فرفس جانب الغار رفسة، فانفجر عن بحر عجاج فيه سفائن من فضة، فرأيت جعفر بن أبي طالب يقوم في سفينة و قال لي: «قد قربت سفائن الفضة إن جاءوا من هاهنا خرجنا من هاهنا».

في ظهور آياته في إحياء الموتي و فيه: ثلاثة أحاديث

۸۳) عن عليّ عليه السلام، قال: «و لقد سألته قريش إحياء ميت، كفعل عيسي عليه السلام، فدعاني ثمّ وشّحني ببردة السحاب، ثمّ قال: انطلق يا عليّ مع القوم إلي المقابر، فأحي لهم بإذن اللّه، من سألوك من آبائهم، و أمّهاتهم، و أجدادهم، و عشائرهم.

فانطلقت معهم، فدعوت اللّه تبارك و تعالي باسمه الأعظم، فقاموا من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم بإذن اللّه تعالي، جلّت عظمته».

۸۴) عن مسمع بن عبد الملك كردين، و ابن عمرويه، قال: إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله كان قاعدا، و هو يذكر اللّحم و قرمه، إليه، فقام رجل من الأنصار و له عناق، فانتهي إلي امرأته، فقال لها:

هل لك من غنيمة باردة؟ قالت: و ما ذلك؟

قال: إنّي سمعت رسول اللّه صلي الله عليه و آله يذكر اللّحم و يشتهيه.

قالت: خذها، و لم يكن عندهم غيرها، و كان رسول اللّه صلي الله عليه و آله يعرفها، فلمّا جاء بها ذبحت و شويت، ثم وضعها صلي الله عليه و آله بين يدي أصحابه، ثمّ قال: «كلوا و لا تكسروا عظاما» فأكل و أكلوا، و رجع الأنصاري، و إذا هي علي بابه تلعب.

۸۵) عن أم سلمة رضي اللّه عنها، قالت كنت عند رسول اللّه صلي الله عليه و آله في نصف النهار إذ أقبل ثلاثة من أصحابه، فقالوا: ندخل يا رسول اللّه؟ فصير ظهري إلي ظهره، و وجهه إليهم.

فقال الأوّل منهم: يا محمّد، زعمت أنّك خير من إبراهيم، و إبراهيم عليه السلام اتّخذه اللّه خليلا، فأي شي‌ء اتّخذك؟

و قال الثاني: زعمت أنّك خير من موسي، و موسي كلّمه اللّه عزّ و جل تكليما، فمتي كلّمك؟

و قال الثالث: زعمت أنّك خير من عيسي، و عيسي أحيا الموتي، فمتي أحييت ميتا؟

و في الحديث طول و جواب... ثمّ قال لعليّ عليه السلام: «قم يا حبيبي، فالبس قميصي هذا، فانطلق بهم إلي قبر يوسف بن كعب، فأحيه لهم بإذن اللّه تعالي محيي الموتي».

فأتي بهم إلي البقيع، حتّي أتي إلي قبر دارس، فدنا منه، ثمّ تكلّم بكلمات فتصدّع القبر، ثم ركله برجله و قال: «قم بإذن اللّه تعالي محيي الموتي»، فإذا شيخ ينفض التراب عن رأسه و لحيته، و هو يقول:

يا أرحم الراحمين. ثمّ التفت إلي القوم كأنّه عارف بهم، و هو يقول:

أكفر بعد الإيمان! أنا يوسف بن كعب، صاحب الأخدود، أماتني اللّه منذ ثلاثمائة عام.

و في الحديث طول، اقتصرت علي الموضع المقصود.

في ظهور آياته في ظهور النور و فيه: ستة أحاديث

۸۶) عن حيان بن عمير عن قتادة بن ملحان، قال: «أتيت رسول اللّه صلي الله عليه و آله لأبايعه، فمسح يده علي وجهي، فكان لوجهي بريق، حتّي أن المارّ ليمرّ في الطريق، فينظر في وجهي كأنّما ينظر في مرآة، فأقول: هذه من بركة يد رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

۸۷) عن أبي عون الدوسي قال: لمّا أسلم طفيل بن عمرو الدوسي، قال: يا رسول اللّه، إنّي امرؤ مطاع في قومي، و أنا راجع إليهم، و داعيهم إليك، فقال صلي الله عليه و آله: «اللّهم اجعل له آية».

قال: فخرج إلي قومه، حتّي إذا كان بثنية تطلعه علي الحاضر، وقع نور بين عينيه مثل المصباح، فقال: اللّهم في غير وجهي، فإنّي أخشي أن يظنّوا بي أنّها مثله وقعت في وجهي لفراق دينهم. فتحول النور إلي وسطه كالقنديل المعلّق.

۸۸) عن أنس بن مالك، قال: إن عبّاد بن بشر، و أسيدا كانا عند النبيّ صلي الله عليه و آله في ليلة ظلماء حندس، فخرجا من عنده فأضاءت عصا أحدهما مثل السراج، فكانا يمشيان بضوئها، فلمّا أرادا أن يفترقا إلي منازلهما، أضاءت عصا هذا و عصا هذا.

۸۹) عن محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه، قال: كنّا مع النبيّ صلي الله عليه و آله في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء؛ فأضاءت أصابعي حتّي جمعوا عليها ظهورهم، و ما هلك منهم أحد، و إنّ أصابعي لتنير.

۹۰) عن قتادة بن النعمان، قال: أتيت النبيّ صلي الله عليه و آله في ليلة مطيرة، أحببت أن أصلّي معه، فأعطاني صلي الله عليه و آله عرجونا، و قال: «خذه فإنّه سيضي‌ء لك أمامك عشرا، فإذا أتيت بيتك فإنّ الشيطان قد خلفك، فانظر في الزاوية عن يسارك حتّي تدخل، فأعله به حتّي يسبقك».

فدخلت، فنظرت حيث قال النبيّ صلي الله عليه و آله، فإذا سواد، فعلوته به حتّي سبقني به، فقالت أهلي: ما تصنع؟! فإذا بضبع.

۹۱) عن أبي هريرة، قال: بينما نحن نصلّي مع رسول اللّه صلي الله عليه و آله العشاء، و كان إذا سجد وثب الحسن و الحسين عليهما السلام علي ظهره فإذا أراد أن يركع أخذهما أخذا رفيقا، حتّي يضعهما علي الأرض، فإذا عاد عادا، حتّي قضي رسول اللّه صلي الله عليه و آله صلاته فانصرف، و وضعهما علي فخذيه.

قال: فقمت إليه و قلت: يا رسول اللّه، أ لا أذهب بهما؟ فقال:

«لا».

قال: فبرقت لهما برقة، فقال: «الحقا بأمّكما» فما زالا في ضوئها حتّي دخلا.

في بيان ظهور آياته من الإخبار بالغائبات و فيه: ستة أحاديث

اعلم أنّ هذا الباب لو استقصيناه، لاحتاج إلي مجلّدة ضخمة، و لكن اقتصرنا علي طرف منه.

۹۲) عن محمّد بن عليّ بن عتاب، قال: خرجت في الهزيمة مع عبد اللّه بن عزيز، فلمّا صرت بطوس أتيت قبر أبي الحسن عليّ بن موسي الرضا عليه السلام، فإذا أنا بشيخ كبير هرم، فسألني عن أهل الري، فأخبرته بما نالهم و بما رأيت فيهم، و بهدم السور، فقال: حدّثني صاحب هذا القبر، عن أبيه عن، جدّه، عن آبائه، عن النبيّ صلي الله عليه و آله أنه قال: «كأنّي بأهل الري و قد وليهم رجل يقال له (عبد اللّه بن عزيز) فيؤسر، فيؤتي به طبرستان، فيضرب عنقه في يوم النحر، و يرفع رأسه علي خشبة و يطرح بدنه في بئر».

قال: فرجعت إلي الري و ابن عزيز في البلد، فحدّثته الحديث فتغير لون وجهه، و قال لي: قد يكون اسم يوافق اسما، و أرجو أن يكفيني اللّه ذلك، و لا بدّ من مناصحة من استكفانا أمره.

قال: فكرهت ذلك و ندمت علي قولي حتّي تبيّن ذلك في وجهي، فقال: لا عليك قد أدّيت ما سمعت. فما عدت إليه حتّي نزل به ما حدّثت به.

و في الحديث عدّة آيات.

۹۳) عن عليّ عليه السلام، قال: «كان رسول اللّه صلي الله عليه و آله يخبر أهل مكّة بأسرارهم، حتّي لا يبقي منها شي‌ء.

منها أنّ عمير بن وهب أتي المدينة و قال: جئت في فكاك ابني.

فقال صلي الله عليه و آله: كذبت، بل قلت لصفوان و قد اجتمعتم بالحطيم، و قد ذكر صفوان قتلي بدر و قال: و اللّه الموت خير من البقاء، مع ما صنع بنا، و هل حياة بعد أهل القليب؟! فقلت: لو لا عيال و دين لأرحتك من محمّد.

فقال صفوان: عليّ أن أقضي دينك، و أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهنّ ما أصابهنّ من خير أو شر. فقلت أنت: فاكتمها علي، و جهزني حتّي أذهب و أقتله فجئت لتقتلني.

فقال: صدقت يا رسول اللّه، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنّك رسول اللّه.

۹۴) و عنه عليه السلام مجملا، و عن ابن شهاب مفصلا، قال: إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله لمّا بعث الجيش إلي مؤتة، كان ذات يوم علي المنبر، فنظر إلي معركتهم فقال صلي الله عليه و آله: «أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة الدنيا، فقال: حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين، تحبّب إليّ الدنيا؟! فمضي قدما حتّي استشهد رضي اللّه عنه» فقال صلي الله عليه و آله: «استغفروا له، و دخل الجنّة و هو يسعي.

ثمّ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فمنّاه الحياة، و كرّه إليه الموت، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا؟! ثمّ مضي قدما حتّي استشهد» فصلّي عليه، و دعا له.

ثم قال: «استغفروا لأخيكم جعفر فإنّه شهيد، لقد دخل الجنّة، و هو يطير بجناحين من ياقوت حيث يشاء في الجنّة.

ثمّ أخذ الراية بعده عبد اللّه بن رواحة، فاستشهد، ثمّ دخل الجنّة معترضا» فشقّ ذلك علي الأنصار، فقيل: يا رسول اللّه، ما اعترضاه؟

فقال: «لمّا أصابه الجرح نكل، فغابت نفسه، فشجع، فدخل الجنّة» فسري عن قومه.

ثمّ ورد علي ابن منبه، فقال صلي الله عليه و آله: «إن شئت أخبرتك، و إن شئت أخبرني». فقال: بل أخبرني يا رسول اللّه فأخبره خبره كلّه قال:

و إنّك و الّذي بعثك بالحقّ، ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره.

فقال صلي الله عليه و آله: «إنّ اللّه رفع لي الأرض حتّي رأيت معركتهم».

۹۵) عن عليّ عليه السلام، قال: «قال النبيّ صلي الله عليه و آله ذات يوم: يأتيني غدا تسعة نفر من حضرموت، فيسلم منهم ستة نفر، و لا يسلم ثلاثة.

فوقع في قلوب أناس كثير، فقلت أنا أصدّق اللّه و رسوله: هو كما قلت يا رسول اللّه.

فقال: أنت الصدّيق الأكبر، و يعسوب المؤمنين، و إمامهم تري ما أري، و تعلم ما أعلم، و أنت أول المؤمنين إيمانا، و لذلك خلقك و نزع منك الشك و الضلال، و أنت الهادي الثاني، و الوزير الصادق.

فلمّا أصبح رسول اللّه صلي الله عليه و آله و قعد في مجلسه و أنا عن يمينه، أقبل تسعة رهط من حضرموت، حتّي دنوا منه صلي الله عليه و آله، فسلّموا عليه، فردّ عليهم السلام، فقالوا: يا محمد، اعرض علينا الإسلام. فعرض عليهم، فأسلم الستة و لم يسلم ثلاثة، و انصرفوا.

فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله للثلاثة: أمّا أنت يا فلان فستموت بصاعقة من السماء، و أما أنت يا فلان فيضربك أفعي في موضع كذا و كذا، و أما أنت يا فلان فإنّك تخرج في طلب إبلك فيستقبلك أناس من كذا فيقتلونك.

فوقع في قلوب كثير من الناس، فقلت: صدق اللّه و رسوله، لا يتقدمون و لا يتأخرون عمّا قلت فقال صلي الله عليه و آله: صدّق اللّه قولك، و لا زلت صدوقا.

فأتي لذلك ما أتي، فأقبل الستة الذين أسلموا فوقفوا علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقال لهم: ما فعل أصحابكم؟ فقالوا: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا ما جاوزوا ما قلت، و كلّ مات بما قلت، و إنّا جئناك لنجدّد الإسلام، و نشهد أنك رسول اللّه، و أنك الأمين علي الأحياء و الأموات».

۹۶) و عنه عليه السلام، قال: «كنت صاحب رسول اللّه صلي الله عليه و آله يوم أقبل أبو جهل- لعنه اللّه- و هو يقول: أ لست تزعم أنّك نبيّ مرسل، و أنّك تعلم الغيب، و أنّ ربّك يخبرك بما تفعله، هل تخبرني بشي‌ء فعلته لم يطّلع عليه بشر؟

فقال صلي الله عليه و آله: لأخبرنّك بما فعلته، و لم يكن معك أحد، الذهب الّذي دفنته في بيتك في موضع كذا و كذا، و نكاحك سودة، هل كان ما قلت؟ فأنكر، فقال صلي الله عليه و آله: لئن لم تقر لأظهرنّ ذلك.

فعلم أنه سيظهره فقال: قد علمت أنّ معك رجل من الجنّ يخبرك بجميع ما نفعله، فأمّا أنا فلا لا أقول إنّك نبيّ أبدا.

فقال صلي الله عليه و آله: لأقتلنك، و لأقتلنّ شيبة، و لأقتلنّ عتبة، و لأقتلنّ الوليد بن عتبة، و لأقتلنّ أشراركم، و لأقطعنّ دابركم و دابر مخزوم، و لأوطئنّ الخيل بلادكم، و لآخذنّ مكّة عنوة، و لتديننّ لي الدنيا شرقها و غربها، و ليعاديني قوم من قريش يكونوا طلقاي، و طلقاء هذا و ذريّتي يمتّعهم اللّه إلي حين، و العاقبة بالنصر لرجل من ذرّيتي.

فتولي عنّا أبو جهل عليه اللعنة و هو كالمستهزئ، ففعل اللّه بهم ذلك».

۹۷) عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري رضي اللّه عنه قال: قال لي رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «إنّك ستبقي حتّي تلقي ولدي محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، المعروف في التوراة بالباقر، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام».

قال الراوي: فدخل جابر علي عليّ بن الحسين زين العابدين عليهما السلام فوجد محمّد بن عليّ عنده غلاما، فقال: يا غلام أقبل.

فأقبل، ثمّ قال: أدبر. فأدبر فقال جابر: شمائل رسول اللّه صلي الله عليه و آله و ربّ الكعبة.

ثمّ أقبل علي عليّ بن الحسين عليه السلام فقال له: من هذا؟

فقال: «هذا ابني، و صاحب الأمر من بعدي: محمّد الباقر».

فقام جابر فوقع علي قدميه يقبلهما و يقول: نفسي لنفسك الفداء يا ابن رسول اللّه اقبل سلام أبيك، إن رسول اللّه صلي الله عليه و آله يقرئك السلام.

قال: فدمعت عينا أبي جعفر عليه السلام و قال: «يا جابر و علي أبي رسول اللّه صلي الله عليه و آله السلام ما دامت السماوات و الأرض، و عليك يا جابر بما بلّغت».

و منها: ما أخبر به أبا اليقظان عمّار بن ياسر رضي اللّه عنه بقوله صلي الله عليه و آله: «ستقتلك الفئة الباغية، و آخر زادك ضياح من لبن».

و منها: ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام أنه سيقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين.

و منها: ما أخبره أنّه يموت قتلا، ضربا علي رأسه.

و منها: ما أخبر بقتل الحسين عليه السلام، و وضع تربته عند أمّ سلمة رضي اللّه عنها و قال: «إذا صار هذا دما عبيطا فاعلمي أنّ ابني الحسين قد قتلوه».

و منها: ما أخبر بقتل عمر بن الخطّاب، و عثمان بن عفّان.

و منها: ما أخبر أن معاوية سيطلب الإمارة.

و منها: ما أخبر بخبر بني أميّة.

و منها: ما أخبر بملك ولد العبّاس، و أمثال ذلك لا يحصي كثرة، فإنّما اقتصرنا علي هذا المقدار لأنّ استيفاء آياته لا يمكن أن تحصي.

في بيان ظهور آياته في معان شتي و فيه: أربعة عشر حديثا

۹۸) أبو أمامة الباهلي، قال: إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله بعث إلي الملوك رسلا فأنطقهم اللّه بلسان من أرسل إليه.

۹۹) عن المعلّي بن خنيس، عن الصادق عليه السلام، قال:

«إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله أنفذ دحية الكلبيّ إلي قيصر ملك الروم، فتفل في فيه، فتكلم بالرومية.

و لمّا أنفذ عبد اللّه بن جحش إلي كسري تفل في فيه فتكلم بالفارسية الدريّة».

۱۰۰) عن أبي أمامة الباهلي، قال: أتي للنبي صلي الله عليه و آله بطعام، فأمر به فوضع علي الأرض فجثا علي ركبتيه، و وضع إحدي قدميه علي الأخري، و أقبل يأكل، فدخلت امرأة برزة مزّاحة فقالت: يا محمّد، تأكل كما يأكل العبيد! فقال: «أي عبد أعبد من محمّد، اجلسي».

فقالت: أنا و اللّه لا آكل إلّا ما ناولتني. فناولها، فقالت: إلّا الذي في فيك. فأخرجها، فناولها إيّاها، فابتعلتها، فصبّ اللّه عليها الحياء، فما رؤيت ممازحة بعد ذلك أبدا.

۱۰۱) عن إسماعيل بن عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «مرّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله بجابر بن عبد اللّه الأنصاريّ رضي اللّه عنه، فقال: يا جابر أ لا تسير؟ فقال: يا رسول اللّه إن بكري ضعيف، و لا يستطيع أن يسير سير الرواحل، و إنّما أخرجته من النضح حين خرجت.

قال: فغمز رسول اللّه صلي الله عليه و آله [أصل] ذنب بكره بمحجن معه في يده، و هو يقول: اللّهم احمله، اللهمّ احمله».

قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «و كان جابر بن عبد اللّه يحلف باللّه ليسبق الناس حتّي رجعت، و جعل يسير بين يدي الإبل».

۱۰۲) عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان سراقة بن جعشم المدلجي قريبا من قريش في ناحية مكّة، فأتاه رجل فقال: يا سراقة، لقد رأيت ركبانا ثلاثة قد مرّوا. فقال سراقة: ينبغي أن يكون هذا محمّد، لأتخذن عند قريش يدا.

فركب فرسه و أخذ رمحه، و كانت قريش قد بعثت الرجال في كلّ طريق، و الفرسان و النجائب، و خرج منهم جماعة علي طريق المدينة، فلمّا لحق سراقة برسول اللّه صلي الله عليه و آله، قال أبو بكر: هذا فارس قد غشينا.

فقال صلي الله عليه و آله: «اللّهم اكفه عنّا» فارتطم فرسه في الأرض، و علم سراقة أنّه من صنع اللّه تعالي، فنادي رسول اللّه صلي الله عليه و آله فقال: يا محمّد، ادع اللّه أن يخلصني، فو اللّه لأردّنّ عنك قريشا.

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «اللّهم إن كان صادقا فخلّصه» فوثب فرسه، فلحق سراقة برسول اللّه صلي الله عليه و آله، و قال: يا محمّد، خذ سهما من كنانتي، فإنك تمر براع لي فخذ ما شئت من حملان و غنم فقال صلي الله عليه و آله: «لا حاجة لنا إلي ذلك».

و في الحديث طول.

۱۰۳) عن عليّ عليه السلام، قال: «إنّ رجلا كان يطلب أبا جهل بدين، ثمن جزور قد اشتراه منه، و اشتغل عنه و جلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه» فقال بعض المستهزئين: ممّن تطلب؟

قال: من عمرو بن هشام، فلي عليه دين.

قال: أ فأدلك علي من يستخرج الحقوق؟ قال: نعم. فدلّه علي النبيّ صلي الله عليه و آله، و كان أبو جهل يقول: ليت لمحمّد إليّ حاجة فأسخر به، و أردّه.

فأتي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و قال له: يا محمّد، قد بلغني أن بينك و بين عمرو بن هشام حسابا، فاستشفع بك إليه.

فقام رسول اللّه صلي الله عليه و آله معه فأتاه، و قال له: «قم يا أبا جهل و أد للرجل حقّه» و إنّما كنّاه أبا جهل ذلك اليوم، فقام مسرعا حتّي أدّي إليه حقّه، فلمّا رجع، قال له بعض أصحابه: فعلت ذلك فرقا من محمّد.

قال: و يحكم اعذروني، إنّه لمّا أقبل رأيت عن يمينه رجالا بأيديهم حراب تلألأ، و عن يساره ثعبانين تصطك أنيابهما، و تلمع النيران من أبصارهما، لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا بالحراب بطني، و يقضمني الثعبانان.

۱۰۴) و عنه عليه السلام «إنّ أبا جهل قال يوما: أنا أقتل محمّدا، و لو شاءت بنو عبد المطّلب قتلوني به، قالوا: إنّك إن فعلت ذلك اصطنعت إلي أهل الوادي معروفا لا تزال تذكر به.

قال: إنّه لكثير السجود حول الكعبة، فإذا جاء و سجد أخذت حجرا فشدخته به.

فجاء النبيّ صلي الله عليه و آله، و طاف بالبيت سبعا، ثمّ صلّي فأطال في صلاته، و سجد، و أطال في سجوده، فأخذ أبو جهل حجرا و أتاه من قبل رأسه، فلمّا أن قرب منه، أقبل عليه فحل من قبل رسول اللّه صلي الله عليه و آله فاغرا فاه، فلمّا رآه أبو جهل فزع و ارتعدت يده، و طرح الحجر فشدخ رجله، فرجع مدميا، متغيرا لونه، يفيض عرقا، فقال أصحابه: ما رأيناك اليوم.

قال: ويحكم اعذروني فإنّه أقبل من عنده فحل فاغر فاه يكاد يبتلعني، فرميت الحجر، فشدخت رجلي».

۱۰۵) سعيد بن عبد الرحمن الجحشي قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: أبلغك أنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله أعطي عبد اللّه بن جحش يوم أحد عسيبا من النخل فصار في يده سيفا؟ قلت: نعم، حدّثني بذلك آبائي. أو قال: أشياخنا، الشكّ من الراوي.

۱۰۶) عن العبّاس بن عبد المطّلب، قال: قلت: يا رسول اللّه، دعاني إلي الدخول في دينك أمارة لنبوتك: قالت أمّك: رأتك في المهد تناغي القمر، و تشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه يذهب إليه.

قال صلي الله عليه و آله: «كنت أحدّثه و يحدّثني، و يلهيني عن البكاء، و أسمع وجبته [حين] يسجد تحت العرش».

۱۰۷) عن هند بنت الجون، قالت: لمّا نزل رسول اللّه صلي الله عليه و آله بخيمة أمّ معبد، توضّأ للصلاة، و مجّ ماء في فيه علي عوسجة يابسة، فاخضرّت و أنارت، و ظهر لي خضر ورقها، و حسن حملها، و كنا نتبارك بها، و نستشفي بها للمرضي.

فلمّا توفي رسول اللّه صلي الله عليه و آله ذهبت بهجتها و نضارتها.

فلمّا قتل أمير المؤمنين عليه السلام انقطع ثمرها.

فلمّا كان بعد مدّة طويلة أصبحنا يوما و إذا بها قد انبعث من ساقها دم عبيط، و ورقها ذابل يقطر منه مثل ماء اللحم، فعلمنا أنه حدث حدث عظيم، فبتنا ليلتنا مهمومين فزعين نتوقع الداهية.

فلمّا أظلم الليل علينا سمعنا بكاء و عويلا من تحتها و وجبة شديدة و ضجّة و رجّة، و صوت باكية تقول: يا ابن النبي، يا ابن الوصي، و يا ابن البتول، و يا بقيّة السادة الأكرمين. ثمّ كثرت الرنّات و الأصوات، و لم أفهم كثيرا ممّا يقولون، فأتانا بعد ذلك قتل الحسين عليه السلام، و يبست الشجرة، و جفّت، و ذهب أثرها.

۱۰۸) و عن عروة بن أبي الجعد البارقي، قال: قدم جلب فأعطاني النبيّ صلي الله عليه و آله دينارا و قال: «اشتر بها شاة» فاشتريت شاتين بديا نار، فلحقني رجل، فبعت إحداهما منه بديا نار، ثمّ أتيت النبيّ صلي الله عليه و آله بشاة و دينار، فردّه عليّ و قال: «بارك اللّه لك في صفقة يمينك» و لقد كنت أقوم [بعد ذلك] بالكناسة- أو قال بالكوفة- فأربح في اليوم أربعين ألفا.

۱۰۹) عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: خرج علينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في يوم جمعة و قد راح الناس في الأزر و الأردية، و راح في ثياب كثاف، فخطب، ثمّ صلّي و دخل.

ثمّ إنّ الناس وثبوا فراحوا في الأكسية، و السراويلات، و الطيالسة، فراح هو في ثوبين، ثمّ دعا بماء و هو علي المنبر فشرب، فنظرت إلي العرق يرشح من جبينه.

قال: ثمّ نزل، فصلّي، و دخل، فذكرت ذلك لأبي فقلت: هل رأيت من أمير المؤمنين ما رأيت؟! قال: لا.

و دخل عليه أبو ليلي و سأله، قال: فقال: «يا أبا ليلي، أ ما بلغك ما قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله و قد دعاني يوم خيبر، و أنا أرمد، فجئت أتهادي بين رجلين، فتفل في راحته، ثمّ ألصقها بعيني، ثمّ قال: اذهب اللّهم عنه الحر و البرد و الرمد؟! فو اللّه ما وجدت حرّا، و لا بردا، و لا رمدا، حتّي الساعة، و لا أجدها حتّي أموت».

۱) عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنت مع النبيّ صلي الله عليه و آله في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظل شجرة، فلمّا زالت الشمس، لبست لامتي و ركبت فرسي، و انطلقت إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و هو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول اللّه قد حان الرواح قال: «أجل» فنادي بلالا من تحت شجرة كأنّ ظلها ظلّ طائر فقال: لبيك و سعديك، و أنا فداك. فقال: «اسرج فرسي».

فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيه أشر و لا بطر، فركب و ركبنا فضاممناهم عشيتنا.

قال: فلمّا تسامت الخيلان ولّي المسلمون مدبرين، كما قال اللّه تعالي، فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «يا عباد اللّه أنا عبد اللّه و رسوله» ثمّ اقتحم صلي الله عليه و آله عن فرسه، و أخذ كفّا من تراب فقال: «شاهت الوجوه» فهزمهم اللّه تعالي.

قال يعلي بن عطاء: أخبرني أولئك، عن آبائهم، أنّهم قالوا: لم يبق منا أحد إلّا امتلأت عيناه وفوه ترابا، و قتلوا، و سمعنا صلصلة بين السماء و الأرض كإمرار الحديد علي الطست الحديد.

۱۱۱) عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، قال: إنّ الأسود بن قيس العنسي بينا هو باليمن فبعث إلي أبي مسلم الخولاني فأتاه، فقال له: أتشهد أنّي رسول اللّه؟ قال: ما أسمع.

قال: فتشهد أن محمّدا رسول اللّه؟ قال: نعم. فأمر بنار عظيمة فأججت ثمّ ألقي أبا مسلم الخولاني فيها، فلم تضرّه.

فقيل للأسود: إنّك إن لم تنف هذا عنك، أفسد عليك من اتّبعك، فأمره بالرحيل.

الباب الثاني في بيان معجزات الأنبياء التي ذكرها الله تعالي في القرآن و بيان فضائلهم، و ما جعله الله تعالي لأهل بيت نبينا عليه و عليهم السلام مما يضاهيها و يشاكلها و يدانيها

في ذكر آدم و فيه: اثنا عشر حديثا

إنّ اللّه سبحانه و تعالي خلق آدم عليه السلام، و اصطفاه، و جعله بديع فطرته، و آية قدرته، بفضائل إعلاء لقدره و تنويها باسمه، و جعله حجة قبل أن يحتج به عليه، كما روي عن الصادقين عليهما السلام «الحجّة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق».

و إنّما نذكر فضائله المذكورة في القرآن، ثمّ نذكر بإزاء كلّ فضيلة فضيلة توازيها، و بدل كلّ كرامة كرامة لأئمتنا عليهم السلام.

فأوّل فضيلة لآدم عليه السلام أنّ اللّه سبحانه و تعالي أخبر ملائكته بتعظيم قدره قبل خلقه، بقوله تعالي: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً و هذه الفضيلة في غاية الشرف، و نهاية الفضل، حيث أخبر سبحانه و تعالي أنّه يجعل أحدا ينوب عنه في الحكم بين خليقته، ثمّ كشف عن عظم قدره و رفع شأنه بإخباره عنه لأهل طاعته.

فإنّ اللّه سبحانه و تعالي أعطي أمير المؤمنين و سيّد الوصيين عليه السلام ما يضاهي ذلك و يوازيه في القدر و النباهة، و هو ما روته الثقات و حملة الإثبات و نطقت به الآثار و اشتهرت به الأخبار.

۱۱۲) فعن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلي الله عليه و آله أنه قال: «مكتوب علي باب الجنّة: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، و عليّ أخو رسول اللّه. و ذلك قبل أن يخلق اللّه تعالي السماوات و الأرض بألفي عام».

۱۱۳) و روي أيضا في المشهور من الأثر، أنه كتب علي قائمة من قوائم عرشه قبل خلق آدم عليه السلام بألفي عام: «لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، و أيّدته و نصرته بعليّ بن أبي طالب عليه السلام».

۱۱۴) و روي عن أبي أبي الحمراء أنّه قال: قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله لمّا أسري بي إلي السماء، رأيت علي ساق العرش الأيمن مكتوبا: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، أيدته بعليّ بن أبي طالب عليه السلام، و نصرته به.

و أمّا الخلافة فإنّ اللّه سبحانه و تعالي جعل له ذلك علي لسان نبيّه محمّد صلي الله عليه و آله في مواضع كثيرة، و مواطن جمة، كقوله صلي الله عليه و آله: «أنت وصيّي في أهلي، و خليفتي في أمتي».

و قد أنزل اللّه سبحانه في المهدي الحجّة الخلف من ولده صلوات اللّه عليهما: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية.

و من استخلفه اللّه تعالي فهو الخليفة.

و في الآية تنبيه علي أنّها ليست فيمن سواهم، لأنّ من ادعي الخلافة من غيرهم إنّما استخلفه الناس، و اختاره الخلق، و لم يستخلفه اللّه تبارك و تعالي، و قد قال اللّه عزّ من قائل: كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ و من استخلفه اللّه كان مطهّرا من الأدناس، متميّزا بالعصمة من الناس، و ليس ذلك من صفة من تصدّي للأمر.

و قد روي عن آل محمّد صلي الله عليه و آله حقيقة ذلك، فيا لها من مرتبة شريفة، و منقبة منيفة، و فضيلة باهرة، و حجّة قاهرة.

و الثانية: أنه سبحانه و تعالي علّم آدم الأسماء كلّها و ألهمه معانيها، ثمّ قال للملائكة أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فلمّا عجزوا و اعترفوا، قال لآدم عليه السلام أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فلمّا عرفت الملائكة فضيلته و أيقنوا برتبته، أمرهم بالسجود تكرمة له، فأذعن المخلصون و تمرّد من كان من أهل النفاق، و جحد عنادا، و استكبر حسدا، و ادعي أنّه خير منه، و اعتقد في نفسه ما لم يجعله اللّه له، فغضب اللّه عزّ و جل عليه، فطرده عن بابه، و وسمه باللعنة، و أخرجه من جواره، و أهبطه عن داره، و مدح من أذعن لأمره، و انقاد لحكمه بالسجود له بقوله تعالي: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ فميّز اللّه تعالي به بين المؤمن و المنافق، و المخلص و المدغل.

و قد أعطي اللّه تعالي أمير المؤمنين عليه السلام ما يماثل هذه الفضائل و يوازيها، و يقاربها و يدانيها، و هو أنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله علي ما روي في المشهور من الأثر، و المنقول من الخبر (علّمه ألف باب، ففتح له من كلّ باب ألف باب).

و قال صلي الله عليه و آله: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها».

و بيّن صحة ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام: «سلوني عمّا دون العرش».

و قوله: «سلوني قبل أن تفقدوني».

و قوله: «ما من فئة تضل فئة أو تهدي فئة، إلا أنبأتكم- لو شئت- بسائقها و قائدها و ناعقها، و محطّ رحالها إلي يوم القيامة».

۱۱۵) و قوله و قد روي عنه عباية بن ربعي الأسدي، قال: سمعته و هو يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني، أ لا تسألوني عن علم البلايا و المنايا و الأنساب».

و حديث الجفر، و الجامعة، و مصحف فاطمة عليها السلام، و غير ذلك غير خاف عند علماء أهل البيت عليهم السلام و في إحصاء ذلك كثرة.

۱۱۶) فقد روي أبو إسحاق السبيعي أنّ الحسن بن عليّ عليهما السلام، قال في الخطبة الّتي خطبها بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام: «و كان رسول اللّه صلي الله عليه و آله يوجهه و يكنفه، جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن شماله لا يرجع حتّي يفتح اللّه علي يده».

۱۱۷) و يصدق ذلك ما رواه جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «ما اعتصي عليّ أهل مملكة قط إلّا رميتهم بسهم اللّه» قلنا: يا رسول اللّه، و ما سهم اللّه؟

قال: «عليّ بن أبي طالب، ما بعثته في سرية قط إلّا رأيت جبريل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره و ملك الموت أمامه في سحابة تظله، حتّي يعطي اللّه لحبيبي النصر و الظفر».

۱۱۸) و قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «إنّ اللّه تعالي جعل ملائكة سياحين في الأرض، فإذا مرّوا بآل محمّد مسحوا بأجنحتهم رءوسهم».

۱۱۹) روي أبو جعفر الباقر عليه السلام، قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام- بعد قتل عثمان بن عفان-: أنشدكم باللّه، هل فيكم أحد سلّم عليه جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل في ثلاثة آلاف من الملائكة يوم بدر غيري؟» قالوا: لا.

۱۲۰) روي الأصبغ بن نباتة، قال: دخلت علي أمير المؤمنين، و الحسن و الحسين عليهم السلام عنده، و هو ينظر إليهما نظرا شديدا، قلت له: بارك اللّه لك في فتيانك، و بلّغ بهما أملهما فيك، و بلّغ بك أملك فيهما.

فقال: «خرجت يوما و صلّيت مع رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فلمّا انصرفت قلت: يا رسول اللّه إنّي كنت في ضيعة لي، فجئت نصف النهار و أنا جائع، معي، فسألت ابنة رسول اللّه صلي الله عليه و آله هل عندها شي‌ء تطعمني، فقامت لتهيّئ شيئا، فأقبل ابناك الحسن و الحسين مظهرين، يقولان: حسبنا جبرئيل و رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

فقلت: كيف حسبكما جبرئيل و رسول اللّه؟

فقال الحسن: كنت أنا في حجر رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و الحسين في حجر جبرئيل، فكنت أنا أثب من حجر رسول اللّه إلي حجر جبرئيل، و الحسين يثب من حجر جبرئيل إلي حجر رسول اللّه.

فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: صدق ابناي، ما زلت أنا و جبرئيل نلهو بهما منذ أصبحنا حتّي زالت الشمس.

قلت ففي أي صورة كان جبرئيل؟ قال: في الصورة التي كان ينزل عليّ فيها».

و أمثال ذلك لا تحصي كثرة.

و قد جعل اللّه تعالي عليّا أمير المؤمنين علما بين الإيمان و النفاق، و بين من ولد لرشده، و بين من ولد لغيّه.

فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «حبّك إيمان و بغضك نفاق».

و قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله له: «لا يحبّك إلّا مؤمن، و لا يبغضك إلّا منافق».

۱۲۱) روي ابن عبّاس رضي اللّه عنه في حديث طويل أنّه صلي الله عليه و آله قال: «لا يحبك إلّا طاهر الولادة، و لا يبغضك إلّا خبيث الولادة».

۱۲۲) روي عن عائشة- مع انحرافها عن عليّ عليه السلام- قالت: كنا نختبر أولادنا علي عهد رسول اللّه صلي الله عليه و آله بحبّ عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، فمن أحبّه علمنا أنه لرشده.

و قد ذكر في ذلك أبيات عنها:

إذا ما التبر حك علي المحك

تبين غشه من غير شكّ

ففينا الغش و الذهب المصفي

عليّ بيننا شبه المحكّ

۱۲۳) و كان جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ رضي اللّه عنه و هو يدور علي مجالس الأنصار و يقول: «عليّ خير البشر فمن أبي فقد كفر»، يا معشر الأنصار أدّبوا أولادكم علي حبّ علي، فمن أبي فانظروا في شأن أمه.

و أمثال هذا كثيرة و لا يمكن استيفاؤها.

في ذكر نوح و هود و صالح و فيه: خمسة أحاديث

إنّ اللّه سبحانه و تعالي لم يذكر في كتابه المجيد لأحد منهم آية سوي آية الناقة لصالح، فإنّه تعالي جعلها له آية، و ذكرها في كتابه العزيز فقال عزّ من قائل: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فأمّا الطوفان، و الريح، و إهلاك قوم منهم بسبب آية تخالف العادة، و أنّه تعالي كان عذّبهم بالماء و الريح، و أفناهم و قطع دابرهم، و أبادهم، و جعلهم عبرة لمن عقل، و عظة لمن تدبّر، و حديثا لمن تذكّر، علي وجه يخرق العادة، ثمّ لم يجعل ذلك لنبيّنا صلي الله عليه و آله، و لا لأحد من أوصيائه، لأنّه سبحانه و تعالي جعله صلي الله عليه و آله نبيّ الرحمة كما قال عزّ اسمه: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ.

و كان صلي الله عليه و آله أحسن الأنبياء خلقا، و أكرمهم سجية، و أعلاهم فضلا.

۱۲۴) و قد قال صلي الله عليه و آله من كرمه الفائض و خلقه الجميل: «لكلّ نبيّ دعوة مستجابة، و إنّي أخبأت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي».

و إنّما فعل تعالي بالأمم الماضية من العذاب المدمر، و الهلاك الشامل، ليعتبر بهم من يجي‌ء بعدهم، بعد ما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة، و إصرارهم علي الكبائر، و تماديهم علي الكفر و الجحود، و إنّ اللّه سبحانه و تعالي لم يغلق علي نبيّنا، و علي من بعث إليه باب التوبة، و لم يسدّ لهم طريق الأوبة إلي يوم القيامة، و رفع عنهم عذاب الاستئصال ببركته صلي الله عليه و آله.

۱۲۵) و قد روي أنّ نوحا عليه السلام لمّا دخل السفينة حمل معه من كلّ زوجين اثنين، كما قال سبحانه و تعالي في كتابه العزيز، و قد حمل معه أصل كلّ شي‌ء من القضبان و البذور و الحب و النوي، فلمّا هبط بسلام، أخذ القضبان التي كانت معه فغرسها، فنبتت و ربت و أورقت و أثمرت من ساعتها،

و إنّ اللّه تعالي قد فضّل أئمتنا عليهم السلام بمثل ذلك و هو:

۱۲۶) ما روي أبو هارون العبدي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام إذ دخل عليه رجل و قال: بما تفتخرون علينا ولد عبد المطلب.

و كان بين يديه طبق فيه رطب، فأخذ عليه السلام رطبة ففلقها و استخرج نواها، ثمّ غرسها في الأرض و تفل عليها، فخرجت من ساعتها، و ربت حتّي أدركت و حملت، و اجتني منها رطبا، فقدّم إليه في طبق، و أخذ واحدة ففلقها فأكل، و إذا علي نواها مكتوب: لا إله إلا اللّه، محمّد رسول اللّه، أهل بيت رسول اللّه صلي الله عليه و آله خزّان اللّه في أرضه.

ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «أ تقدرون علي مثل هذا؟!».

قال الرجل: و اللّه لقد دخلت عليك و ما علي بسيط الأرض أحد أبغض عليّ منك و قد خرجت و ما علي بسيط الأرض أحد أحبّ إليّ منك.

و أما الناقة، و ما أظهر اللّه سبحانه و تعالي بها من الآية، فقد آتي ربّنا تبارك و تعالي أهل البيت عليهم السلام ما يقارب ذلك و يدانيه، و يجانسه و يحاكيه. و هو:

۱۲۷) ما حدثنا به شيخي أبو جعفر محمّد بن الحسين بن جعفر الشوهاني رحمه اللّه في داره بمشهد الرضا عليه السلام، بإسناده يرفعه إلي عطاء، عن ابن عبّاس رضي اللّه عنه، قال: قدم أبو الصمصام العبسيّ علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و أناخ ناقته علي باب المسجد، و دخل و سلّم و أحسن التسليم، ثمّ قال: أيّكم الفتي الغوي الذي يزعم أنه نبيّ؟

فوثب إليه سلمان الفارسيّ رضي اللّه عنه، فقال: يا أخا العرب، أ ما تري صاحب الوجه الأقمر، و الجبين الأزهر، و الحوض و الشفاعة، و القرآن و القبلة، و التاج و اللواء، و الجمعة و الجماعة، و التواضع و السكينة، و المسكنة و الإجابة، و السيف و القضيب، و التكبير و التهليل، و الاقسام و القضية، و الأحكام الحنيفة، و النور و الشرف، و العلو و الرفعة، و السخاء، و الشجاعة، و النجدة، و الصلاة المفروضة، و الزكاة المكتوبة، و الحج، و الإحرام، و زمزم، و المقام، و المشعر الحرام، و اليوم المشهود، و المقام المحمود، و الحوض المورود، و الشفاعة الكبري، ذلك سيّدنا و مولانا محمّد رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

فقال الأعرابي: إن كنت نبيّا فقل متي تقوم الساعة؟ و متي يجي‌ء المطر؟ و أي شي‌ء في بطن ناقتي هذه؟ و أي شي‌ء أكتسب غدا؟ و متي أموت؟

فبقي النبيّ صلي الله عليه و آله ساكتا لا ينطق بشي‌ء، فهبط الأمين جبرئيل عليه السلام و قال: يا محمّد، اقرأ هذه الآية. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

قال الأعرابي: مدّ يدك فإني أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أقر أنّك محمد رسول اللّه، فأي شي‌ء لي عندك إن أتيتك بأهلي و بني عمّي مسلمين؟

فقال له النبيّ صلي الله عليه و آله: «لك عندي ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن و نقط الحجاز».

ثمّ التفت النبي صلي الله عليه و آله إلي علي بن أبي طالب عليه السلام و قال: «اكتب يا أبا الحسن:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، أقرّ محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف، و أشهد علي نفسه في صحة عقله و بدنه، و جواز أمره، أنّ لأبي الصمصام العبسيّ عليه، و عنده، و في ذمّته ثمانين ناقة، حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن و نقط الحجاز، و أشهد عليه جميع أصحابه».

و خرج أبو الصمصام إلي أهله فقبض النبيّ صلي الله عليه و آله، فقدم أبو الصمصام و قد أسلم بنو العبس كلّهم، فقال أبو الصمصام: يا قوم، ما فعل رسول اللّه صلي الله عليه و آله؟ قالوا: قبض.

قال: فمن الوصيّ بعده؟ قالوا: ما خلّف فينا أحدا.

قال: فمن الخليفة من بعده؟ قالوا: أبو بكر.

فدخل أبو الصمصام المسجد فقال: يا خليفة رسول اللّه، إنّ لي علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله ثمانين ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن و نقط الحجاز.

فقال أبو بكر: يا أخا العرب، سألت ما فوق العقل، و اللّه ما خلّف فينا رسول اللّه صلي الله عليه و آله لا صفراء و لا بيضاء، و خلّف فينا بغلته الدلدل، و درعه الفاضلة، فأخذها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، و خلّف فينا فدكا (فأخذناها نحن)، و نبيّنا محمّد لا يورث فصاح سلمان الفارسيّ رضي اللّه عنه: كردي و نكردي و حق أمير ببردي يا أبا بكر باز گذار اين كار بكسي كه حق اوست. فقال: ردّ العمل إلي أهله. ثمّ ضرب يده علي يدي أبي الصمصام، فأقامه إلي منزل عليّ عليه السلام- و هو يتوضأ وضوء الصلاة- فقرع سلمان الباب، فنادي عليّ عليه السلام: «ادخل أنت و أبو الصمصام العبسي».

فقال أبو الصمصام: أعجوبة و ربّ الكعبة، من هذا الذي سمّاني باسمي و لم يعرفني؟!

فقال سلمان رضي اللّه عنه: هذا وصيّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

هذا الذي قال له رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب».

هذا الذي قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «عليّ خير البشر فمن رضي فقد شكر، و من أبي فقد كفر».

هذا الذي قال اللّه تعالي فيه: وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا

هذا الذي قال اللّه تعالي فيه: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ عند اللّه.

هذا الذي قال اللّه تعالي فيه: أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ.

هذا الذي قال اللّه تعالي فيه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية.

هذا الذي قال اللّه تعالي فيه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الآية.

هذا الذي قال اللّه تعالي فيه: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ.

هذا الذي قال اللّه فيه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

هذا الذي قال اللّه تعالي فيه: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

ادخل يا أبا الصمصام و سلم عليه، فدخل و سلّم عليه ثمّ قال: إنّ لي علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله ثمانين ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن و نقط الحجاز.

فقال عليّ عليه السلام: «أ معك حجّة؟» قال: نعم، و دفع الوثيقة إليه.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «يا سلمان ناد في الناس، ألا من أراد أن ينظر إلي قضاء دين رسول اللّه صلي الله عليه و آله فليخرج غدا إلي خارج المدينة».

فلمّا كان بالغداة خرج الناس و قال المنافقون: كيف يقضي الدين و ليس معه شي‌ء؟! غدا يفتضح، و من أين له ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها طرائف اليمن و نقط الحجاز؟!

فلمّا كان الغد اجتمع الناس، و خرج عليّ عليه السلام في أهله و محبّيه، و جماعة من أصحاب رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و أسرّ إلي ابنه الحسن سرّا لم يدر أحد ما هو، ثمّ قال: «يا أبا الصمصام امض مع ابني الحسن إلي كثيب الرمل».

فخرج الحسن عليه السلام و مضي معه أبو الصمصام، و صلّي ركعتين علي الكثيب، فكلّم الأرض بكلمات، لا يدري ما هي، و ضرب الأرض- أي ضرب الكثيب- بقضيب رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فانفجر الكثيب عن صخرة ململمة، مكتوب عليها سطران من نور:

السطر الأوّل (بسم اللّه الرحمن الرحيم، لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه).

و علي الآخر: (لا إله إلّا اللّه، عليّ ولي اللّه).

و ضرب الحسن تلك الصخرة بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة، قال الحسن عليه السلام: «قد يا أبا الصمصام» فقاد فخرج منها ثمانون ناقة، حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن و نقط الحجاز، و رجع إلي عليّ عليه السلام فقال له: «استوفيت حقك يا أبا الصمصام؟!» فقال نعم.

قال: «سلم الوثيقة» فسلّمها إليه، فخرقها.

ثمّ قال: «هكذا أخبرني أخي و ابن عمّي صلي الله عليه و آله، إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق هذه النوق في هذه الصخرة، قبل أن يخلق اللّه ناقة صالح بألفي عام».

ثمّ قال المنافقون: هذا من سحر عليّ قليل.

و روي هذا الخبر علي وجه آخر، و هو:

۱۲۸) ما روي أبو محمّد الإدريسي، عن حمزة بن داود الديلمي، عن يعقوب بن يزيد الأنباري، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حبيب الأحول، عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبّاس رضي اللّه عنه، قال: لمّا قبض النبيّ صلي الله عليه و آله، و جلس أبو بكر مكانه، نادي في الناس: ألا من كان له علي رسول اللّه دين، أو عدة، فليأت أبا بكر، و ليأت معه بشاهدين، و نادي عليّ عليه السلام بذلك علي الاطلاق من غير طلب شاهدين.

فجاء أعرابي متلثما متقلدا بسيفه، متنكبا كنانته و فرسه، لا يري منه إلّا حافره- و ساق الحديث و لم يذكر الاسم و لا القبيلة- و كان ما وعد به مائة ناقة، حمر بأزمّتها و أثقالها، موقرة ذهبا و فضة بعبيدها، فلمّا ذهب سلمان رضي اللّه عنه بالأعرابي إلي أمير المؤمنين عليه السلام، قال له حين بصر به: «مرحبا بطالب عدة والده من رسول اللّه صلي الله عليه و آله».

فقال: ما وعد أبي فداك أبي و أمي يا أبا الحسن؟ فقال: «إنّ أباك قدم علي رسول اللّه و قال: أنا رجل مطاع في قومي، إن دعوتهم إلي الإسلام أجابوني، و إني ضعيف الحال، فما تجعل لي إن دعوتهم إلي الإسلام فأسلموا؟

فقال صلي الله عليه و آله: «من أمر الدنيا، أم من أمر الآخرة؟» قال: و ما عليك أن تجمعهما لي يا رسول اللّه، و قد جمعهما اللّه لأناس كثيرة؟!

فتبسّم النبيّ صلي الله عليه و آله و قال: أجمع لك خير الدنيا و الآخرة، فأمّا في الآخرة فأنت رفيقي في الجنّة، و أمّا في الدنيا فقل ما تريد.

قال: مائة ناقة حمر بأزمّتها و عبيدها، موقرة ذهبا و فضة.

ثمّ قال: و إن دعوتهم فأجابوني، و قضي عليّ الموت، و لم ألقك فتدفع ذلك إلي ولدي، فقال: نعم. فقال أبوك: فإن أتيتك و قد رفعك اللّه و لم أدركك، يكون من بعدك من يقوم عنك فيدفع ذلك إليّ أو إلي ولدي؟

قال: نعم، علي أن لا أراك و لا تراني في دار الدنيا بعد يومي هذا، و سيجيبك قومك فإذا حضرتك الوفاة فليصر ولدك إلي وليّي من بعدي و وصيّي». و قد مضي أبوك و دعا قومه فأجابوه، و أمرك بالمصير إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، أو إلي وصيّه فها أنا وصيّه، و منجز وعده». فقال الأعرابي: صدقت يا أبا الحسن.

ثم كتب له عليّ خرقة بيضاء و ناولها الحسن عليه السلام و قال: «يا أبا محمّد، سر بهذا الرجل إلي وادي العقيق، و سلّم علي أهله، و اقذف الخرقة، و انتظر ساعة حتّي تري ما يفعل، فإن دفع إليك شي‌ء، فادفعه إلي الرجل». و مضيا بالكتاب.

قال ابن عبّاس رضي اللّه عنه: فسرت من حيث لم يرني، فلمّا أشرف الحسن بن عليّ عليه السلام علي الوادي، نادي بأعلي صوته:

«السلام عليكم أيها السكّان البررة الأتقياء، أنا ابن وصيّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله، أنا الحسن بن عليّ سبط رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و ابن وصيّه و رسوله إليكم». و قد قذف الخرقة في الوادي، فسمعت من ذلك الوادي صوتا: لبيك لبيك يا سبط رسول اللّه و ابن البتول، و ابن سيّد الأوصياء، سمعنا و أطعنا، انتظر لندفع إليك. فبينا أنا كذلك إذ ظهر غلام- و لم أدر من أين ظهر- و بيده زمام ناقة حمراء، تتبعها ست، و لم يزل يخرج غلام بعد غلام في يد كلّ غلام قطار، حتّي عددت مائة ناقة حمراء بأزمّتها و أحمالها، فقال الحسن عليه السلام: «خذ بزمام نوقك و عبيدك و مالك و امض بها، رحمك اللّه».

و أما السفينة التي قدّرها اللّه تبارك و تعالي لنوح عليه السلام سببا لنجاة أهله من الماء، فإنّ اللّه سبحانه و تعالي جعل أهل بيت نبيّه صلي الله عليه و آله سفينة لنجاة أمّته من النار فقال صلي الله عليه و آله: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، فمن ركبها نجا، و من تخلّف عنها هلك».

فبيّن صلي الله عليه و آله أن بهم نجاة أمّته كما أنّ بها نجاة قوم نوح عليه السلام من الغرق، و هذا دليل قاطع علي أنّ الواجب اتباعهم و الاقتداء بهم، لأنّ من آمن به و اتبعه نجا، و من لم يؤمن به و لم يركب السفينة هلك، و لمّا جعل نفس أهل بيته السفينة، و أمرهم بركوبها، دلّ علي أنّهم المقتدي بهم، و هذا واضح بحمد اللّه تعالي و لطفه و منه.

في ذكر إبراهيم خليل الله و فيه: سبعة أحاديث

و أمّا إبراهيم خليل اللّه صلوات اللّه عليه فإنّ اللّه تعالي ذكر له آيتين في القرآن: إحداهما قوله تعالي: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلي إِبْراهِيمَ. وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ.

و الثانية قوله تعالي: وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلي كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. و السبب في همّ نمرود بإحراقه، أنّه لمّا خرج القوم إلي عيدهم، دخل إبراهيم عليه السلام إلي آلهتهم بقدوم، فأخذها و كسرها إلّا كبيرها، ثمّ وضع القدوم علي عنقه، فلمّا رأي نمرود ذلك أجّج له نارا عظيمة، و ألقاه بالمنجنيق فيها، فوقاه اللّه حرّ النار، و جعلها عليه بردا و سلاما.

و السبب في طلب إبراهيم عليه السلام إحياء الموتي من اللّه تعالي، أنّه لمّا حاجّ نمرود في ربّه تعالي، قال إبراهيم: ربي الذي يحيي و يميت، قال: أنا أحيي و أميت و موّه علي الأغبياء، و دلّس علي الضعفاء بإطلاق من أراد قتله من السجن، و قتل من برئ من عرض الناس، فلمّا بهت لقوله تعالي: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ طالبه نمرود بإحياء الموتي، فأخذ أربعة من الطير، و قطّعهن، و خلط أجزاءهن، و فرّقها علي جبال، و دعاهنّ، و قد أخذ بيده رءوسهن، فأتينه سعيا.

و قد أعطي اللّه سبحانه و تعالي لأئمتنا عليهم السلام مثل ذلك، و هو أنّه لمّا أمر الدوانيقي الحسن بن زيد- و هو واليه علي المدينة- بإحراق دار أبي عبد اللّه عليه السلام بأهلها فأضرم فيها النار و قويت، خرج عليه السلام من البيت و دخل النار، و وقف ساعة في معظمها، ثمّ خرج منها و قال: «أنا ابن أعراق الثري» و عرق الثري لقب إبراهيم عليه السلام.

۱۲۹) و مثل ذلك ما رواه المفضّل، قال: لمّا توفي جعفر الصادق عليه السلام، فادعي الإمامة عبد اللّه بن جعفر ولده، فأمر موسي عليه السلام بجمع حطب كثير في وسط داره، و أرسل إلي عبد اللّه يسأله المصير إليه، فلمّا صار إليه، و مع موسي عليه السلام جماعة من وجوه الإمامية، أمر موسي أن يجعل النار في الحطب، حتّي صار كلّه جمرا، ثمّ قام موسي عليه السلام، و جلس بثيابه في وسط النار، و أقبل نحو القوم ساعة، ثمّ قام و نفض ثوبه، و رجع إلي المجالس.

فقال لأخيه عبد اللّه: «أنت تزعم أنّك الإمام بعد أبيك، فاجلس في ذلك. قالوا: فرأينا عبد اللّه قد تغيّر لونه، فقام يجرّ رداءه، حتّي خرج من دار موسي عليه السلام.

و ما يقارب ذلك و يدانيه.

۱۳۰) ما حدّث به عبد اللّه بن العلاء، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، عن أبيه، قال: «كنت مع أبي عليّ بن الحسين عليهما السلام نعود شيخا من الأنصار، إذ أتاه آت فقال: الحق دارك فقد احترقت.

فقال عليه السلام: و اللّه ما احترقت. فذهب، و لم يلبث أن عاد، و قال: و اللّه قد احترقت. فقال عليه السلام: و اللّه، ما احترقت. و عاد و معه جماعة من أهلنا و موالينا، يبكون و يقولون لأبي صلوات اللّه عليه: قد احترقت دارك.

فقال أبي: كلا، و اللّه، ما احترقت و لا كذبت و لا كذّبت، و إنّ لأوثق بما في يدي منكم، لما أخبر به أعينكم.

و قام أبي، و قمت معه حتّي أتينا و النار تتوقد عن أيمان منازلنا و عن شمائلها، و كلّ جانب منها، ثمّ عدل أبي إلي المسجد فخرّ للّه ساجدا، و قال في سجوده: و عزتك و جلالك لا أرفع رأسي حتّي تطفيها».

فقال: «و اللّه، ما رفع رأسه حتّي خمدت النار، و صار إلي داره و قد احترق ما حولها».

و أما إحياء الموتي، و هو:

۱۳۱) ما رواه يونس بن ظبيان قال: كنّا عند أبي عبد اللّه عليه السلام أنا، و المفضّل بن عمر، و أبو سلمة السرّاج، و الحسن بن ثوير بن أبي فاختة، فسألنا أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول إبراهيم صلوات اللّه عليه: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتي- إلي قوله- فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ.

فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «أ تريدون أن أريكم ما أري إبراهيم عليه السلام؟». قلنا: نعم.

فقال: «يا طاوس، يا باز، يا غراب، يا ديك»، فإذا نحن بطاوس و باز و غراب و ديك، فقطّعهن، و فرّق لحمهن علي الجبال، ثمّ دعاهن فإذا العظام تتطاير بعضها إلي بعض، و اللحم إلي اللحم، و العصب إلي العصب، حتّي عادت كما كانت بإذن اللّه تعالي.

فقال: أبو عبد اللّه عليه السلام: «قد أريتكم ما أري إبراهيم قومه، و قد أعطينا من الكرامة ما أعطي إبراهيم عليه السلام».

و هذه كما علمت شاكلة لتلك، و معادلة لها، و في القرآن آية أخري لخليل اللّه إبراهيم عليه السلام، و هي ما ردّ اللّه علي سارة زوجته الشباب بعد الشيبة، و جعلها ولودا بعد العقم و اليأس، كما قال اللّه تعالي: وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ. قالَتْ يا وَيْلَتي أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْ‌ءٌ عَجِيبٌ و قد أظهر اللّه علي يد زين العابدين عليه السلام ما يماثل ذلك.

۱۳۲) و هو ما روي عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن حبابة الوالبية، قالت: رأيت أمير المؤمنين عليّا عليه السلام في شرطة الخميس، و معه درّة لها سبابتان، يضرب بها بياع الجري، و المارماهي، و الزمار، و يقول لهم: «يا بياعي مسوخ بني إسرائيل، و جند بني مروان، فقام إليه ابن الأحنف فقال له: يا أمير المؤمنين و ما جند بني مروان؟ فقال: «أقوام حلقوا اللحي و تركوا الشوارب».

فلم أر ناطقا أحسن نطقا منه، ثمّ اتّبعته، فلم أزل أقفو أثره، حتّي قعد في رحبة المسجد، فقلت له: يا أمير المؤمنين، و ما دلالة الإمامة؟ قال: «ائتيني بتلك الحصاة»،- و أشار بيده إلي حصاة-، فأتيته بها، فطبع لي بخاتمه فيها، ثمّ قال لي: «يا حبابة إذا ادّعي مدع الإمامة (فقدر أن يطبع) كما رأيت، فاعلمي أنه إمام مفترض الطاعة، و الإمام لا يعزب عنه شي‌ء يريده».

قالت: ثمّ انصرفت حتّي قبض أمير المؤمنين عليه السلام، فجئت إلي الحسن، و هو في مجلس أمير المؤمنين عليه السلام، و الناس يسألونه فقال لي: «يا حبابة الوالبية» قلت: نعم لبيك يا مولاي.

فقال: «أين ما معك». فأعطيته الحصاة، فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام.

قالت الوالبية: ثمّ أتيت الحسين عليه السلام، و هو في مسجد رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقرّب و رحّب، ثمّ قال: «إنّ لي في الدلالة دليلا علي ما تريدين، أ فتريدين مني دلالة الإمامة؟» فقلت: نعم.

فقال: «هاتي ما معك». فناولته الحصاة، فطبع لي فيها.

قالت ثمّ أتيت عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام، و قد بلغني الكبر إلي أن عييت، و أنا أعدّ يومئذ مائة و ثلاث عشرة سنة، فرأيته راكعا و ساجدا مشغولا بالعبادة، فيئست من الدلالة فأومي إلي بالسبابة، و عاد إلي شبابي.

قالت: فقلت: يا سيّدي كم مضي من الدنيا و كم بقي؟

فقال: «أمّا ما مضي، فنعم، و أما ما بقي، فلا».

ثم قال: «هاتي ما معك»، فأعطيته الحصاة، فطبع لي فيها.

ثمّ أتيت أبا جعفر عليه السلام، فطبع لي فيها.

ثمّ أتيت أبا عبد اللّه جعفرا الصادق عليه السلام فطبع لي فيها.

ثمّ أتيت أبا الحسن موسي عليه السلام فطبع لي فيها.

ثمّ أتيت الرضا عليه السلام فطبع لي فيها.

و عاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر علي ما ذكر محمّد بن هشام.

و لخليل اللّه إبراهيم عليه السلام قصة أخري في القرآن، و هي قوله تعالي: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.

۱۳۳) فروي عمران، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «كشط له عن السموات حتّي نظر إلي العرش و الكرسي و السموات و الأرض».

و قد أعطي اللّه تبارك و تعالي أمير المؤمنين عليه السلام ما يحاكي ذلك.

۱۳۴) و هو ما روي عن الطاهرين عليهم السلام في تفسير قوله تعالي: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْني أنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله لمّا عرج به إلي السماء، رفع اللّه تعالي الحجاب بينه و بين علي، حتّي نظر إلي حيث وضع صلي الله عليه و آله قدمه. و بيان ذلك.

۱۳۵) ما حدّث المعلي بن هلال عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس رضي اللّه عنه أنه، قال: سمعت رسول اللّه صلي الله عليه و آله يقول: «أعطاني اللّه تعالي خمسا، و أعطي عليّا خمسا.

أعطاني جوامع الكلم، و أعطي عليّا جوامع العلم، و جعلني نبيّا، و جعله وصيّا، و أعطاني الكوثر و أعطاه السلسبيل، و أعطاني الوحي، و أعطاه الإلهام، و أسري بي إلي السماء، و فتح له أبواب السماوات و الحجب حتّي نظر إلي و نظرت إليه».

قال: ثمّ بكي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقلت له: ما يبكيك، فداك أبي و أمي؟ قال: «يا ابن عبّاس إنّ أوّل ما كلمني به ربّي، أن قال لي: يا محمّد انظر تحتك، فنظرت إلي الحجب قد انخرقت، و إلي أبواب السماء قد فتحت، و نظرت إلي عليّ و هو رافع رأسه إلي السماء، فكلمني و كلمته».

فقلت: يا رسول اللّه، حدّثني بما كلمك به ربّك.

قال: قال لي: يا محمّد قد جعلت عليّا وصيّك و وزيرك و خليفتك من بعدك، فاعلمه، فها هو يسمع كلامك. فأعلمته، و أنا بين يدي ربّي عزّ و جلّ، فقال لي: قد قبلت.

فأمر اللّه تعالي الملائكة أن يسلموا عليه ففعلت، فردّ عليهم السلام، فرأيت الملائكة يتباشرون، فما مررت بملإ من الملائكة إلّا و هم يهنئوني، و يقولون: يا محمّد و الذي بعثك بالحقّ نبيّا، لقد دخل السرور علي جميع الملائكة.

و رأيت حملة العرش قد نكسوا رءوسهم فقلت: يا جبرائيل، لم نكسوا رءوسهم؟ فقال: يا محمّد ما من ملك من الملائكة إلّا و قد نظر إلي عليّ ما خلا حملة العرش، فإنّهم استأذنوا اللّه عزّ و جلّ في هذه الساعة أن ينظروا إلي علي، فأذن لهم.

فلمّا هبط جعلت أعلمه بذلك، و هو يخبرني به، فعلمت أنّي لم أطأ موطئا إلّا و قد كشف لعليّ عنه، حتّي نظر إليه، لمّا رأيت من علمه به».

قال ابن عباس: قلت: يا رسول اللّه، أوصني قال: «عليك بحبّ عليّ بن أبي طالب».

قال: قلت: يا رسول اللّه، أوصني. قال: «عليك بحبّ علي».

ثم قلت: يا رسول اللّه، أوصني. قال: «يا ابن عبّاس، و الّذي بعثني بالحقّ نبيّا، لا يقبل اللّه من عبد حسنة حتّي يسأله عن حبّ عليّ ابن أبي طالب، و هو أعلم بذلك، فإن كان من أهل ولايته قبل عمله و يؤمر به إلي الجنّة، و إن لم يكن في أهل ولايته، لم يسأله عن شي‌ء، و يؤمر به إلي النار، و إنّ النار لأشد غيظا علي مبغض عليّ منها علي من زعم أنّ للّه ولد.

يا ابن عباس لو أنّ الملائكة المقربين، و الأنبياء و المرسلين، أجمعوا علي بغضه لعذّبهم اللّه بالنار، و ما كانوا ليفعلوا ذلك».

قلت: يا رسول اللّه، و كيف يبغضونه؟ قال: «يا ابن عبّاس، قوم يذكرون أنّهم من أمّتي، و لم يجعل اللّه لهم في الإسلام نصيبا، يفضّلون عليه غيره، و الذي بعثني بالحقّ، ما بعث اللّه نبيّا أكرم عليه منّي، و لا وصيّا أكرم عليه من عليّ وصيّي».

قال ابن عبّاس رضي اللّه عنه: فلم أزل له كما أمرني رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و إنّه لأكبر عملي.

فلمّا حضر رسول اللّه صلي الله عليه و آله الوفاة قلت له: فداك أبي و أمّي يا رسول اللّه ما تأمرني به قال: «يا ابن عبّاس، خالف من خالف عليّا، و لا تكونن لهم ظهيرا و لا وليا».

قلت: يا رسول اللّه، فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته؟

قال: فبكي حتّي أغمي عليه، ثمّ أفاق.

فقال: «يا ابن عبّاس سبق فيهم علم ربّي و لا يخرج اللّه أحدا من الدنيا ممّن خالفه، و أنكر حقّه، حتّي يغيّر خلقته.

يا ابن عبّاس إذا أردت أن تلقي اللّه و هو عنك راض، فاسلك طريقه، و مل حيث مال، و ارض به إماما، و عاد من عاداه، و وال من والاه، و لا يدخلنك فيه شك، فإن اليسير من الشك كفر باللّه تعالي».

في بيان آيات إسماعيل ممّا ذكره الله تعالي في القرآن و فيه: حديثان

إنّ اللّه سبحانه و تعالي ذكر لإسماعيل عليه السلام في القرآن آية واحدة، و فضيلة رائقة في حال كونه طفلا فالآية.

۱۳۶) ما ذكر المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال: «لمّا وضعه إبراهيم بأرض مكّة، و معه أمّه هاجر، و نفد ماؤهما، و خرجت هاجر، فصعدت علي الصفا، ثمّ أقبلت راجعة إلي إسماعيل عليه السلام، فإذا عقبه يفحص في الماء، فجمعته، و لو تركته لساح».

و في الحديث طول، و قد جعل اللّه ما يوافق ذلك للرضا عليّ بن موسي عليهما السلام.

۱۳۷) و هو ما حدّث به أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي الفقيه، قال: لمّا خرج عليّ بن موسي الرضا عليه السلام من نيسابور يريد المأمون، فبلغ قرب القرية الحمراء قيل له: يا ابن رسول اللّه قد زالت الشمس أو لا تصلي؟ فنزل و قال: «ائتوني بماء» فقيل له: ما معنا ماء.

فبحث عليه السلام الأرض بيده فنبع من الأرض الماء فأخذ ما توضّأ به هو و من معه.

و الماء باق إلي يومنا هذا، و يقال للمنبع «عين الرضا»، و إنّ إنسانا حفر المنبع ليجري الماء، و يتخذ عليه مزرعة، فذهب الماء و انقطع مدّة، ثمّ أهيل التراب فيه، فعاد الماء، و الموضع مشهور.

و أما فضيلة إسماعيل عليه السلام، فهو ما نبّه عليه اللّه تعالي من قوة يقينه، و تسليمه لأمر اللّه تعالي، و الانقياد لحكمه، و الصبر علي ما ابتلاه به من الذبح، و عظيم المحنة، و شديد البلوي، كما قال اللّه تعالي: إِنِّي أَري فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَري قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.

و قد وقع لعليّ عليه السلام مثل ذلك، حين أمر اللّه تبارك و تعالي نبيّه صلي الله عليه و آله بالخروج من مسقط رأسه، مهاجرا إلي المدينة، إذ لم يبق بها ناصر، و قد تألب المشركون عليه و اجتمعوا، و صارت كلمتهم واحدة علي ذلك، و أمره اللّه تعالي أن يلتمس من ينام مكانه، و يقوم مقامه، و يعرض للأعداء نحره، و للبلاء صدره، ليدفع به عن نفسه مضرّة البوار، و معرّة الكفار، فذكر صلي الله عليه و آله ذلك لعليّ عليه السلام، فهشّ إليه، و ما تلكأ، و أسرع إلي الامتثال، و تلقي بالقبول و الإقبال عليه، و نام علي الفراش غير مكترث، و تعرض للأعداء و القتل غير محتفل، و قد أنزل اللّه تبارك و تعالي في شأنه: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.

في ذكر آيات يوسف و فيه: حديثان

إنّ اللّه سبحانه و تعالي قد ذكر للصديق يوسف عليه السلام في القرآن آية واحدة، و هي قوله تعالي: قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

و سبب ذلك أنّ العزيز لمّا دخل داره، و قد راودت امرأته يوسف عليه السلام عن نفسه، و لم يجبها إلي ما التمست، و قد تعلّقت به:

قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ

و قال يوسف: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي.

و كان هناك مهد فيه طفل رضيع، فسأله يوسف عليه السلام، فشهد له بما ذكره اللّه تعالي في كتابه.

و قد أعطي اللّه تعالي عليّ بن الحسين عليه السلام ما يزيد علي ذلك:

۱۳۸) و هو ما روي عمّار الساباطي، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام أنّه قال: «لمّا قتل الحسين بن عليّ عليهما السلام، و أقبل محمّد بن الحنفية إلي عليّ بن الحسين بن عليّ عليهم السلام و قال له: ما الذي فضّلك علي، و أنا أكثر رواية، و أسن منك؟

قال: كفي باللّه شهيدا يا عمّ.

قال له محمّد بن الحنفية: أحلت علي غائب.

قال: و كان في دار عليّ بن الحسين عليهما السلام شاة حلوب فقال: «اللهم انطقها، اللهمّ انطقها».

فقالت الشاة: يا عليّ بن الحسين إنّ اللّه استودعك علمه و وحيه، فأمر سودة الخادمة تتخذ لي العلف.

قال: فصفق محمّد بن الحنفية علي وجهه، ثمّ قال: أدركني أدركني يا ابن أخي، ثمّ ضرب بيده علي كتفه فقال: اهتد هداك اللّه».

و قد ذكر اللّه سبحانه و تعالي ليوسف عليه السلام آية أخري في كتابه بقوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فلمّا ألقوه في غيابت الجبّ، وقّاه اللّه تعالي سوء صنيعهم، و حفظه من الردي، و جنبه الأذي، بحيث لم ينله ألم، و لم تزل به قدم، و لم يصبه نصب، و لم ينبه وصب و قد أكرم اللّه تعالي الباقر عليه السلام بما يوازي ذلك و يضاهيه:

۱۳۹) علي ما رواه الموليني في تصنيفه في (سير الأئمة) بإسناده أنّ الباقر عليه السلام كان صبيّا، فجاء إلي رأس بئر في داره، فوقع فيها، فأحسّت به أمّه، فصاحت، و أخبرت أباه زين العابدين عليه السلام و هو يصلّي، فلم يقطع الصلاة، و لم يخففها، و لم يضطرب في صلاته، فرجعت عنه إلي رأس البئر، و طفقت تبكي و تنظر في البئر، و تتردد ذاهبة إلي أبيه و جائية إلي البئر، إلي أن تمكّن منها الحزن، و غلب عليها الضعف، فقالت: ما أغلظ أكبادكم يا معشر بني هاشم، فلمّا سمع ذلك زين العابدين عليه السلام، أتمّ صلاته، و جاء إلي رأس البئر، و أدخل يده فيها، و تناوله و أخرجه، و قال: «خذيه يا ضعيفة اليقين»، فلمّا نظرت إليه استبشرت، و ضحكت سرورا به، ثمّ بكت من قوله عليه السلام: «يا ضعيفة اليقين».

و في ذلك آية أخري لزين العابدين عليه السلام، إذ أخرجه من البئر العميقة من غير حبل و رشاء.

في ذكر آيات أيوب

إنّ اللّه سبحانه و تعالي لمّا ابتلي أيوب عليه السلام بما ابتلاه في نفسه و أهله و ماله و ولده، فصبر عليه، و سلّم لأمر ربّه تعالي، و أثابه علي ذلك، و عوّضه من جميع ذلك، و ردّ عليه أهله و ماله و مثلهم معهم، فلمّا استكمل أيّام محنته، صابرا علي بليته نادي رَبَّهُ و قال: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ فقال تعالي: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ و ركض برجله الأرض، و ظهرت له منها عين ماء فاغتسل منها، و شرب و ذهب عنه ما كان يجده من الوجع، و رجع إليه شبابه، و اتاه أهله، و مثلهم معهم، رحمة من ربّه عزّ و جلّ.

و إنّ أئمتنا عليهم السلام قد صبروا علي أذيّة كلّ جبّار عنيد، و شيطان مريد، و علي كلّ محنة قد طار شررها، و شديدة قد استطار ضررها، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللّه، و ما ضعفوا و ما استكانوا، و جعل اللّه لهم ما هو أزيد من ذلك و أوكد رحمة منه.

و إنّ الحسين عليه السلام لمّا قتل في سبيل اللّه و صبر عليه، و لم يبق منه غير زين العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام، فبارك اللّه عليه، و أخرج من صلبه الأئمة الهداة، و جعلهم حججا علي بريّته و قادة الحق إلي جنّته، و جعلهم نجوما زاهرة يهتدي بهم في ظلمات الشبهات، إلي محجة الدين، و جادة اليقين، كلّما غاب منهم نجم طلع آخر مكانه و زيّن به زمانه، لا ينقطع ضياؤه و لا يخمد بهاؤه، ما بقي من الدنيا أثر، ثمّ قد طبّق الأرض من ولده بكلّ سيّد شريف، و حلاحل

غطريف، قد بلغ السماء قدرا، و حاز من مجلس الشرف صدرا.

و أمّا رجوع الشباب إليه فقد أعطي زين العابدين عليه السلام ما هو أفضل من ذلك، و هو ما أوردناه في هذا الكتاب، من نظره إلي حبابة الوالبية بعد ما كبرت و شاخت، فرجع إليها الشباب في الحال، و عاشت مدة مديدة.

و أمّا ما نبع من العين و فار منها من الماء، و رجوع صحته إليه.

فقد أوردنا في هذا الكتاب ما يزيد علي ذلك من آياتهم عليهم السلام، من خروج الماء من الحجر، و من إشارتهم إلي المريض حتّي ذهب عنه المرض و رجع إليه الصحّة، علي ما سنفصّل ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالي.

في بيان آيات كليم الله موسي و فيه: ثلاثة عشر حديثا

أوّل آية قد أظهرها اللّه لموسي عليه السلام، أنّه خلق في بطن أمّه بحيث لم يعرف أحد بأنّها حامل، و ستر عن جميع الخلق، حفظا له عليه السلام، لأنّ فرعون كان يطلبه، و يشق في طلبه بطون الحبالي، لمّا قيل له أنّ زوال ملكه يكون علي يد مولود يكون من شأنه كذا و كذا، فصنع اللّه تعالي له عليه السلام بذلك ما خفي علي الناس أمره.

و قد فعل اللّه تبارك و تعالي ما يضاهي ذلك لمولانا صاحب الزمان صلوات اللّه عليه، حين طلب بنو العبّاس أثره، و راقبوا أمر أبيه، لمّا سمعوا أن زوال ملكهم يكون علي يد ولد الحسين بن عليّ عليه السلام، فأخفي اللّه تعالي أمره، حتّي لم يعرف أهله بأن أمّه حامل، حتّي أن حكيمة عليها السلام قالت حين قال لها أبو محمّد عليه السلام: «الليلة يولد حجّة اللّه من نرجس» قالت: و ما نري بها أثر حبل؟! فقال: «سيظهر لك وقت الصبح».

ثمّ لمّا وضع صنع اللّه تعالي له ما يبهت العقول، حتّي خفي علي الناس أمره.

و أمّا موسي عليه السلام فقد أعطاه اللّه تبارك و تعالي آيات كثيرة من اليد البيضاء من غير سوء، و انقلاب العصا حيّة، و فلق البحر، و نتق الجبل فوق أمّته، و إنزال المنّ و السلوي عليه و علي أمّته في التيه، و انفجار الحجر بالماء، و ابتلاع الأرض لقارون بأمره، و إظلال الغمام علي رأسه و رأس أمّته.

و قد أعطي اللّه سبحانه و تعالي أئمتنا عليهم السلام ما يقارب جميع ذلك و يماثله و يدانيه و يشاكله.

فأما موسي عليه السلام فإنّه أخرج يده بيضاء من غير سوء، كما قال اللّه تعالي في غير موضع في كتابه منها: وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلي جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.

و قال: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.

و قد أعطي اللّه تعالي الرضا عليه السلام ما يزيد علي ذلك.

۱۴۰) و هو ما روي الحسن بن منصور، عن أخيه، قال: دخلت علي الرضا عليه السلام في بيت داخل جوف بيت، فرفع يديه و كان ليلا فكأنّ يده بها ضياء عشرة مصابيح، فاستأذن عليه رجل، فخلي يده ثمّ أذن له.

و أمّا انقلاب العصا حيّة، فقد أعطي اللّه تبارك و تعالي أئمتنا عليهم السلام ما هو أجلّ من ذلك و أفضل، و هو ما قد أوردناه في هذا الكتاب، في باب معجزة موسي عليه السلام من قلب الصورة علي الستر أسدا، حتّي ابتلع الساحر بقوة اللّه تعالي، بين يدي هارون.

و من قلب الصورتين أسدين علي المسند حتّي ابتلعا حميد بن مهران حاجب المأمون بين يديه، بأمر الرضا عليه السلام.

و من قلب الصورة علي المسورة أسدا بإذن اللّه تعالي، و ذلك بأمر أبي الحسن الثالث عليه السلام بين يدي المتوكل، حتّي ابتلع المشعبذ الهندي، و قد ذكرنا جميع ذلك في الكتاب.

۱۴۱) و روي أبو الصامت، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: أعطني شيئا أزداد به يقينا، و أنفي الشك من قلبي، قال لي: «هات ما معك» و كان في كمي مفتاح، فناولته، فإذا المفتاح أسد، ففزعت منه، ثمّ قال: «أنح وجهك عني» ففعلت، فعاد مفتاحا.

۱۴۲) و روي سلمان رضي اللّه عنه قال: كان بين رجل من شيعة عليّ و بين رجل آخر من شيعة غيره خلاف، فاختصما إلي ذلك الغير، فمال مع شيعته علي شيعة علي، فشكا إلي أمير المؤمنين عليه السلام صاحبه، فذهب عليه السلام و قال: «أ لم أنهك أن يكون بينك و بين شيعتي عمل».

قال سلمان: قال لي ذلك الغير: يا سلمان، فلمّا سمعت ذلك منه خفت من هيبته و شجاعته، و في يده قوس عربية فما شبّهته إلّا بموسي ابن عمران عليه السلام، و قوسه بعصاه، و فتح فاه ليبتلعني، حتّي قلت له: يا عليّ بحقّ أخيك رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلّا عفوت عني، فرده.

و أمّا انفلاق البحر لموسي عليه السلام فكما قال اللّه سبحانه و تعالي: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ و قد خرج موسي عليه السلام من مصر فاتّبعه فرعون بجنوده، فلمّا قارب البحر قال أصحاب موسي: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ فأمره تعالي أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فظهر اثنا عشر طريقا في البحر، فسلك كلّ سبط من بني إسرائيل طريقا.

و قد أظهر اللّه سبحانه و تعالي لأمير المؤمنين عليه السلام ما يداني ذلك.

۱۴۳) و هو: ما حدّث به أبو بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، أنّه قال: «مدّ الفرات عندكم علي عهد أمير المؤمنين عليه السلام، فأقبل إليه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن نخاف الغرق، لأنّ الفرات قد جاء بشي‌ء من الماء لم نر مثله قط، و قد امتلأت جنبتاه فاللّه اللّه.

فركب أمير المؤمنين عليه السلام، و الناس حوله يمينا و شمالا، حتّي انتهي إلي الفرات و هو يزجر بأمواجه، فوقف الناس ينظرون فتكلّم بكلام خفي عبراني ليس بعربي، ثمّ إنّه قرع الفرات قرعة واحدة، فنقص الفرات ذراعا، و أقبل الناس- و في رواية أخري فقال لهم-: «هل يكفيكم ذلك؟». فقالوا: زدنا يا أمير المؤمنين. فقرع قرعة أخري، فنقص ذراعا آخر، فقالوا: يكفينا، فقال عليه السلام: لو أردت لقرعته حتّي لا يبقي فيه شي‌ء من الماء».

و أمّا نتق الجبل، فإنّ قوم موسي عليه السلام لمّا استثقلوا أحكام التوراة و لم يعملوا بها، قلع اللّه سبحانه و تعالي جبلا من أصله، فرفعه في الهواء فوق رءوسهم، و قال لهم موسي عليه السلام: لئن لم تؤمنوا بالتوراة، و تعملوا بها، لسقط عليكم. كما قال اللّه تعالي: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

و قد أعطي اللّه تعالي لبعض أئمتنا عليهم السلام ما يقارب ذلك و يدانيه.

۱۴۴) و هو ما حدّث به عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: كنت مع أبي عبد اللّه عليه السلام بين مكّة و المدينة، و هو علي بغلة، و أنا علي حمار، و ليس معنا أحد، فقلت: يا سيّدي، ما يجب من عظّم حقّ الإمام؟ فقال: «يا عبد الرحمن، لو قال لهذا الجبل سر لسار» فنظرت و اللّه إلي الجبل يسير، فنظر و اللّه إليه فقال: «و اللّه، إنّي لم أعنك» فوقف.

و أمّا إنزال المنّ و السلوي عليه و علي أمّته في التيه، و هو أنّه لمّا بقي هو و أمّته في التيه أربعين سنة، و احتاجوا إلي القوت، أنزل اللّه تعالي كلّ غدوة عليهم المن و السلوي، كما قال اللّه تعالي: وَ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوي كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ.

فقد أعطي اللّه تبارك و تعالي الأئمة عليهم السلام ما يزيد عليه، و لم ينقص عنه، ممّا يشاكله و يدانيه.

۱۴۵) و هو ما حدّث به الثقات، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام، لمّا امتد مقامه بصفّين، شكوا إليه نفاد الزاد و العلف، بحيث لم يجد أحد من أصحابه شيئا يؤكل، فقال عليه السلام لهم: «غدا يصل إليكم ما يكفيكم» فلما أصبحوا تقاضوه صعد عليه السلام علي تل كان هناك و دعا بدعاء و سأل اللّه تعالي أن يطعمهم و يعلف دوابهم، ثمّ نزل فرجع إلي مكانه، فما استقر قراره، إلّا و قد أقبلت العير بعد العير، و عليها اللحمان و التمور و الدقيق، حتّي امتلأت به البراري، و فرّغ أصحاب الجمال جميع الأحمال من الأطعمة، و ما كان معهم من علف الدواب، و غيرها من الثياب، و جلال الدواب، و جميع ما يحتاجون إليه، ثمّ انصرفوا، و لم يدر من أي البقاع و ردوا، أو من الإنس كانوا أم من الجنّ، و تعجب الناس من ذلك.

۱۴۶) و روي بعض أصحابنا، و قال: حملت مالا لأبي عبد اللّه عليه السلام، فاستكثرته في نفسي، فلمّا أدخلته عليه، دعا الغلام، فإذا طشت في آخر الدار، فأمر أن يأتيه به، ثمّ تكلم بكلام أومي بها إلي الطشت، فانحدرت الدنانير من الطشت حتّي (حالت بيني) و بين الغلام، قال: فالتفت إليّ و قال: «أ ترانا نحتاج إلي ما في أيديكم؟! إنما آخذ منكم ما آخذ، لأطهّركم».

و أمّا انفجار الماء من الحجر، فهو أن موسي عليه السلام كان معه حجر يحمله معه حيث يذهب، فلمّا احتاج هو و قومه إلي الماء، ضرب الحجر بعصاه؛ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ.

و قد أخرج اللّه تعالي الماء للصادق عليه السلام من خشبة رحله:

۱۴۷) و هو ما حدّث به الشيخ أبو جعفر محمّد بن معروف الهلالي الخرّاز، و قد أتي له مائة و ثمان و عشرون سنة قال: أتيت إلي أبي عبد اللّه جعفر عليه السلام إلي الحيرة فأقمت بها ثلاثة أيّام، فما قدرت عليه من كثرة الناس، فلمّا كان اليوم الرابع مضي إلي قبر أمير المؤمنين عليه السلام، فمضيت معه، فلمّا صار إلي بطن الطريق، غلبه البول، فاعتزل عن الجادّة فبال، ثمّ نبش الرحل فخرج له الماء، فتطهّر للصلاة فقام و صلّي ركعتين، و دعا ربّه فقال في دعائه: «اللّهم لا تجعلني ممّن تقدم فمرق، و لا ممّن تأخر فرهق، و اجعلني من النمط الأوسط».

و قال لي: «يا غلام، لا تتحدث بما رأيت».

و قد أوردت له في معجزاته.

۱۴۸) ما رواه داود الرّقيّ من إظهار الماء في السبخة في طريق الحجّ عينا فوّارة، و ما رواه يحيي بن هرثمة.

و قد ذكرناه في آيات أبي جعفر الثاني عليه السلام من ظهور عين الماء له حين خرج من المدينة معه إلي المتوكل، و أمثال ذلك كثيرة لا تحصي.

و أمّا ابتلاع الأرض لقارون، و هو أنّ قارون قال لامرأة كانت بغيا ذات جمال و هيئة: أعطيك مائة ألف درهم إن جئت غدا إلي موسي عليه السلام و هو جالس في بني إسرائيل يتلو عليهم التوراة، و قلت: يا معشر بني إسرائيل، إنّ موسي دعاني إلي نفسه فأنعمت له.

ثم قالت في نفسها: قد فعلت ما فعلت فأذهب إلي بني إسرائيل و أرميه بالفاحشة؟! لا و اللّه لا أفعل.

فلمّا كان في الغد جلس موسي عليه السلام في بني إسرائيل، و جاءه قارون في زينته، و عليه ثياب حمر، و جاءت المرأة، فقامت علي رءوسهم ثم قالت لموسي عليه السلام: إنّ قارون أعطاني مائة ألف درهم علي أن أقوم علي بني إسرائيل اليوم، و أقول لهم: إنّ موسي دعاني إلي نفسه، بحضرتك و معاذ اللّه أن يكون ذلك، لقد أكرمك اللّه تعالي. فغضب موسي عليه السلام فقال للأرض: خذيه. فأخذته إلي ساقه، فقال: يا موسي، اللّه اللّه، ارحمني.

فقال عليه السلام: خذيه. فأخذته إلي حقويه، فقال: يا موسي، اللّه اللّه، ارحمني،

فقال عليه السلام: خذيه. فابتلعته الأرض حتّي غاب.

و قد ظهر علي يد ولي اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام ما يوازي ذلك شرفا.

۱۴۹) و هو ما حدّث به صالح بن الأشعث البزّاز الكوفي، قال: كنت بين يدي المفضّل إذ وردت عليه رقعة من مولانا الصادق عليه السلام، فنظر فيها، فنهض قائما و اتكأ علي، ثمّ تسايرنا إلي باب حجرة الصادق عليه السلام، فخرج إليه عبد اللّه بن وشاح، فقال: أسرع يا مفضّل في خطواتك، أنت و صاحبك هذا.

فدخلنا فإذا بالمولي الصادق عليه السلام قد قعد علي كرسي، و بين يديه امرأة، فقال: يا مفضّل، خذ هذه الامرأة و أخرجها إلي البرية في ظاهر البلد فانظر ما يكون من أمرها وعد إليّ سريعا.

فقال المفضل: فامتثلت ما أمرني به مولاي عليه السلام و سرت بها إلي برية البلد، فلمّا توسطتها سمعت مناديا ينادي: احذر يا مفضل. فتنحيت عن المرأة، فطلعت غمامة سوداء ثمّ أمطرت عليها حجارة حتّي لم يكن للمرأة حسا و لا أثرا فهالني ما رأيته! و رجعت مسرعا إلي مولاي عليه السلام، و هممت أن أحدثه بما رأيت، فسبق إلي الحديث، فقال عليه السلام: «يا مفضل، أ تعرف المرأة؟».

فقلت: لا يا مولاي.

فقال: «هذه امرأة الفضال بن عامر، و قد كنت سيّرته إلي فارس ليفقّه أصحابي بها، فلمّا كان عند خروجه من منزله قال لامرأته: هذا مولاي جعفر شاهد عليك، لا تخونيني في نفسك. فقالت: نعم، إن خنتك في نفسي أمطر اللّه عليّ من السماء عذابا واقعا. فخانته في نفسها من ليلتها، فأمطر اللّه عليها ما طلبت، يا مفضل، إذا هتكت امرأة سترها، و كانت عارفة باللّه، هتكت حجاب اللّه، و قصمت ظهرها، و العقوبة إلي العارفين و العارفات أسرع».

و أمّا تظليل الغمام عليهم فهو أنّ موسي عليه السلام لمّا مكث بقومه في التيه أربعين سنة أثّر فيهم حرّ الشمس، فظلل اللّه الغمام عليهم، وقاية لهم من حرّ الشمس، كما قال اللّه تعالي: وَ ظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوي فقد أعطي اللّه تعالي أمير المؤمنين عليه السلام ما يشابه ذلك و يدانيه و يحاكيه و هو.

۱۵۰) ما رواه جابر بن عبد اللّه الأنصاري- رحمه اللّه- عن رسول اللّه صلي الله عليه و آله أنّه قال: «ما بعثته قط في سرية إلّا و رأيت جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، و ملك الموت أمامه في سحابة تظلله، حتّي يعطي اللّه حبيبي النصر و الظفر».

و أمّا إحياء الموتي، و هو ما قال اللّه تعالي: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتي و شرح ذلك أنّه وجد علي طريق سبط من الأسباط قتيل، فتدارءوا به و التجئوا إلي موسي عليه السلام، فأمرهم اللّه تعالي بذبح بقرة علي ما شرح في كتابه العزيز، فلمّا فعلوا ذلك و ضربوا ببعض لحمها القتيل، أحياه اللّه تعالي حتّي قال: قتلني فلان بن فلان.

و قد أعطي اللّه تبارك و تعالي أمير المؤمنين عليه السلام ما يشابه ذلك و هو:

۱۵۱) ما حدّث به الباقر عليه السلام، قال: «إنّ عليّا عليه السلام مرّ يوما في أزقة الكوفة فانتهي إلي رجل قد حمل جريثا فقال: انظروا إلي هذا قد حمل إسرائيليا. فأنكر الرجل، و قال: متي كان الاسرائيلي جريثا؟!

فقال عليه السلام: أما إنّه إذا كان اليوم الخامس ارتفع لهذا الرجل من صدغه دخان فيموت مكانه.

فأصابوه في اليوم الخامس كذلك، فمات فحمل إلي قبره، فلمّا دفن جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلي قبره، فدعا اللّه، ثمّ رفسه برجله، فإذا الرجل قام قائما بين يديه، و هو يقول: الراد علي عليّ كالراد علي اللّه و علي رسوله.

قال عليه السلام: عد في قبرك. فعاد فيه، فانطبق القبر عليه».

۱۵۲) و حدّث داود الرقي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام إذ دخل عليه شاب يبكي فقال: إني نذرت أن أحجّ بأهلي، فلمّا دخلت المدينة ماتت.

قال: «اذهب، فإنّها لم تمت» قال: ماتت و سجيتها!

قال: «اذهب، فإنّها لم تمت فخرج و رجع ضاحكا و قال: دخلت عليها و هي جالسة. قال: «يا داود، أو لم تؤمن»؟

قال: بلي، و لكن ليطمئن قلبي.

فلمّا كان يوم التروية قال لي: «يا داود قد اشتقت إلي بيت ربّي» فقلت: يا سيّدي، هذا عرفات! قال: «إذا صلّيت العشاء الآخرة فارحل لي ناقتي، و شدّ زمامها» ففعلت، فخرج، و قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و يس ثمّ استوي علي ظهر ناقته، و أردفني خلفه، فسرنا هدا من الليل، و قعد في موضع ما كان ينبغي.

فلمّا طلع الفجر، قام فأذّن، و أقام، و أنا عن يمينه، فقرأ في أوّل ركعة: الْحَمْدُ و الضُّحي و في الثانية الْحَمْدُ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قنت، ثمّ سلّم و جلس، فلمّا طلعت الشمس مرّ الشاب و معه المرأة فقالت لزوجها: هذا الذي شفع إلي اللّه في إحيائي.

في بيان آيات داود ممّا ذكره الله تعالي في القرآن و فيه: أربعة أحاديث

قال اللّه تعالي: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ و التأويب: سير النهار، و قيل: هو التسبيح، و معناه علي القول الأوّل: يا جبال سيري معه.

و قد جعل اللّه تبارك و تعالي مثل ذلك لمولانا أبي عبد اللّه عليه السلام، و قد ذكرنا سير الجبال معه فيما ذكر في قوله: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ.

۱۵۳) و روي أبو بصير قال: جاء رجل إلي أبي عبد اللّه عليه السلام فسأله عن حقّ الإمام، قال له: «تأتي ناحية أحد». فخرج فإذا أبو عبد اللّه عليه السلام يصلّي، و دابّته قائمة، و إذا ذئب قد أقبل، فسارّ أبا عبد اللّه عليه السلام كما يسارّ الرجل، ثمّ قال له: «قد فعلت» فقلت: جئت أسألك عن شي‌ء، فرأيت ما هو أعظم من مسألتي! فقال: «إنّ الذئب أخبرني أن زوجته بين الجبل قد عسر عليها الولادة فادع اللّه تعالي لها أن يخلصها مما هي فيه، فقلت قد فعلت، علي أن لا يسلط أحدا من نسلكم علي أحد من شيعتنا أبدا». فقلت: ما حق المؤمن علي اللّه تعالي؟ قال: لو قال للجبال «أوبي لأوّبت» فأقبل الجبل يتداكّ بعضه إلي بعض، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «ضربت له مثلا، ليس إيّاك عنيت» فرجع إلي مكانه.

و معناه علي القول الثاني: سبحي معه.

و قد أعطي اللّه تبارك و تعالي لمولانا زين العابدين عليه السلام ما يماثل ذلك و يشاكله و هو:

۱۵۴) ما حدّث به سعيد بن المسيب- في رواية الزهريّ- قال: كان القوم لا يخرجون من مكّة حتّي يخرج زين العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام، فخرج، و خرجت معه، فنزل في بعض المنازل، و صلّي ركعتين، و سبّح في سجوده، فلم يبق شجر و لا مدر إلّا سبّح معه، ففزعنا فرفع رأسه، و قال: «يا سعيد أ فزعت؟» قلت: نعم، يا ابن رسول اللّه. فقال: «هذا التسبيح الأعظم».

و أمّا تسبيح الطير فقد ذكرنا في هذا الكتاب، في آيات أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام في آخر حديث و هو: ما أجاب به عبد الملك بن مروان عامله، حين أمره بإخراج الباقر عليه السلام إليه، فقال: و إنّه ليقرأ في محرابه فتجتمع الطير و السباع تعجبا من صوته، فإنّ قراءته تشبه مزامير آل داود.

و أمّا قوله تعالي: وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ فإنّه ألان له الحديد ليتخذ له الدروع منه كأنّه الشمعة في يده.

و قد أعطي اللّه تعالي لأمير المؤمنين عليه السلام مثل ذلك و هو:

۱۵۵) ما روي بعض مواليه أنّه دخل عليه، و رأي بين يديه حديدا، و هو يأخذ بيده منه، و يدققه، و يجعله حلقا و يسرده كأنّه الشمعة في يده قال: فسألته عنه، فقال: «أصنع الدرع».

و ممّا يصحح ذلك، و يشهد بصحته، حديث خالد بن الوليد، و هو حديث طويل قد اقتصرنا علي الموضع المقصود لشهرته.

۱۵۶) و حدث به عبد الرحمن بن العبّاس و جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما، قالا: كنا جلوسا عند أبي بكر و قد أضحي النهار، فإذا بخالد بن الوليد قد وافي في جيش قام غباره، و كثرت صواهل خيله، فإذا بقطب رحي ملوي في عنقه، و قد فتل فتلا، فنزل عن فرسه، و وقف بإزاء أبي بكر، فرمقه الناس بأعينهم و راعهم منظره، فابتدأ و قال: اعدل يا بن أبي قحافة حيث جعلت في الموضع الذي لست له بأهل، و ما ارتفعت إلي هذا المكان إلّا كما يرتفع الطافي من السمك علي الماء.- في كلام طويل أعرضنا عن ذكره-

ثمّ قال: إنّي رجعت منكفئا من الطائف إلي هذه في طلب المرتدين، فرأيت ابن أبي طالب عليه السلام و معه رهط عصاة عتاة من الذين شزرت حماليق أعينهم من حسدك، و بدرت حقدا عليك، و قرحت أفئدتهم لمكانك، منهم عمّار بن ياسر ابن سميّة السوداء، و المقداد، و أخا غفار، و ابن العوام، و غلامين أعرف أحدهما بوجهه، و غلام اسمر حبشي قد بقل وجهه فتبين لي المنكر من قلوبهم، و الحسد في احمرار أعينهم، و قد توشّح بدرع رسول اللّه صلي الله عليه و آله و لبس رداءه، و قد أسرج له دابته، و قد نزل علي عين ماء، فلمّا رآني اشمأز و بربر، و أطرق موحشا فقبض علي لحيته، فبادرته بالسلام استكفي شره و اتقي وحشته، فنزلت، و نزل من معي بحيث نزلوا اتقاء من مراوغته، فبدأ بي ابن ياسر بقبيح لفظه، و محض عداوته، يقرعني بما كنت (تقدمت به إلي)، فالتفت إليّ الأصلع الرأس، و قد ازدحم الكلام في حلقه كهمهمة الأسد، و كقعقة الرعد.

فقال لي بغضب منه: «أو كنت فاعلا يا أبا سليمان؟».

فقلت: و ايم اللّه، لو أقام علي رأيه لضربت الذي في عيناك؛ فأغضبه قولي إذ صدقته، و أخرجه إلي طبعه الذي أعرفه له عند الغضب، و بدرت عيناه علي، فعلمت أنّه قد عزب عنه عقله.

فقال لي: «يا ابن اللخناء، مثلك يقدر علي مثلي، و يجسر أن يدير اسمي في لهواته التي لا عهد لها بكلمة حكمة، ويلك إنّي لست من قتلاك و قتلي صاحبك، و إنّي لأعرف بمنيتي و مقتلي منك بنفسك»

ثمّ ضرب بيده إلي ترقوتي فنكسني عن فرسي، و جعل يسوقني إلي رحي الحارث بن كلدة فعمد إلي القطب الغليظ فمدّ عنقي بكلتا يديه و لواه في عنقي، ينفتل له كالعلك المسخّن، و أصحابي هؤلاء وقوف ما أغنوا عنّي سطوته، و لا كفوني شره، فلا جزاهم اللّه عنّي خيرا، فإنّهم لمّا نظروا إلي بريق عينيه سجدوا فرقا، و سالت جباههم عرقا، و خمدت أرواحهم كأنما نظروا إلي ملك موتهم، فو الذي رفع السماء بغير أعمادها، لقد اجتمع علي فكّ هذا القطب مائة رجل- أو يزيدون- من أشداء العرب، فما قدروا علي فكّه، فدلّني عجز الناس عن فتحه أنّه سحر منه، أو قوة ملك قد ركّبت فيه، ففكّ هذا الآن عنّي إن كنت فاكه، و خذ لي منه بحقي إن كنت آخذه، و إلّا لحقت بدار عزتي و مستقر كرامتي، فقد ألبسني ابن أبي طالب من العار ما صرت به ضحكة لأهل الديار.

فالتفت أبو بكر إلي عمر، و قال: أ ما تري إلي ما يخرج من هذا الرجل- في كلام طويل- إلي أن دعوا قيس بن سعد بن عبادة، و قال لهم ما هو مشهور، فصبروا إلي أن وافوا أمير المؤمنين عليه السلام، فقاموا بأجمعهم إليه و استأذنوا عليه، فدخلوا و معهم خالد فلمّا بصر إلي خالد قال: «نعمت صباحا يا أبا سليمان، نعم القلادة قلادتك»- في كلام طويل شرحه-

و تشفّع أبو بكر فلم يجب إلي ذلك، إلي أن قام بريدة الأسلمي، و طارق بن شهاب، و الأشجع بن حمدان العجليّ فقالوا: يا أبا الحسن، و اللّه ما لخالد و عنقه إلّا من حمل باب خيبر بقوة يده، و دحا به وراء ظهره، و حمله حتّي عبر الناس عليه.

و قام عمّار بن ياسر رضي اللّه عنه و خاطبه أيضا في جملة من سأله، فلم يجب أحدا، إلي أن قال أبو بكر: سألتك بحق أخيك محمّد رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلّا ما رحمت خالدا، و فككت عن عنقه هذا الحديد.

مّا سأله بحق أخيه رسول اللّه صلي الله عليه و آله استحيا، و كان كثير الحياء، فجذب خالدا إليه، فأدناه، و قبض علي رأس الحديد و جعل يفتل منه شيئا فشيئا، فرمي به، كفتل أحدكم العلك المحمّي بالنار، حتّي أتي علي آخره، فكبّر الناس، و عجب من حضر من فعله، فقال لهم: «إنّ اللّه بكرمه و فضله سيشتت شملكم و يأخذ بحقي منكم، فبئس القوم أنتم».

فتمثل عمّار بن ياسر ببيتي شعر، و هما هذان:

يزاول سرحان مساواة ضيغم

فضعضعه إذ رام ذاك فهشما

و أهوي له إذ رام ما لا يناله

إلي رأسه بالكفّ منه فحطما

في بيان معجزات نبيّ الله سليمان في القرآن و فيه: أربعة عشر حديثا

إنّ اللّه سبحانه و تعالي أعطي سليمان عليه السلام آيات باهرة، و قد ذكر في كتابه العزيز منها أنّه أعطاه الحكمة صبيا، و سخّر له الريح، و علّمه منطق الطير، و سخّر له الجنّ و السباع و الطير، و أسأل له عين القطر.

فأمّا ما أعطي اللّه تعالي سليمان إياه الحكمة صبيا، فقد أورده في كتابه العزيز بقوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ و قصته أنّ غنما نفشت في زرع قوم، فحكم سليمان عليه السلام بأنّ صاحب الغنم يعطيها لصاحب الأرض لينتفع بها حتّي يزرع صاحب الغنم أرضه، فإذا بلغ الزرع الحدّ الذي نفشت فيه غنمه، ردّ الغنم عليه، و أخذ الأرض مزروعة.

و قد أعطي اللّه تعالي أئمتنا عليهم السلام مثل ذلك، و زيادة عليه، منها ما اشتهر عند الخاص و العام من حديث:

۱۵۷) أبي حنيفة حين دخل دار الصادق عليه السلام، فرأي موسي عليه السلام في دهليز داره، و هو صبي، فقال في نفسه: إنّ هؤلاء يزعمون أنّهم يعطون العلم صبية، و أنا أسبر ذلك؛ فقال: يا غلام، إذا دخل الغريب بلدة فأين يحدث؟ فنظر إليه نظر مغضب، و قال: «يا شيخ، أسأت الأدب، فأين السلام؟».

قال: فخجلت، و رجعت حتّي خرجت من الدار، و قد نبل في عيني، ثمّ رجعت إليه، و سلّمت عليه، و قلت: يا ابن رسول اللّه، الغريب إذا دخل بلدة أين يحدث؟

فقال عليه السلام: «يتجنب شطوط الأنهار، و مشارع الماء، و في‌ء النزّال، و مساقط الثمار، و أفنية الدور، و جوادّ الطرق، و مجاري المياه، و رواكدها، ثمّ يحدث أين شاء».

قال: فقلت: يا ابن رسول اللّه، ممّن المعصية؟ فنظر إليّ و قال: «إمّا أن تكون من اللّه، أو من العبد، أو منهما معا، فإن كانت من اللّه، فهو أكرم من أن يأخذ العبد بما لم يجنه؛ و إن كانت منهما، فهو أعدل من أن يأخذ العبد بما هو شريك فيه؛ فلم يبق إلّا أن تكون من العبد، فإن عفا فبفضله، و إن عاقب فبعدله».

قال أبو حنيفة: فاغرورقت عيناي، و قرأت: «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».

۱۵۸) و حديث أبي جعفر الثاني عليه السلام مع يحيي بن أكثم قاضي القضاة ببغداد بين يدي المأمون مشهور، حين سأله عن محرم وطئ بيض صيد، و هو ابن تسع سنين؟ فأجابه قال: «الصيد من طير الحل، أو من طير الحرم؟ و باض في الحل، أم باض في الحرم؟

و المحرم حرا كان، أو عبدا؟ و العبد أحرم بإذن مولاه، أم بغير إذنه؟

و الحر وطأه عمدا، أو سهوا؟ معيدا كان، أو مبتدئا؟ و الطير من صغار الطير أم من كبارها؟..». إلي غير ذلك من الانقسامات، فبهت يحيي.

و سأله أبو جعفر عليه السلام عن مسألة المرأة فلم يحر جوابا، فتبيّن للناس عجزه، و هو عليه السلام قد شرح المسائل علي ما هو مشروح في موضعه.

۱۵۹) و حديث بريهة النصرانيّ مع هشام بن الحكم معروف، حين وردا المدينة و استأذنا علي الصادق عليه السلام، فرأيا موسي عليه السلام في الدهليز، فسلّم هشام عليه، و سلّم بريهة، ثمّ أخبرهما بما جاءا له، فطفق يقرأ الإنجيل، فلمّا سمع بريهة ذلك قال: المسيح لقد كان يقرأ كذلك، إيّاك أطلب منذ خمسين عاما، من هذا؟ فقال هشام: هذا ابن الصادق عليه السلام. و كان عليه السلام صبيا، فأسلم بريهة علي يده قبل الوصول إلي الصادق عليه السلام.

و أمثال ذلك كثيرة لا تحصي كثرة.

و أمّا تسخير الريح لسليمان عليه السلام، و هو ما قال اللّه سبحانه و تعالي: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ و إنّ سليمان عليه السلام لمّا أراد أن يركب الريح، أمر بفرش البساط ففرش بساطه، و وضع عليه سريره، و وضع الكراسي حول السرير، و جلس وزراؤه و قواده علي الكراسي حول السرير، و جلس هو فوق البساط، و أمر الريح بأن تحمل البساط، و تحمل ما فوقه و تسير غدوة مسيرة شهر، و ترجع رواحا مثله.

و إنّ اللّه تعالي أعطي أئمتنا عليهم السلام مثل ذلك و ما يشابهه و هو ما حدّث به:

۱۶۰) معمّر، عن الزهري، عن قتادة، عن أنس، قال: كنّا جلوسا في المسجد عند النبيّ صلي الله عليه و آله، و قد كان أهدي إليه بساط فقال لي: «ادع عليّ بن أبي طالب» عليه السلام، فدعوته، ثمّ أمرني أن أدعو أبا بكر و عمر و جميع أصحابه، فدعوتهم كما أمرني نبيّ اللّه صلي الله عليه و آله، و أمرني أن أبسط البساط فبسطته، ثمّ أقبل علي عليّ عليه السلام فأمره بالجلوس علي البساط، و أمر أبا بكر و عمر و عثمان بالجلوس مع أمير المؤمنين عليه السلام، فجلست مع من جلس، فلمّا استقرّ بنا المجالس أقبل صلي الله عليه و آله علي عليّ عليه السلام و قال: «يا أبا الحسن، قل: يا ريح الصبا، احمليني، و اللّه خليفتي عليك و هو حسبي و نعم الوكيل».

قال أنس: فنادي أمير المؤمنين عليّ عليه السلام كما أمره النبيّ صلي الله عليه و آله، فو الذي بعث محمّدا بالحقّ نبيّا، ما كان إلّا هنيهة حتّي صرنا في الهواء، ثمّ نادي: «يا ريح الصبا، ضعيني» فإذا نحن في الأرض، فأقبل عليّ علينا و قال: «يا معشر الناس، أ تدرون أين أنتم؟

و بمن قد حللتم؟» فقلنا: لا.

فقال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: «أنتم عند أصحاب الكهف و الرقيم، الذين كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً فمن أحبّ أن يسلّم علي القوم فليقم». فأوّل من قام أبو بكر، فسلّم علي القوم، فلم يردّوا عليه جوابا، ثمّ قام عمر، و سلّم عليهم، فلم يردّوا عليه جوابا، فلم يزالوا يقومون واحدا بعد واحد، و يسلّمون و لم يردّوا عليهم جوابا، إلي أن قام أمير المؤمنين عليه السلام، فنادي: «السلام عليكم أيّتها الفتية، فتية أصحاب الكهف و الرقيم، الذين كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً» فقالوا: و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته، أيّها الإمام و ابن عم سيّد الأنام محمد صلي الله عليه و آله.

فلمّا سمع القوم كلامهم لأمير المؤمنين عليه السلام، قالوا: يا أبا الحسن، بحقّ ابن عمّك محمّدصلي الله عليه و آله سل القوم ما بالهم سلّمنا عليهم فلم يردّوا علينا الجواب.

فقال عليه السلام: «أيّتها الفتية، ما بالكم لم تردّوا السلام علي أصحاب رسول اللّه صلي الله عليه و آله؟» فقالوا: يا أبا الحسن، قد أمرنا أن لا نسلّم إلّا علي نبيّ أو وصي نبي، و أنت خير الوصيين، و ابن عم خير النبيّين، و أنت أبو الأئمة المهديين، و زوج فاطمة سيّدة نساء العالمين من الأوّلين و الآخرين، و قائد الغر المحجلين إلي جنات النعيم.

فلمّا استتم القوم كلامهم أمرنا بالجلوس علي البساط، ثمّ نادي: «يا ريح الصبا، احمليني».

فإذا نحن في الهواء. ثمّ نادي: «يا ريح الصبا، ضعيني» فإذا نحن في الأرض.

قال: فوكز الأرض برجله، فإذا نحن بعين ماء، فقال: «يا معاشر الناس، توضئوا للصلاة، فإنّكم تدركون صلاة الفجر، مع النبي» صلي الله عليه و آله.

قال فتوضأنا، ثمّ أمرنا بالجلوس علي البساط فجلسنا ثمّ قال: «يا ريح الصبا، احمليني».

فإذا نحن في الهواء، ثمّ نادي: «يا ريح الصبا، ضعيني» فإذا نحن في الأرض في مسجد رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و قد صلّي ركعة واحدة، فصلّينا معه ما بقي من الصلاة، و ما فات بعده، و سلّمنا علي النبيّ صلي الله عليه و آله، فأقبل بوجهه الكريم علينا، و قال: «يا أنس، أ تحدّثني أم أحدّثك؟» فقلت: الحديث منك أحسن. فحدّثني، حتّي كأنّه كان معنا.

و في الحديث طول، و قد نظم هذا المعني بعض الشعراء:

من هو فوق البساط تحمله الر

يح إلي الكهف و الرقيمين

فعاين الفتية الكرام بها

و كلبهم باسط الذراعين

فقال قوما فسلّما ستري

منّي و من أمرهم عجيبين

فسلّما فلم يجبهما أحد

و لم يكونا هما رشيدين

فسلّم المرتضي فقيل له

لبيك لبيك دون هذين

و أمّا علمه بمنطق الطير، فقد أعطي اللّه تعالي أئمتنا عليهم السلام معرفة منطق الطير، و منطق كلّ شي‌ء، و يدل علي ذلك ما رواه:

۱۶۱) عبد اللّه بن سوقة، قال: مرّ بنا الرضا عليه السلام، فاختصمنا في إمامته، فلمّا خرج خرجت أنا و تميم بن يعقوب السرّاج- من أهل الرقّة- و نحن مخالفون له، نري رأي الزيدية، فلمّا صرنا في الصحراء فإذا نحن بظباء فأومأ أبو الحسن عليه السلام إلي خشف منها، فإذا هو قد جاء حتي وقف بين يديه، فأخذه أبو الحسن عليه السلام، فمسح رأسه و دفعه إلي غلامه، و جعل الخشف يضطرب لكي يرجع إلي مرعاه، فكلّمه الرضا عليه السلام بكلام لم نفهمه، فسكن، ثمّ قال لي: «يا عبد اللّه، أو لم تؤمن؟» قلت: بلي، يا سيّدي، أنت حجّة اللّه علي خلقه، و أنا تائب إلي اللّه.

ثمّ قال للظبي: «اذهب» فجاء الظبي و عيناه تدمعان، فتمسّح بأبي الحسن عليه السلام و رغا، فقال أبو الحسن: «أ تدري ما يقول؟» قلت: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم.

قال: يقول: دعوتني فرجوت أن تأكل من لحمي، فأجبتك، و حزنت حين أمرتني بالذهاب.

۱۶۲) و ممّا رواه صفوان، عن جابر قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام، فبرزنا، فإذا نحن برجل قد أضجع جديا ليذبحه، فصاح الجدي، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «كم ثمن هذا الجدي؟» فقال: أربعة دراهم، فحلّها من كمّه، و دفعها إليه، فقال: «خلّ سبيله».

قال: فسرنا، فإذا نحن بصقر قد انقضّ علي دراجة، فصاحت الدراجة، فأومأ أبو عبد اللّه عليه السلام إلي الصقر بمكّة، فرجع عن الدراجة، فقلت: لقد رأيت عجبا من أمرك!

فقال: «نعم، الجدي لمّا أضجعه الرجل ليذبحه و بصر بي قال: أستجير باللّه و بكم أهل البيت (ممّا يراد بي) و كذلك الدراجة؛ و لو أنّ شيعتنا استقاموا لأسمعتهم منطق الطير».

۱۶۳) و قد حدّث سليمان الجعفري، قال: كنت مع الرضا عليه السلام في حائط، و أنا أحدّثه إذ جاءه عصفور، فوقع بين يديه، و أخذ يصيح، و يكثر الصياح، و يضطرب، فقال لي: «أ تدري ما يقول هذا العصفور؟» فقلت: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم قال: «يقول: إنّ حية تريد أن تأكل فراخي في البيت؛ فقم، و خذ تلك السكين و النسعة، و ادخل البيت و اقتل الحيّة.

قال: فقمت، و أخذت النسعة، و دخلت البيت، فإذا حيّة تجول في البيت، فقتلتها.

و قد أوردنا في هذا الكتاب حديث الورشان مع الصادق عليه السلام، و حديث الشاة معه؛ و حديث الطير و غيرها مع زين العابدين عليه السلام؛ و غير ذلك، فلا نطيل الكتاب بتعدادها.

و أمّا تسخير الجن و الشياطين، و هو كما قال اللّه تعالي في كتابه العزيز في غير موضع: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ. وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ. وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ.

و قال تعالي: وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ.

و قد سخر اللّه تعالي له الجنّ و الشياطين حتّي انقادوا له، و أطاعوه، و عملوا بإذنه، و بأمره، و استسلموا لحكمه مذعنين.

و قد تهيّأ لأئمتنا عليهم السلام ما يشاكل ذلك و يحاكيه، و هو ما حدّث به:

۱۶۴) عيسي بن مهران، قال: كان رجل من أهل خراسان ممّا وراء النهر، و كان موسرا، محبّا لأهل البيت عليهم السلام، و كان يحجّ كلّ سنة، و قد وظّف علي نفسه لأبي عبد اللّه الصادق عليه السلام في كلّ سنة ألف دينار من ماله، و كانت تحته ابنة عم له، تساويه في اليسار و الديانة، فقالت في بعض السنين: يا ابن عم، حجّ بي في هذه السنة. فأجابها إلي ذلك، فتجهزوا للحجّ، و حملت لعيال أبي عبد اللّه عليه السلام و بناته من فواخر ثياب خراسان، و من الجواهر و البز أشياء كثيرة خطيرة، و صيّر زوجها ألف دينار التي أعدها في كيس لأبي عبد اللّه عليه السلام، و صيّر الكيس في ربعة فيها حلي و طيب.

فلمّا ورد المدينة صار إلي أبي عبد اللّه عليه السلام، فسلّم عليه، و أعلمه أنّه حجّ بأهله، و سأله الإذن لها في المصير إلي منزله، للتسليم علي أهله و بناته، فأذن لها أبو عبد اللّه عليه السلام، فصارت إليهم، و قرّبت ما حملت إليهن، فأقامت يوما عندهنّ و انصرفت.

فلمّا كان من الغد قال لها زوجها: أخرجي تلك الربعة لنسلّم الألف إلي أبي عبد اللّه عليه السلام. فقالت: هي في موضع كذا.

فأخرجها، و فتح القفل، فلم يجد الدنانير، و كان فيها حليها و ثيابها، فاستقرض ألف دينار من أهل بلده و رهن الحلي بها، و صار إلي أبي عبد اللّه عليه السلام، فقال له: «قد وصلت الألف إلينا».

قال: و كيف ذلك؟ و ما علم غيري بمكانها، و غير ابنة عمي!

قال: «مسّتنا ضيقة، فوجّهنا من أتي بها، من شيعتي من الجنّ، فإنّي كلّما أريد أمرا بعجلة أبعث أحدا منهم».

فزاد ذلك في بصيرة الرجل و سرّ به و استرجع الحلي ممّن رهنه ثمّ انصرف إلي منزله، فوجد امرأته تجود بنفسها، فسأل عن خبرها، فقالت جويرتها: أصابها وجع في فؤادها في هذه الحالة. فغمّضها و سجّاها، و شدّ حنكها و تقدم في إصلاح ما تحتاج إليه من الكفن و الكافور و حفر قبرها، و صار إلي أبي عبد اللّه عليه السلام و أخبره، و سأله أن يتفضّل بالصلاة عليها.

فصلّي أبو عبد اللّه عليه السلام ركعتين و دعا ثمّ قال للرجل: «انصرف إلي رحلك، فإنّ أهلك لم تمت، و ستجدها في رحلك، تأمر و تنهي، و هي في حال سلامة».

فرجع الرجل، فأصابها كما وصف أبو عبد اللّه عليه السلام، و خرج يريد مكّة، و خرج أبو عبد اللّه عليه السلام يريد الحجّ فبينما المرأة تطوف إذ رأت أبا عبد اللّه يطوف بالبيت، و الناس قد حفّوا به، فقالت لزوجها: من هذا الذي حفّ به الناس؟ قال: هو أبو عبد اللّه عليه السلام.

قالت: و اللّه، هذا الرجل الذي رأيته يشفع إلي اللّه تعالي حتّي ردّ روحي في جسدي.

۱۶۵) عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن سدير البصريّ الصيرفي، قال: أوصاني أبو جعفر عليه السلام بحوائج له بالمدينة.

قال: فبينا أنا في الروحاء علي راحلتي إذا إنسان يلوي ثوبي، فملت إليه، فظننت أنّه عطشان فناولته الإداوة، فقال: لا حاجة لي فيها.

قال: فناولني كتابا و طينه رطب، فلمّا نظرت إلي الخاتم، فإذا هو خاتم أبي جعفر عليه السلام.

قال: فقلت له: متي عهدك بصاحب الكتاب؟ قال: الساعة.

قال: و فيها شي‌ء يأمرني به؛ ثم التفتّ فإذا ليس أحد غيري.

قال: فقدم أبو جعفر عليه السلام، فلقيته، فقلت: جعلت فداك، رجل أتاني بكتاب منك و طينه رطب!! قال: «نعم، إذا عجل بنا أمر أرسلنا بعضهم».

۱۶۶) و زاد محمّد بن الحسين- بهذا الإسناد- و قال: «إنّ لنا خدّاما من الجنّ فإذا أردنا السرعة بعثناهم».

۱۶۷) أبو حمزة الثمالي، قال: دخلت علي أبي جعفر عليه السلام فقيل لي: إنّ عنده قوما؛ فما لبثت قليلا حتّي خرجوا، فخرج قوم أنكرتهم، لم يعرفوا، ثمّ أذن، فدخلت عليه، فقلت: هذا زمان بني أميّة و سيفهم يقطر دما. فقال: «يا أبا حمزة، إنّ هؤلاء وفد شيعتنا من الجنّ، جاءوا يسألوني عن معالم دينهم».

۱۶۸) عن أبي حنيفة سائق الحاج، قال: لقيت أبا جعفر عليه السلام، فقلت له: أقيم حتّي تشخص؟ قال: «لا، امض حتّي يقدم علينا أبو الفضل سدير، و أن يهيئ لنا بعض ما نريد، ثمّ نكتب إليكم».

قال: فسرت يومين و ليلتين، فأتي رجل طويل أدم بكتاب خاتمه رطب، و الكتاب رطب، فقرأته: «إنّ أبا الفضل قد قدم علينا، و نحن شاخصون إن شاء اللّه تعالي، فأقم حتّي نأتيك».

قال: فأتاني فقلت: أتاني الكتاب رطبا و الخاتم رطبا! قال: «إنّ لنا أتباعا من الجنّ، فإذا أردنا أمرا بعثنا واحدا منهم».

و من أمثال ذلك أخبار كثيرة لا تحصي، و قد أوردنا في هذا الكتاب في باب أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه من آياته حديث الشيخ و ما اختطف من حمزة و ما استردها أمير المؤمنين عليه السلام.

و أمّا تسخير السباع، فقد أوردنا في هذا الكتاب كثيرا من انقياد الأسد لهم بمرأي منهم، و برسالتهم إليه، في هذا الكتاب من حديث جويرية بن مسهر، و من مسارّة الذئب للصادق عليه السلام، و من مسارّة الأسد لموسي بن جعفر عليهما السلام، فلا نطول الكتاب بتعدادها.

و أمّا إسالة عين القطر، و هو النحاس الذائب، إنّ اللّه قد أسأل النحاس له حتّي استعملوه في تشييد البنيان، ثمّ جمد.

و قد أعطي اللّه تعالي أئمتنا عليهم السلام ما يزيد علي ذلك، من قلب الحجر ذهبا، و من إلقاء الأرض مقاليدها لهم، و هو: ما حدّث به:

۱۶۹) إبراهيم بن موسي القزاز، قال: كنت يوما في مجلس الرضا عليه السلام بخراسان، فألححت عليه في شي‌ء طلبته منه، فخرج يستقبل بعض الطالبين، و جاء وقت الصلاة، فمال إلي قصر هناك، فنزل تحت شجرة بقرب القصر، و أنا معه، و ليس معنا ثالث، فقال: «أذّن» فقلت: ننتظر يلحق بنا أصحابنا. فقال: «غفر اللّه لك، لا تؤخر الصلاة عن أوّل وقتها إلي آخر وقتها، من غير علّة عليك، ابدأ بأوّل الوقت».

فأذّنت و صلينا، فقلت: يا ابن رسول اللّه، قد طالت المدّة في العدة التي وعدتنيها، و أنا محتاج، و أنت كثير الشغل، لا نظفر بمسألتك في كلّ وقت.

قال: فحكّ الأرض بسوطه حكّا شديدا، ثمّ ضرب بيده إلي موضع الحكّة فأخرج سبيكة ذهب، فقال: «خذها إليك، بارك اللّه لك فيها، فانتفع بها، و اكتم ما رأيت».

قال: فبورك لي فيها، حتّي اشتريت بخراسان ملكين ما كان قيمته سبعين ألف دينار، فصرت أغني الناس من أمثالي هناك.

۱۷۰) و حديث إسماعيل بن أبي الحسن، قال: كنت مع الرضا عليه السلام، و قد مال بيده إلي الأرض كأنّه يكشف شيئا، فظهرت سبائك ذهب، ثمّ مسح بيده عليها، فغابت، فقلت في نفسي: لو أعطاني واحدة منها. قال: «ألا، إنّ هذا الأمر لم يأت وقته».

و قد أوردنا كثيرا من أمثال آيات موالينا عليهم السلام، و خروج الذهب من التور، و من الطست، و غير ذلك ما لا يحصي كثرة.

في ظهور آيات آصف بن برخيا وصيّ سليمان بن داود ممّا ذكره الله تعالي في القرآن و فيه: حديث واحد

و هو قوله تعالي: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ حاضرا شكر اللّه تعالي.

و قد أعطي اللّه تعالي أئمتنا عليهم السلام أمثال ذلك كثيرا، و قد ذكرنا في آيات أبي جعفر الثاني عليه السلام ذهابه من المدينة إلي طوس لغسل أبيه.

و خروجه بمن كان يعبد اللّه بالشام في الموضع الذي نصب فيه رأس الحسين عليه السلام من الشام إلي المدينة، و من المدينة إلي مكّة، و من مكّة إلي الشام في ساعة.

و مضي الصادق عليه السلام من المدينة إلي مكّة و أدائه المناسك في ساعة من الليل.

و خروج أمير المؤمنين عليه السلام من المدينة إلي المدائن لغسل سلمان رضي اللّه عنه و رجوعه إليها من ساعته و سنذكر في ذلك حديثا غريبا، و هو ما حدّث به:

۱۷۱) محمّد بن الفضل الهاشمي، قال: لمّا توفي موسي بن جعفر عليهما السلام أتيت المدينة فدخلت علي الرضا عليه السلام، فسلّمت عليه بالأمر، و أوصلت إليه ما كان معي، و قلت: إنّي صائر إلي البصرة، و عرفت كثرة اختلاف الناس، و قد نعي إليهم موسي بن جعفر عليه السلام و لا شك، أنّهم سيسألوني عن براهين الإمام، فلو أريتني شيئا من ذلك.

فقال الرضا عليه السلام: «لم يخف عليّ شي‌ء من هذا، فأبلغ أولياءنا بالبصرة و غيرها أنّي قادم عليهم، و لا قوة إلّا باللّه».

ثمّ أخرج إليّ جميع ما كان للنبيّ صلي الله عليه و آله عند الأئمة عليهم السلام، من بردته و قضيبه و سلاحه و غير ذلك، فقلت: و متي تقدم عليهم؟ قال: «بعد ثلاثة أيام من وصولك إليهم و دخولك البصرة».

فلمّا قدمتها سألوني عن الحال فقلت لهم: إنّي أتيت موسي بن جعفر عليه السلام قبل وفاته بيوم واحد، فقال: «إنّي ميت لا محالة، فإذا واريتني في لحدي فلا تقيمنّ، و توجّه إلي المدينة بودائعي هذه و أوصلها إلي ابني عليّ بن موسي فهو وصيّي، و صاحب الأمر من بعدي»، ففعلت ما أمرني به، و أوصلت الودائع إليه، و هو يأتيكم بعد ثلاثة أيام من يومي هذا، فاسألوه عمّا شئتم.

فانتدب للكلام عمرو بن هذّاب عن القوم، و كان ناصبيا ينحو نحو الزيدية و الاعتزال، فقال: يا محمّد إن الحسن بن محمّد رجل من أفاضل أهل البيت في ورعه و زهده و علمه و سمته و ليس هو كشاب مثل عليّ بن موسي الرضا عليه السلام، و لعله لو سئل عن معضلات الأحكام أجاب عن ذلك.

فقال الحسن بن محمّد- و كان حاضرا في المجالس-: لا تقل يا عمرو ذلك، فإنّ عليّا عليه السلام علي ما وصفه من الفضل، و هذا محمّد بن الفضل يقول إنّه يقدم إلي ثلاثة أيام، فكفاك به دليلا، و تفرقوا.

فلمّا كان في اليوم الثالث من دخولي إلي البصرة و إذا الرضا عليه السلام قد وافي، فقصد منزل الحسن بن محمّد و أخلي له داره، و قام بين يديه، يتصرف بين أمره و نهيه، فقال: يا حسن، أحضر جميع القوم الذين حضروا عند محمّد بن الفضل، و غيرهم من شيعتنا، و أحضر جاثليق النصاري و رأس الجالوت، فمر القوم أن يسألوا عمّا بدا لهم.

فجمعهم كلّهم و الزيدية و المعتزلة، و هم لا يعلمون لما يدعوهم الحسن بن محمّد، فلمّا تكاملوا ثني للرضا عليه السلام و سادة فجلس عليها، ثمّ قال: «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، هل تدرون لم بدأتكم بالسلام»؟ فقالوا: لا. فقال: «لتطمئن أنفسكم» قالوا: من أنت رحمك اللّه؟

قال: «أنا عليّ بن موسي بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام و ابن رسول اللّه، صلّيت اليوم الفجر في مسجد رسول اللّه صلي الله عليه و آله مع والي المدينة، و أقرأني- بعد أن صلّينا- كتاب صاحبه إليه، و استشارني في كثير من أموره، فأشرت عليه بما فيه الحظّ له، و وعدته أن يصير إليّ بالعشيّ بعد هذا العصر من هذا اليوم، ليكتب عندي جواب كتاب صاحبه، و أنا واف له بما و عدته، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم». فقالت الجماعة: يا ابن رسول اللّه ما نريد مع هذا الدليل برهانا أكبر منه، و أنت عندنا الصادق القول. فقاموا لينصرفوا فقال لهم: «لا تنصرفوا، فإنّي إنّما جمعتكم لتسألوا عمّا شئتم من آثار النبوة و علامات الإمامة التي لا تجدونها إلّا عندنا أهل البيت؛ فهلموا مسائلكم».

فابتدأ عمرو بن هذّاب فقال: إنّ محمّد بن الفضل الهاشميّ ذكر عنك أشياء لا تقبلها القلوب. فقال الرضا عليه السلام: «و ما تلك؟» قال: أخبرنا عنك أنّك تعلم كلّ ما أنزله اللّه تعالي، و أنّك تعرف كلّ لسان و لغة.

فقال الرضا عليه السلام: «صدق محمّد بن الفضل، فأنا أخبرته بذلك، فهلموا فاسألوا».

قال: فإنّا نختبرك قبل كلّ شي‌ء بالألسن و اللغات، و هذا رومي، و هذا هندي، و هذا فارسي، و هذا تركي، فأحضرناهم.

قال: «فليتكلموا بما أحبّوا، و أجيب كلّ واحد منهم بلسانه و لغته، إن شاء اللّه».

فسأل كلّ واحد منهم مسألة بلسانه و لغته فأجابهم بألسنتهم و لغاتهم، فتحيّر الناس و تعجبوا، فأقرّوا جميعا بأنّه أفصح منهم بلغاتهم.

ثمّ نظر الرضا عليه السلام إلي عمرو بن هذّاب و قال: «إن أنا أخبرتك بأنك ستبلي في هذه الأيّام بدم ذي رحم لك، كنت مصدقا لي؟» قال: لا، فإنّ الغيب لا يعلمه إلّا اللّه.

قال عليه السلام: «أو ليس اللّه يقول: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلي غَيْبِهِ أَحَداً. إِلَّا مَنِ ارْتَضي مِنْ رَسُولٍ فرسول اللّه صلي الله عليه و آله عنده مرتضي، و نحن ذريّة ذلك الرسول الذي أطلعه اللّه علي ما شاء من غيبه، فعلمنا ما كان و ما يكون إلي يوم القيامة؛ و إنّ الذي أخبرتك به يا ابن هذاب لكائن إلي خمسة أيّام، فإن لم يصحّ ما قلت لك في هذه المدّة فإنّي كذّاب، و إن صحّ فتعلم أنّك الرادّ علي اللّه و علي رسوله؛ و لك دلالة أخري أما إنّك ستصاب ببصرك، و تصير مكفوفا، فلا تبصر سهلا و لا جبلا، و هذا كائن بعد أيّام؛

و لك دلالة أخري: أنّك ستحلف يمينا كاذبة، فتضرب بالبرص».

قال محمّد بن الفضل: تاللّه لقد نزل ذلك كلّه بابن هذّاب، فقيل له: صدق الرضا عليه السلام، أم كذب؟ قال: و اللّه، لقد علمت في الوقت الذي أخبرني به أنّه كائن، و لكنني كنت أتجلد.

ثمّ إنّ الرضا عليه السلام التفت إلي الجاثليق فقال: «هل دلّ الإنجيل علي نبوة محمّد صلي الله عليه و آله؟» قال: لو دلّ الإنجيل علي ذلك لما جحدناه.

فقال عليه السلام: «أخبرني بالسكتة التي لكم في السفر الثالث فقال الجاثليق: اسم من أسماء اللّه تعالي، لا يجوز لنا أن نظهره».

قال الرضا عليه السلام: «فإن قررتك أنّه اسم محمّد صلي الله عليه و آله، و ذكره، و أقرّ عيسي به، و أنّه بشّر بني إسرائيل بمحمّد، أ تقر به و لا تنكره؟» قال الجاثليق: إن فعلت أقررت به، فإنّي لا أردّ الإنجيل و لا أجحده.

قال الرضا عليه السلام: «فخذ عليّ السفر الثالث الّذي فيه ذكر محمّد و بشارة عيسي بمحمّد». قال الجاثليق: هات.

فأقبل الرضا يتلو ذلك السفر من الإنجيل، حتّي بلغ ذكر محمّد، فقال: «يا جاثليق، من هذا النبيّ الموصوف؟» قال الجاثليق: صفه.

قال: «لا أصفه إلّا بما وصفه اللّه تعالي، هو صاحب الناقة و العصا و الكساء، النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل، يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر، و يحل لهم الطيّبات، و يحرّم عليهم الخبائث، و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم، يهدي إلي الطريق الأفضل، و المنهاج الأعدل، و الصراط الأقوم.

سألتك باللّه يا جاثليق، بحقّ عيسي روح اللّه و كلمته، هل تجد هذه الصفة في الانجيل لهذا النبيّ؟» فأطرق الجاثليق مليا و علم أنّه إن جحد الإنجيل كفر، فقال: نعم، هذه الصفة في الإنجيل، و قد ذكر عيسي هذا النبي، و لم يصح عند النصاري أنّه صاحبكم.

فقال الرضا عليه السلام: «أمّا إذا لم تكفر بجحود الإنجيل، و أقررت بما فيه من صفة محمّد، فخذ عليّ السفر الثاني فإنّي أوجدك ذكره، و ذكر وصيّه، و ذكر ابنته و ذكر الحسن و الحسين».

فلمّا سمع الجاثليق و رأس الجالوت ذلك علما أنّ الرضا عليه السلام عالم بالتوراة و الإنجيل و الزبور، فقالا: و اللّه، لقد أتي بما لا يمكننا ردّه، و لا دفعه، إلّا بجحود التوراة و الإنجيل و الزبور، و قد بشّر به موسي و عيسي جميعا، و لكن لم يتقرر عندنا صحة أنّه محمّد هذا، و أمّا اسمه محمّد فلا يجوز لنا أن نقرّ لكم بنبوته، و نحن شاكّون أنه محمّدكم أو غيره.

فقال الرضا عليه السلام: «احتججتم بالشك، فهل بعث اللّه قبل أو بعد من ولد آدم إلي يومنا هذا نبيّا اسمه محمّد؟ أو تجدونه في شي‌ء من الكتاب التي أنزلها اللّه تعالي علي جميع الأنبياء غير محمّد؟» فأحجموا عن جوابه، و قالوا: لا يجوز لنا أن نقرّ لكم بأنّ محمّدا أنّه محمّدكم، لأنا إن أقررنا لكم بمحمّد و وصيّه و ابنته و ابنيه علي ما ذكرتم أدخلتمونا في الإسلام كرها.

فقال الرضا عليه السلام: «أنت يا جاثليق آمن في ذمّة اللّه، و ذمّة رسوله أنّه لا ينالك منّا شي‌ء تكره ممّا تخافه و تحذره».

قال: فأمّا إذا آمنتني، فإنّ هذا النبيّ الذي اسمه (محمّد) و هذا الوصي الذي اسمه (علي) و هذه البنت التي اسمها (فاطمة) و هذان السبطان اللذان اسمهما (الحسن و الحسين) في التوراة و الانجيل و الزبور.

قال الرضا «فهذا الذي ذكرته في التوراة و الانجيل و الزبور من اسم هذا النبيّ صلي الله عليه و آله، و هذا الوصي، و هذه البنت، و هذين السبطين، صدق و عدل، أم كذب و زور؟».

قال: صدق و عدل، و ما قال اللّه إلّا الحقّ.

فلمّا أخذ الرضا إقرار الجاثليق بذلك، قال لرأس الجالوت: «فاسمع الآن يا رأس الجالوت السفر الأوّل من زبور داود». قال: هات، بارك اللّه عليك و علي من ولدك.

فقرأ الرضا عليه السلام السفر الأوّل، من الزبور، حتّي انتهي إلي ذكر محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام، فقال: «سألتك يا رأس الجالوت بحقّ اللّه، هذا في زبور داود؟ و لك مني الأمان و الذمّة و العهد ما قد أعطيت الجاثليق».

فقال رأس الجالوت: نعم، هذا بعينه ألفيته في الزبور بأسمائهم.

قال الرضا عليه السلام: «فبحق العشر الآيات التي أنزلها اللّه تعالي علي موسي بن عمران في التوراة، هل تجد صفة محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين في التوراة منسوبين إلي العدل و الفضل؟» قال: نعم، و من جحدها كان كافرا بربّه و أنبيائه.

فقال الرضا عليه السلام: «فخذ الآن عليّ سفر كذا من التوراة» فبهت رأس الجالوت متعجبا من تلاوته و بيانه و فصاحة لسانه حتّي إذا بلغ ذكر محمّد صلي الله عليه و آله قال رأس الجالوت: نعم، هذا أحمد و ايليا و فطيم و شبر و شبير؛ و تفسيره بالعربيّة محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام. فتلا الرضا السفر إلي تمامه، فقال رأس الجالوت- لمّا فرغ من تلاوته-: و اللّه يا ابن محمّد، لو لا الرئاسة التي حصلت لي علي جميع اليهود، لآمنت بأحمد، و اتّبعت أمرك، فو اللّه الذي أنزل التوراة علي موسي، و الزبور علي داود، ما رأيت أقرأ للتوراة و الانجيل و الزبور منك، و لا رأيت أحسن بيانا و تفسيرا و فصاحة لهذه الكتاب منك.

فلم يزل الرضا عليه السلام معهم في ذلك اليوم إلي وقت الزوال، فقال لهم- حين حضر وقت الزوال-: «أنا أصلّي و أصير إلي المدينة للوعد الذي وعدت به والي المدينة ليكتب جواب كتابه، و أعود إليكم بكرة إن شاء اللّه تعالي».

قال: فأذّن عبد اللّه بن سليمان، و أقام، و تقدّم الرضا عليه السلام فصلّي بالناس و خفّف القراءة و ركع تمام السنّة، و انصرف.

فلمّا كان من الغد عاد إلي مجلسه ذلك، فأتوه بجارية رومية فكلّمها بالرومية، و الجاثليق يسمع، و كان فهما بالرومية، فقال الرضا عليه السلام بالرومية: «يا أمة اللّه أيّما أحبّ إليك: محمّد أو عيسي؟».

فقالت: كان فيما مضي عيسي أحبّ إلي، حين لم أكن أعرف محمّدا، فأمّا إن عرفت محمّدا فمحمد الآن أحبّ إليّ من عيسي، و من كلّ نبي.

فقال لها الجاثليق: فإذا كنت دخلت في دين محمّد، فتبغضين عيسي؟ قالت: معاذ اللّه بل أحبّ عيسي و أؤمن به، و لكنّ محمدا أحبّ إلي.

فقال الرضا عليه السلام للجاثليق: «فسّر للجماعة ما تكلمات به الجارية، و ما قلت أنت لها، و ما أجابتك به».

ففسّر لهم الجاثليق ذلك كله، ثم قال الجاثليق: يا ابن محمد هاهنا رجل سندي، و هو نصراني صاحب احتجاج و كلام بالسنديّة، فقال له: «أحضرنيه». فأحضره، فتكلم معه بالسنديّة ثم أقبل يحاجّه و ينقله من شي‌ء إلي شي‌ء بالسنديّة في النصرانية، فسمعت السنديّ يقول بالسنديّة، ثبطي ثبطي ثبطلة فقال الرضا عليه السلام: «قد وحّد اللّه تعالي بالسنديّة».

ثمّ كلمه في عيسي بن مريم فلم يزل يدرجه من حال إلي حال، إلي أن قال بالسنديّة: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه. ثمّ رفع منطقة كانت عليه، فظهر من تحتها زنار في وسطه، فقال: اقطعه أنت بيدك، يا ابن رسول اللّه.

فدعا الرضا عليه السلام بسكّين، فقطعه، ثمّ قال لمحمّد بن الفضل الهاشمي: «خذ السنديّ إلي الحمّام و طهّره، و اكسه و عياله، و احملهم جميعا إلي المدينة.

فلمّا فرغ من مخاطبة القوم، قال: الآن صحّ عندكم ما كان محمّد بن الفضل يلقي عليكم عنّي». فقالوا: نعم، و اللّه قد بان لنا منك فوق ذلك أضعافا مضاعفة، و لقد ذكر لنا محمّد بن الفضل أنّك تحمل إلي خراسان. فقال: «صدق محمّد، إلّا أنّي أحمل مكرّما معظّما مبجّلا».

قال محمّد بن الفضل: فشهد له الجماعة بالإمامة، و بات عندنا تلك الليلة، فلمّا أصبح ودّع الجماعة، و أوصاني بما أراد، و مضي، فتبعته أشيعه حتّي إذا صرنا في وسط البرية، عدل عن الطريق، فصلّي أربع ركعات، ثمّ قال: «يا محمّد، انصرف في حفظ اللّه، فغمض طرفك» فغمضته ثمّ قال: «افتح عينك» ففتحها، فإذا أنا بباب منزلي بالبصرة، و لم أر الرضا عليه السلام قال: و حملت السنديّ و عياله إلي المدينة في وقت الموسم.

و في ذلك عدّة آيات لا تتعلق بما قصدناه، إلّا أنّي أوردت الجميع صيانة للخبر.

في بيان آيات روح الله عيسي بن مريم ممّا ذكره الله تعالي في القرآن و فيه: أربعة و عشرون حديثا

قال اللّه تعالي: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلي والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتي بِإِذْنِي.

و قال اللّه تعالي: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.

و قال تعالي: وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.

و قال عزّ و جل: وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.

و قال اللّه تعالي في حقّ أمّه و هو في بطنها: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.

و قال اللّه تعالي: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّي لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

فأمّا مريم عليها السلام فكفلها زكريا، و ضمّها إليه، و جلست هي في محرابها تعبد اللّه عزّ و جل، يأتيها رزقها بكرة و عشيا.

و إنّ اللّه جلّ ثناؤه قد أعطي فاطمة الزهراء عليها السلام مثل ذلك، و جاءت به فاطمة إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله فقال: «يا فاطمة، أنّي لك هذا؟» قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

فرفع النبيّ صلي الله عليه و آله يديه و قال: «الحمد للّه الذي جعل في أهل بيتي نظير زكريا و مريم إذ قال لها يا مَرْيَمُ أَنَّي لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

۱۷۲) و روي عليّ بن معمّر، عن الصادق عليه السلام، قال: قالت أم أيمن: خرجت إلي مكّة فأصابني عطش شديد في الجحفة، حتّي خفت علي نفسي، ثمّ رفعت رأسي إلي السماء و قلت: يا ربّ، أ تعطشني و أنا خادمة ابنة نبيّك، فنزل إليّ دلو من السماء».

و في رواية أخري: «دلو من ماء الجنّة، فشربت، و حقّ سيّدتي ما جعت و لا عطشت سبع سنين».

و في رواية أخري: عطشت فيما بين مكّة و المدينة عطشا شديدا، فأنزل اللّه تعالي عليها دلوا من السماء، فشربت منها، فما عطشت بعدها أبدا، و إن كان أهل المدينة لتستعين بها عليها في اليوم الشديد الحر و ما يصيبها عطش.

۱۷۳) و روي سعيد بن جبير، قال: قال يزيد بن قعنب: كنت جالسا مع العبّاس بن عبد المطّلب و فريق من بني عبد العزي بإزاء بيت اللّه الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد عليها السلام- أمّ أمير المؤمنين عليه السلام- و كانت حاملة لتسعة أشهر، و قد أخذها الطلق، فقالت: ربّ إنّي مؤمنة بك، و بما جاء من عندك من رسل و كتب، و إنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل عليه السلام، و أنّه بني البيت العتيق، فبحق الذي بني هذا البيت العتيق، و بحق المولود الذي في بطني لما يسّرت عليّ ولادتي.

قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت قد انفتح عن ظهره، و دخلت فاطمة فيه، و غابت عن أبصارنا، و التصق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من اللّه تعالي، ثمّ خرجت بعد الرابع، و بيدها عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، ثمّ قالت: إنّي فضلت علي من تقدّمني من النساء، لأنّ آسية بنت مزاحم امرأة فرعون عبدت اللّه سرا في موضع لا يحب أن يعبد اللّه فيه إلّا اضطرارا، و إنّ مريم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتّي أكلت منها رطبا جنيا، و إنّي دخلت بيت اللّه الحرام، و أكلت من ثمار الجنّة و أرزاقها، فلمّا أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سمّيه عليّا و هو علي، و اللّه تعالي العلي الأعلي، يقول: إنّي شققت اسمه من اسمي، و أدّبته بأدبي، و وقفته علي غوامض علمي، و هو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، و يقدّسني، و يمجّدني، فطوبي لمن أحبّه و أطاعه، و ويل لمن أبغضه و عصاه.

و أمّا قوله تعالي: فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا. فإنّ مريم عليها السلام لمّا ولدت عيسي عليه السلام ناداها من تحتها: إنّ اللّه قد جعل تحتك نهرا تشربين منه، فإذا جعت فهزي بجذع النخلة، تساقط عليك رطبا جنيا فكلي منه.

و إنّ اللّه عزّ و جلّ قد جعل لأئمتنا صلوات اللّه عليهم أمثال ذلك، و قد ذكرنا كثيرا من ظهور العين لهم في مواضع،

۱۷۴) و قد روت الخاصّة و العامّة أنّ عليّ بن موسي الرضا صلوات اللّه عليه لمّا خرج من نيسابور متوجها إلي مرو، و بلغ قريبا من القرية الحمراء، فدخل وقت الصلاة، و طلب الماء ليتوضأ، فلم يجد، نزل و حكّ الأرض بسوطه، فنبع له عين ماء فتوضأ هو و من كان معه منها، و العين باقية إلي اليوم يقال لها: (عين الرضا).

و أمّا خروج الرطب من الشجر اليابس فقد ذكرنا أمثال ذلك كثيرا في هذا الكتاب، لأئمتنا صلوات اللّه عليهم.

۱۷۵) فقد روي عليّ بن أبي حمزة قال: حججت مع الصادق عليه السلام، فجلسنا في بعض الطريق تحت نخلة يابسة، فحرّك شفتيه بدعاء لم أفهمه، ثمّ قال: «يا نخلة، أطعمينا ممّا جعل اللّه تعالي فيك من رزق عباده».

قال: فنظرت إلي النخلة و قد تمايلت نحو الصادق عليه السلام بأوراقها، و عليها الرطب، قال: «أدن فقل: بسم اللّه، و كل» فأكلنا منها رطبا أطيب رطب و أعذبه، فإذا نحن بأعرابي يقول: ما رأيت كاليوم سحرا أعظم من هذا! فقال الصادق عليه السلام: «نحن ورثة الأنبياء، ليس فينا ساحر و لا كاهن، بل ندعو اللّه فيستجيب دعاءنا، و إن أحببت أن أدعوا اللّه فتمسخ كلبا تهتدي إلي منزلك، و تدخل عليهم فتبصبص لأهلك».

قال الأعرابي بجهله: بلي. فدعا اللّه تعالي، فصار كلبا في وقته، و مضي علي وجهه، فقال لي الصادق صلوات اللّه عليه: «اتّبعه» فاتبعته حتّي صار في حيّه، فدخل منزله، فجعل يبصبص لأهله و ولده، فأخذوا له عصا فأخرجوه، فانصرفت إلي الصادق عليه السلام فأخبرته بما كان، فبينما نحن في حديثه إذ أقبل حتّي وقف بين يدي الصادق عليه السلام، و جعلت دموعه تسيل، و أقبل يتمرّغ في التراب، و يعوي، فرحمه، و دعا اللّه تعالي فعاد أعرابيا.

فقال له الصادق عليه السلام: «هل آمنت يا أعرابي؟» قال: نعم ألفا و ألفا.

و أمّا كلام عيسي صلوات اللّه عليه في المهد، فهو ما قال اللّه تعالي: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا. وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا.

و قد تكلّم أئمتنا صلوات اللّه عليهم في بطن الأمّ، و في المهد، و قد تكلم أبو عبد اللّه الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما في بطن الأمّ، و تكلمات من قبل فاطمة في بطن أمّها.

۱۷۶) روي يعقوب السرّاج، قال: دخلت علي الصادق جعفر بن محمّد صلوات اللّه عليهما، فسلّمت عليه، فقال: «سلّم علي مولاك» و أشار إلي مهد في ضفة أخري، فيه موسي بن جعفر صلوات اللّه عليهما، فمشيت إليه، و قلت: السلام عليك يا مولاي.

قال: «و عليك السلام، يا يعقوب إنّه قد ولد لك البارحة بنت فسمّيتها باسم يبغضه اللّه تعالي فغيره».

۱۷۷) و روي محمّد بن ميمون- و قد أوردته في هذا الكتاب- قال: كنت مع الرضا عليه السلام بمكّة قبل خروجه إلي خراسان، فقلت له: إنّي أريد أن أقدم إلي المدينة، فأكتب لي كتابا إلي أبي جعفر صلوات اللّه عليه، فتبسّم، فكتب، و صرت إلي المدينة، و قد كان ذهب بصري، فأخرج الخادم أبا جعفر إلينا، فحمله في المهد، و ناوله الكتاب، فقال لموفق الخادم: «فضه و انشره» ففضّه و نشره بين يديه، و نظر فيه، ثمّ قال: «يا محمّد، ما أصاب بصرك؟» فقلت: يا ابن رسول اللّه، اعتلت عيناي، فذهب بصري كما تري.

قال: فمدّ يده فمسح بها علي عيني، فعاد إليّ بصري كأصح ما كان، فقبّلت يده و رجله، و انصرفت من عنده و أنا بصير.

۱۷۸) و روي محمّد بن علي الطهوي، عن حكيمة بنت محمّد عليه السلام- في حديث طويل- قالت: دخلت علي أبي محمّد صلوات اللّه عليه، فلمّا أردت الانصراف، قال: «بيتي الليلة عندنا، فإنّه سيولد الليلة المولود الكريم علي اللّه عزّ و جلّ، الذي يحيي اللّه عزّ و جل به الأرض بعد موتها» قلت: ممّن يا سيّدي، و لست أري بنرجس شيئا من الحبل؟! قال: «من نرجس، لا من غيرها».

قالت: فقمت إليها، فقلّبتها ظهرا و بطنا، فلم أر بها أثر حبل، فعدت إليه، فأخبرته بما فعلته، فتبسم، ثمّ قال: «إذا كان وقت الفجر يظهر بها الحبل، لأنّ مثلها مثل أمّ موسي لم يظهر بها الحبل، و لم يعلم به أحد إلي وقت ولادتها، لأنّ فرعون كان يشق (بطون الحبالي) في طلب موسي، و هذا نظير موسي صلوات اللّه عليهما».

قالت حكيمة: فعدت إليها و أخبرتها. قالت: و سألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي، ما أري بي شيئا من هذا.

قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلي وقت طلوع الفجر، و هي نائمة بين يدي تتقلب جنبا إلي جنب، حتّي إذا كان آخر الليل، وقت طلوع الفجر، و ثبت فزعة، فضممتها إلي صدري، و سمّيت عليها، فقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر بي الأمر الذي أخبرك مولاي.

فصاح أبو محمّد عليه السلام: اقرئي عليها إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فأقبلت أقرأ عليها، كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ بمثل ما أقرأ، و سلّم علي.

قالت حكيمة: ففزعت لمّا سمعت، فصاح بي أبو محمّد صلوات اللّه عليه: «لا تعجبي من أمر اللّه، إنّ اللّه ينطقنا بالحكمة صغارا، و يجعلنا حججا في أرضه كبارا» فلم يستتم الكلام حتّي غيبت عنّي نرجس، فلم أرها، كأنّما ضرب بيني و بينها حجاب، فعدوت نحو أبي محمّد صلوات اللّه عليه و أنا صارخة، فقال لي: «ارجعي يا عمّة، فإنّك ستجدينها في مكانها».

قالت: فرجعت، فلم ألبث حتّي انكشف الغطاء الذي بيني و بينها، و إذا أنا بها و عليها من أثر النور ما غشي بصري، و إذا بالصبي ساجد بوجهه، جاث علي ركبتيه، رافع سبابتيه نحو السماء، و هو يقول: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، و أشهد أنّ جدّي رسول اللّهصلي الله عليه و آله و أنّ أبي أمير المؤمنين» ثمّ عدّ إماما إماما إلي أن بلغ إلي نفسه، ثمّ صلّي عليهم، ثمّ قال صلوات اللّه عليه: «اللهمّ انجز لي ما وعدتني، و تمم لي أمري، و ثبّت وطأتي، و املأ الأرض بي عدلا و قسطا» فصاح بي أبو محمّد، و قال: «يا عمّة تناوليه، و هاتيه»

فتناولته و أتيت به نحوه، فلمّا مثلته بين يدي أبيه، و هو علي يدي، سلّم علي أبيه، فتناوله منّي و الطير يرفرف علي رأسه.

و في الحديث طول.

۱۷۹) و في رواية موسي بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن جعفر عليهما السلام زيادة و هي: لمّا ناولته وضع يده تحت أليته و ظهره، و وضع قدميه علي صدره، ثمّ أدلي لسانه في فيه، و أمرّ يده علي عينيه و سمعه و مفاصله، ثمّ قال: «تكلم يا بني» فتكلم بما ذكرنا.

قالت حكيمة: فلمّا كان اليوم السابع جئت و سلّمت و جلست، فقال: «هاتي ابني» فأتيت به إليه، و هو في الخرقة، ففعل به كفعلته الأولي، ثمّ أدلي لسانه في فيه، كأنّما يغذّيه لبنا و عسلا، ثمّ قال: «تكلم يا بني».

فتكلم علي ما ذكرناه، ثمّ تلا: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَي الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ».

۱۸۰) عن إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثتني نسيم جارية أبي محمّد صلوات اللّه عليه، قالت: دخلت عليه بعد مولده بليلة، فعطست، فقال لي: «يرحمك اللّه» ففرحت، فقال لي صلوات اللّه عليه: «أ لا أبشرك بالعطاس؟» فقلت: بلي. قال: «أمان من الموت ثلاثة أيّام».

و أمثال ذلك كثرة لا تحصي.

و أمّا ما علّمه اللّه تعالي من الكتاب و الحكمة و التوراة و الإنجيل في الصبا كما ذكره اللّه تعالي في كتابه العزيز، فقد ذكرنا أمثال ذلك في هذا الكتاب، فلا حاجة لنا إلي إطالة الكتاب بتكرارها.

و أمّا ما كان يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها، فيكون طيرا بإذن اللّه، فقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يشاكله من قلب الصورة أسدا لموسي، و ابنه الرضا عليهم السلام.

و أمّا ما كان يبرئ من الأكمه و الأبرص، فقد ذكرنا أمثال ذلك، و سنذكر أشياء أخر، منها: ما حدّث به:

۱۸۱) عمر بن أذينة، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «دخل الأشتر علي عليّ صلوات اللّه عليه [فسلّم] فأجابه، ثمّ قال: ما أدخلك عليّ في هذه الساعة؟ قال: حبك يا أمير المؤمنين.

قال: فهل رأيت ببابي أحدا؟ قال: نعم، أربعة نفر.

فخرج و الأشتر معه، فإذا بالباب أكمه، و مكفوف، و أبرص، و مقعد، فقال: ما تصنعون هاهنا؟ قالوا: جئناك لما بنا. فرجع ففتح حقا له، فأخرج رقا أبيض، فيه كتاب أبيض، فقرأ عليهم، فقاموا كلّهم من غير علة».

۱۸۲) و روي عبد الواحد بن زيد، قال: حججت، فرأيت عند الكعبة جاريتين تقول إحداهما للأخري: لا و حق المنتجب للوصيّة، الحاكم بالسويّة، العادل في القضيّة، بعل فاطمة المرضيّة، ما فعلت كذا و كذا.

فقلت لها: أيّتها الجارية، و من الذي تصفينه بهذه الصفة؟

قالت: ذلك و اللّه علم الأعلام، و باب الأحكام، رباني الأمّة، و رئيس الأئمة: عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

فقلت لها: و أنت تعرفينه؟! قالت: و كيف لا أعرفه؟! و قد قتل أبي و عمّي و ابن عمي- و ذكرت جماعة من عشيرتها- بين يديه، و لقد دخل ذات يوم علي والدتي، فسلّم، و قال: «يا أمّ الأيتام، كيف أنت؟» فقالت أمّي: يا أمير المؤمنين، كيف حال من فقدت قيمها، و هي ممتحنة بأولادها. و أخرجتني و بي جدري، و قد ذهبت عيناي، فلمّا نظر إليّ توجع، و مسح بيده علي عيني، فردهما اللّه عليّ في الحال، و إنّي لأنظر ببركته في الليلة الظلماء إلي الجمل الشارد.

قال عبد الواحد: فعمدت إلي نفقتي، و حللت دينارا، فأعطيتها، فرمت به إلي، و قالت: أ تحقّر محبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام؟! ثمّ تولت و أنشأت تقول هذه الأبيات:

ما بث حبّ عليّ في جنان فتي

إلّا و قد شهدت بالنعمة النعم

و لا له قدم زلّ الزمان بها

إلّا و قد ثبتت من بعدها قدم

ما سرّني أن أكن من غير شيعته

لو أنّ لي ما حوته العرب و العجم

ثمّ قالت: نحن و اللّه اليوم في عيال أكرم خلف عن أفضل سلف نحن في عيال أبي محمّد الحسن صلوات اللّه عليه.

و أعجب من جميع ما ذكرناه ما شاهدناه في زماننا، و هو أنّ أنوشروان المجوسيّ الأصفهاني، كان بمنزلة عند خوارزمشاه، فأرسله رسولا إلي حضرة السلطان سنجر بن ملكشاه، و كان به برص فاحش، و كان يهاب أن يدخل علي السلطان لما قد عرف من نفور الطبائع منه؛ فلمّا وصل إلي حضرة الرضا صلوات اللّه عليه بطوس، قال له بعض الناس: لو دخلت قبته، و زرته، و تضرعت حول قبره، و تشفعت به إلي اللّه سبحانه و تعالي، لأجابك إليه، و أزال عنك ذلك.

فقال: إنّي رجل ذمّي، و لعل خدم المشهد يمنعوني من الدخول في حضرته فقيل له غير زيك، و ادخلها من حيث لا يطّلع علي حالك أحد.

ففعل، و استجار بقبره، و تضرع بالدعاء، و ابتهل، و جعله وسيلة إلي اللّه سبحانه و تعالي، فلمّا خرج، نظر إلي يده، فلم ير فيها أثر البرص، ثمّ نزع ثوبه، و تفقّد بدنه، فلم يجد به أثرا، فغشي عليه، و أسلم، و حسن إسلامه، و قد جعل للقبر شبه صندوق من الفضّة، و أنفق عليه مالا، و هذا مشهور شائع رآه خلق كثير من أهل خراسان.

و ممّا شاهدناه أيضا أنّ محمّد بن علي النيسابوري قد كفّ بصره منذ سبع عشرة سنة، لا يبصر عينا و لا أثرا، فورد حضرته صلوات اللّه عليه من نيسابور زائرا إذ دخلها متضرعا، و زار، فوضع وجهه علي قبره باكيا، و رفع رأسه بصيرا، و سمّي بالمعجزي، و بقي بعد ذلك مدّة مديدة، و أقام بالمشهد الشريف بقيّة عمره، و قد تزوّج به، و رزق أولادا، و لم توجعه عينه بعد ذلك، و لم يعرف إلّا بالمعجزي، و قد عرفه بذلك السلطان و الرعيّة، فيا لها من فضيلة قد فاق فضلها وراق خبرها.

و ممّا يشاكل نفخه في الطين، حتّي كان طيرا بإذن اللّه تعالي ما حدّث به:

۱۸۳) الربيع- حاجب المنصور- قال: وجّه المنصور إلي سبعين رجلا من أهل بابل، فدعاهم، فقال: ويحكم، أنتم ورثتم السحر من آبائكم من أيّام موسي بن عمران، و أنّكم لتفرقون بين المرء و زوجه، و أنّ أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد ساحر كاهن مثلكم، فاعملوا شيئا من السحر، فإنّكم إن بهتموه أعطيتكم الجائزة العظيمة، و المال الجزيل.

فقاموا إلي المجالس الذي فيه المنصور، فصوروا سبعين صورة من صور السباع، و جلس كلّ واحد منهم بجنب صاحبه، و جلس المنصور علي سرير ملكه، و وضع التاج علي رأسه، ثمّ قال لحاجبه: ابعث إلي أبي عبد اللّه و احضره الساعة.

قال: فلمّا دخل عليه، و نظر إليهم، و إليه، و ما قد استعد له غضب و قال: «ويلكم، أ تعرفوني؟! أنا حجّة اللّه الذي أبطل سحر آبائكم في أيّام موسي بن عمران».

ثمّ نادي برفيع صوته: «أيّتها الصور المتمثلة، ليأخذ كلّ واحد منكم صاحبه، بإذن اللّه تعالي».

قال: فوثب كلّ سبع إلي صاحبه، و افترسه، و ابتلعه في مكانه، و وقع المنصور عن سريره مغشيا عليه، فلمّا أفاق قال: اللّه، اللّه يا أبا عبد اللّه، ارحمني و أقلني فإنّي تبت توبة لا أعود إلي مثلها أبدا. فقال صلوات اللّه عليه و آله: «قد أقلتك، و عفوت عنك».

ثمّ قال: يا سيّدي، قل للسباع أن تردّهم إلي ما كانوا.

قال: «هيهات، إن أعادت عصا موسي سحرة فرعون، فستعيد السباع هذه السحرة».

و معني قوله: «أنا حجّة اللّه الذي أبطل سحر آبائكم: في أيّام موسي»: أنّي مثل ذلك الحجّة.

و للصادق عليه السلام مع المنصور آيات كثيرة عجيبة، منها ما حدّث به:

۱۸۴) محمّد بن الأسقنطوريّ و كان وزيرا للدوانيقي، و أنّه كان يقول بإمامة الصادق صلوات اللّه عليه، قال: دخلت يوما علي الخليفة و هو يكفر، فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذه الفكرة؟ قال: قتلت من ذرّية فاطمة ألف سيّد أو يزيدون، و تركت سيّدهم و مولاهم و إمامهم. فقلت: و من ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: جعفر بن محمّد، و قد علمت أنّك تقول بإمامته، و أنّه إمامي و إمامك و إمام هذا الخلق جميعا، و لكن الآن أفرغ منه.

قال ابن الأسقنطوري: لقد أظلمت الدنيا عليّ من الغم، ثمّ دعا بالموائد، فأكل و شرب و أمر الحاجب أن يخرج الناس من مجلسه، فبقيت أنا و هو، ثمّ دعا سيافا له، فقال: يا سيّاف. قال: لبيك يا أمير المؤمنين.

قال: الساعة احضر جعفر بن محمّد و أشغله بالكلام، فإذا رفعت عمامتي عن رأسي فاضرب عنقه. قال السيّاف: نعم يا سيّدي.

قال: فلحقت السيّاف، و قلت: ويلك يا سيّاف، أ تقتل ابن رسول اللّه صلي الله عليه و آله؟! فقال: لا و اللّه، و لا أفعل ذلك. فقلت: و ما الذي تفعل؟!

قال: إذا حضر جعفر بن محمّد، و شغله بالكلام، و قلع قلنسوته من رأسه ضربت عنق الدوانيقي، و لا أبالي إلي ما صرت إليه. قلت: الرأي الذي أصبت.

قال: فأحضر جعفر بن محمّد عليهما السلام علي حمار مصري، و كان ينزل موضع الخلفاء، فلحقته في الستر و هو يقول: «يا كافي موسي فرعون، اكفني شرّه».

ثمّ لحقته في الستر الذي بيني و بين الدوانيقي، و هو يقول: «يا دائم يا دائم». ثمّ أطبق شفتيه، و لم أدر ما قال.

فرأيت القصر يموج كأنّه سفينة في لجّة البحر، و رأيت الدوانيقيّ يسعي بين يديه، حافي القدم، مكشوف الرأس، و قد اصطكت أسنانه، و ارتعدت فرائصه، و أخذ بعضده، و أجلسه علي سريره، و جثا بين يديه كما يجثو العبد بين يدي مولاه، و قال: يا مولاي، ما الذي جاء بك؟ قال: «قد دعوتني فجئتك» قال: مرني بأمرك.

قال: «أسألك أن لا تعود تدعوني حتّي أجيئك. قال: سمعا و طاعة لأمرك.

ثمّ قام و خرج صلوات اللّه عليه و آله، و دعا أبو جعفر الدوانيقيّ بالدواويج و السمور و الحواصل، و نام، و لبس الثياب عليه، و ارتعدت فرائصه، و ما انتبه إلّا نصف الليل، فلمّا انتبه، قال لي: أنت جالس يا هذا، قلت: نعم، يا أمير المؤمنين.

قال: أ رأيت هذا العجب؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين.

قال: لا و اللّه، لمّا أن دخل جعفر بن محمّد عليّ رأيت قصري يموج كأنّه سفينة في لجج البحر، و رأيت تنينا قد فغر فاه، و وضع شفته السفلي في أسفل قبّتي هذه، و شفته العليا في أعلاها، و هو يقول لي بلسان عربي مبين: يا منصور؛ إنّ اللّه تعالي قد أمرني أن أبتلعك مع أهل قصرك و من حضرك جميعا إن أحدثت حدثا. فلمّا سمعت منه ذلك طاش عقلي و ارتعشت يدي و رجلي، فقلت: أسحر هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: أسكت، أ ما تعلم أنّ جعفر بن محمّد خليفة اللّه في أرضه؟!

و أمّا إحياء عيسي عليه السلام الموتي، فهو مشهور عند الخاص و العام، و قد ذكره اللّه تعالي في القرآن.

و قد أعطي اللّه أئمتنا صلوات اللّه عليهم كثيرا من ذلك، و قد أوردنا بعضه، و سنورد أيضا طرفا، و هو ما حدّث به:

۱۸۵) الأصبغ بن نباتة، قال: مرّ مولاي أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه بمقبرة، و نظر إلي القبور، فقال: «أ تحب أن أريك آية بإذن اللّه تعالي؟» فقلت: نعم يا مولاي.

فأشار بيده إلي قبر، و قال: «قم يا ميت» فقام شيخ و قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، و خليفة ربّ العالمين. فقال صلوات اللّه عليه: «من أنت يا شيخ؟».

فقال: أنا عمرو بن دينار الهمداني، قتلت في واقعة الأنبار، قتلني أصحاب معاوية مع أمير الأنبار.

فقال: «اذهب إلي أهلك و أولادك و حدّثهم بما رأيت، و قل لهم: إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام أحياني و ردّني إليكم بإذن اللّه».

و أمّا ما كان عيسي عليه السلام ينبئ بما يأكل الناس و ما يدّخرون في بيوتهم، فإنّ اللّه تعالي قد أعطي أئمتنا صلوات اللّه عليهم أفضل من ذلك فقد روي:

۱۸۶) المعلي بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن بكّار القمّي، قال: حججت أربعين حجّة، فلمّا كان في آخرها اصبت بنفقتي بجمع، فقدمت مكّة، فأقمت حتّي صدر الناس، ثمّ قلت: أصير إلي المدينة، فأزور رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و أنظر إلي سيّدي أبي الحسن موسي عليه السلام، و عسي أن أعمل بيدي، فأجمع شيئا، فأستعين به علي طريقي إلي الكوفة.

فخرجت حتّي صرت إلي المدينة، فأتيت رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فسلّمت عليه، ثمّ رجعت إلي المصلّي الذي يقوم فيه الفعلة، فقمت فيه رجاء أن يسبّب اللّه لي عملا، فبينا أنا كذلك إذا أنا برجل قد أقبل، فاجتمع حوله الفعلة، فجئت فوقفت معهم، فذهبت الجماعة فاتّبعته، و قلت: يا عبد اللّه، إنّي رجل غريب، فإن رأيت أن تذهب بي معهم فتستعملني. فقال: أنت من أهل الكوفة؟ قلت: نعم. قال: اذهب.

فانطلقت معه إلي دار كبيرة تبني جديدة، فعملت فيها أيّاما، و كنا لا نعطي من أسبوع إلي أسبوع، إلّا يوما واحدا، و كان العملة لا يعملون، فقلت للموكّل: استعملني عليهم حتّي استعملهم و أعمل معهم. قال: قد استعملتك. فكنت أعمل معهم و استعملهم.

قال: فإنّي لواقف ذات يوم علي السلم إذ نظرت إلي أبي الحسن موسي بن جعفر صلوات اللّه عليه قد أقبل و أنا في سلّم الدار، فدار فيها، ثمّ رفع رأسه إلي، فقال: «بكار جئتنا! انزل» فنزلت.

قال: فتنحّي ناحية فقال: «ما تصنع هاهنا؟» قلت: جعلت فداك، أصبت بنفقتي بجمع، فأقمت في مكة إلي أن صدر الناس، ثمّ إنّي صرت إلي المدينة، فأتيت المصلّي، فقلت أطلب عملا، فبينا أنا قائم إذ جاء وكيلك، فذهب برجاله، فسألته أن يستعملني كما يستعملهم. فقال: «أقم يومك هذا».

فلمّا كان من الغد، و كان اليوم الذي يعطون فيه، جاء فقعد علي الباب، فجعل الوكيل يدعو برجل رجل و يعطيه، و كلّما ذهبت لأدنو قال لي بيده كذا، حتّي إذا كان في آخرهم قال لي: «أدن منّي» فدنوت، فدفع إليّ صرّة فيها خمسة عشر دينارا، قال: «خذ، هذه نفقتك إلي الكوفة». ثمّ قال: «اخرج غدا» فقلت: نعم، جعلت فداك. و لم أستطع أن أردّه، ثمّ ذهب و عاد إليّ الرسول، فقال: قال أبو الحسن عليه السلام: «ائتني غدا قبل أن تذهب».

فلمّا كان من الغد أتيته، فقال: «اخرج الساعة حتّي تصير إلي فيد، فإنّك توافق قوما يخرجون إلي الكوفة، و هاك هذا الكتاب فادفعه إلي عليّ بن أبي حمزة».

قال: فانطلقت، فلا و اللّه، ما تلقّاني خلق حتّي صرت إلي فيد، فإذا قوم قد تهيّأوا للخروج إلي الكوفة من الغد، فاشتريت بعيرا، و صحبتهم إلي الكوفة، فدخلتها ليلا، فقلت: أصير إلي منزلي فأرقد ليلتي هذه، ثمّ أغدو بكتاب مولاي إلي عليّ بن أبي حمزة، فأتيت منزلي فأخبرت أنّ اللصوص دخلوا حانوتي قبل قدومي بأيّام.

فلمّا أن أصبحت صلّيت الفجر، فبينا أنا جالس متفكّر فيما ذهب لي من حانوتي إذا أنا بقارع يقرع الباب، فخرجت، فإذا عليّ بن أبي حمزة، فعانقته و سلّم علي، ثمّ قال لي: يا بكّار، هات كتاب سيّدي.

قلت: نعم، و قد كنت علي المجي‌ء إليك الساعة.

قال: هات، قد علمت أنّك قدمت ممسيا. فأخرجت الكتاب، فدفعته إليه، فأخذه و قبّله، و وضعه علي عينيه، و بكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: شوقا إلي سيّدي، ففك الكتاب و قرأه، ثمّ رفع رأسه إلي، و قال: يا بكّار، دخل عليك اللصوص؟ قلت نعم.

قال: أخذوا ما كان في حانوتك قلت: نعم.

قال: إنّ اللّه تعالي قد أخلف عليك ما ذهب منك، و أعطاني أربعين دينارا فقوّمت ما ذهب منّي، فإذا قيمته أربعون دينارا، ففتح الكتاب فإذا فيه بأن ادفع إلي بكّار أربعين دينارا قيمة ما ذهب من حانوته، و المنة اللّه.

۱۸۷) عن أحمد بن عمر، قال: خرجت إلي الرضا صلوات اللّه عليه و امرأتي بها حبل، فقلت له: إنّي خلّفت أهلي و هي حامل، فادع اللّه أن يجعله ذكرا. فقال لي: «و هو ذكر، فسمّه، عمر».

فقلت: نويت أن أسميه عليّا، و أمرت الأهل به، قال: «سمّه عمر».

فوردت الكوفة و قد ولد لي ابن و سمّي عليّا، فسمّيته عمر، فقال لي جيراني: لا نصدّق بعدها بشي‌ء ممّا كان يحكي عنك. فعلمت أنّه كان أنظر لي من نفسي.

۱۸۸) و عن بكر بن صالح، قال: قلت للرضا صلوات اللّه عليه: امرأتي أخت محمّد بن سنان بها حبل، فادع اللّه تعالي أن يجعله ذكرا. قال: «هما اثنان» فقلت في نفسي: محمّد و علي، فدعاني بعد انصرافي فقال: «سم واحدا عليّا، و الأخري أمّ عمرو».

فقدمت الكوفة و قد ولد لي غلام و جارية في بطن واحد، فسمّيت كما أمرني فقلت لأمّي: ما معني أم عمرو؟ فقالت: إنّ أمّي كانت تدعي أم عمرو.

۱۸۹) «۱۸»- و روي أيضا جعفر بن الشريف الجرجاني، قال: حججت سنة، فدخلت علي أبي محمّد صلوات اللّه عليه بسرّمن‌رأي، و قد كان أصحابنا حملوا معي شيئا من المال، فأردت أن أسأله إلي من أدفعه، فقال قبل أن قلت ذلك: «ادفع ما معك إلي المبارك خادمي».

قال: ففعلت ذلك، فقلت: إنّ شيعتك بجرجان يقرءون عليك السلام. فقال: «أو لست منصرفا بعد فراغك من الحجّ؟!» قلت: بلي.

قال: «فإنّك تصير إلي جرجان من يومك هذا إلي مائة و تسعين يوما، و تدخلها يوم الجمعة لثلاث ليال مضين من شهر ربيع الآخر، في أوّل النهار، فاعلمهم أنّي أوافيهم آخر النهار؛ فامض راشدا، فإنّ اللّه سيسلّمك و يسلّم ما معك، و تقدم علي أهلك و ولدك، و ولد لولدك الشريف ابن فسمّه الصلت بن الشريف بن جعفر بن الشريف، و سيبلغ اللّه به، و يكون من أوليائنا».

قلت: يا ابن رسول اللّه، إنّ إبراهيم بن إسماعيل الخلنحيّ- و هو من شيعتك- كثير المعروف إلي أوليائك، يخرج إليهم في السنة أكثر من مائة ألف درهم، و هو أحد المتقلّبين في نعم اللّه بجرجان.

فقال: شكر اللّه لأبي إسحاق و إبراهيم بن إسماعيل صنعه إلي شيعتنا، و غفر له ذنوبه، و رزقه اللّه ذكرا سويا، قائلا بالحق، فقل له: يقول لك الحسن بن علي: سم ابنك أحمد».

فانصرفت من عنده، و حججت، و سلّمني اللّه تعالي، حتّي وافيت جرجان في يوم الجمعة أوّل النهار، كما ذكر صلوات اللّه عليه و آله، و جاءني أصحابنا يهنّئوني، فأعلمتهم أنّ الإمام وعدني أن يوافيكم في آخر هذا النهار، فتأهّبوا لما تحتاجون إليه، و أعدّوا مسائلكم و حوائجكم كلّها.

فلمّا صلّوا الظهر و العصر اجتمعوا كلّهم في داري، فو اللّه ما شعرنا إلّا و قد وافانا أبو محمّد، فدخل علينا، و نحن مجتمعون، فسلّم هو أوّلا علينا، فاستقبلناه و قبّلنا يديه، ثمّ قال: «إنّي كنت وعدت جعفر بن الشريف أن أوافيكم في آخر هذا اليوم فصلّيت الظهر و العصر بسرّمن‌رأي و صرت إليكم لأجدّد بكم عهدا، و ها أنا قد جئتكم الآن، فاجمعوا مسائلكم و حوائجكم كلّها».

فأوّل من ابتدأ بالمسائل النصر بن جابر، قال: يا ابن رسول اللّه، إن ابني جابرا أصيب ببصره منذ أشهر، فادع اللّه تعالي أن يردّ عليه بصره. قال: «فهاته» فمسح بيده علي عينيه فصار بصيرا.

ثمّ تقدّم رجل فرجل، يسألونه حوائجهم، فأجابهم إلي كلّ ما سألوه حتّي قضي حوائج الجميع، و دعا لهم بخير، و انصرف من يومه ذلك.

۱۹۰) «۱۹»- و حدّث عليّ بن زيد بن عليّ بن الحسين بن زيد بن علي، قال: صحبت أبا محمّد عليه السلام من دار العامّة إلي منزله، فلمّا صار إلي الدار، و أردت الانصراف، قال: «أمهل» فدخل ثمّ أذن لي فدخلت، فأعطاني مائة دينار، و قال: «صيّرها في ثمن جارية، فإنّ جاريتك فلانة قد ماتت».

و كنت خرجت من المنزل و عهدي بها أنشط ما كانت، فمضيت فإذا الغلام قال: ماتت جاريتك فلانة الساعة.

قلت: ما حالها؟ قال: شربت ماء فشرقت، فماتت.

۱۹۱) «۲۰»- عن أبي هاشم الجعفري، قال: ركب أبو محمّد عليه السلام يوما إلي الصحراء، فركبت معه، فبينا نسير، و هو قدّامي و أنا خلفه، إذ عرض لي فكر في دين كان علي، فجعلت أفكر في أي وجه يكون قضاؤه.

فالتفت إليّ و قال: «اللّه يقضيه» ثمّ انحني علي قربوس سرجه، فخطّ بسوطه خطة في الأرض، و قال: «يا أبا هاشم، انزل فخذ، و اكتم».

فنزلت فإذا بسبيكة ذهب، قال: فوضعتها في خفي و سرنا، فعرض لي الفكر، فقلت: إن كان فيها تمام الدين، و إلّا فإنّي أرضّي صاحبه بها، و يجب أن ننظر الآن في نفقة الشتاء، و ما نحتاج إليه من كسوة و غيرها.

فالتفت إليّ ثمّ انحني ثانية، و خطّ بسوطه خطة مثل الأولي، ثمّ قال: «انزل، فخذ، و اكتم».

فنزلت فإذا بسبيكة فضّة فجعلتها في خفي الآخر، و سرنا يسيرا، ثمّ انصرف إلي منزله، و انصرفت إلي منزلي و جلست، و حسبت ذلك الدين، و عرفت مبلغه، ثمّ وزنت سبيكة الذهب، فخرجت بقسط ذلك الدين، ما زادت و لا نقصت.

و من تأمل ذلك عرف أن ذلك يزيد علي ما أخبرنا بما يأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم، و اللّه الموفق.

و أمّا قوله تعالي: وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فهو أنّ بني إسرائيل أرادوا قتله، فدخل عليه السلام بيتا، فتبعه إنسان ليأخذه و يقتله، فألقي اللّه تعالي شبيه عيسي عليه، فأخذته اليهود، و ظنّوا أنّه عيسي، و هو يصيح أنّه فلان، فلم يقبلوا منه، و قتلوه، و صلبوه، فلمّا صلبوه رجع إلي صورته، فأيقنت اليهود أنّه شبّه لهم، و قد رفع اللّه عيسي إليه.

و مثل ذلك جري في أبي عبد اللّه الصادق صلوات اللّه عليه و هو ما حدّث به:

۱۹۲) أبو خديجة، عن رجل من كندة- و كان سيّافا لبني العبّاس- قال: لمّا جي‌ء إلي الدوانيقيّ بأبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه، و ابنه إسماعيل، أمر بقتلهما، و هما محبوسان، فأتي أبا عبد اللّه ليلا، فأخرجه و ضربه بسيفه حتّي قتله، ثمّ أخذ إسماعيل ليقتله، فقاتله ساعة ثمّ قتله، ثمّ جاء إليه، فقال له: ما صنعت؟ فقال: لقد قتلتهما، و أرحتك منهما.

فلما أصبح فإذا أبو عبد اللّه صلوات اللّه عليه و إسماعيل جالسان، فاستأذنا، فقال أبو جعفر الدوانيقيّ للرجل: أ لست زعمت أنّك قتلتهما؟ [قال: بلي لقد عرفتهما كما أعرفك قال: فاذهب إلي الموضع الذي قتلتهما فيه] فانظر، فإذا بجزورين منحورين. قال فبهت و رجعت فأخبرته فنكس رأسه و قال: لا يسمعن هذا منك أحد.

و هذا مثل قوله تبارك و تعالي: وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.

و ممّا يقارب ذلك ما حدّثت به:

۱۹۳) أمّ الفضل بنت المأمون زوجة أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسي عليهم السلام، قالت: أ لا أخبرك عن أبي جعفر بشي‌ء عجيب و أمر جليل فوق الوصف و المقدار؟! قيل: و ما ذاك؟!

قالت: كنت أغار عليه كثيرا، و أراقبه أبدا، فربما أسمعني الكلام، فأشكو ذلك إلي أبي، فيقول: يا بنيّة احتمليه، فإنّه بضعة من رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

فبينما أنا جالسة ذات يوم إذ دخلت عليّ جارية من ولد عمّار بن ياسر و سلّمت علي، فقلت: من أنت؟ قالت: أنا جارية من ولد عمّار بن ياسر، و أنا زوجة أبي جعفر محمّد بن علي، زوجك. فدخلني من الغيرة ما لم أقدر علي احتماله، و همّمت أن أخرج و أصيح في البلاد، و كاد الشيطان أن يحملني علي الإساءة إليها، فكظمت غيظي و أحسنت رفدها، و كسوتها.

فلمّا خرجت عنّي لم أتمالك أن نهضت، فدخلت علي أبي، فخبّرته الخبر، و كان سكران لا يعقل، فقال: يا غلام عليّ بالسيف.

فأتي به، فركب و قال: لأقطعنه.

فلمّا رأيت ذلك منه، قلت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ما صنعت بزوجي؟! و جعلت ألطم علي وجهي، فدخل عليه والدي فما زال يضربه بالسيف حتّي قطّعه، ثمّ إنّه خرج، و خرجت خلفه هاربة، و لم أرقد ليلي.

فلمّا أصبحت أتيت أبي فقلت له: أ تدري ما صنعت البارحة؟! قال: و ما صنعت؟! قلت له: قتلت ابن الرضا! فبرق عينه و غشي عليه، ثمّ أفاق بعد حين، فقال: ويلك ما تقولين؟! قلت: نعم، و اللّه، دخلت عليه و لم تزل تضربه بالسيف حتّي قتلته فاضطرب من ذلك اضطرابا شديدا، ثمّ قال: عليّ بياسر الخادم. فلمّا أتي به قال: ما هذا الذي تقول هذه المرأة؟! قال: صدقت يا أمير المؤمنين. فضرب بيده علي صدره و خدّه، و قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، هلكنا، و عطبنا و افتضحنا إلي آخر الأبد، اذهب ويلك و انظر ما القصة و عجّل إليّ بالخبر، فإنّ نفسي تكاد أن تخرج الساعة.

فخرج ياسر و أنا ألطم خدّي و وجهي، فما لبث ياسر أن عاد إليه فقال: البشري يا أمير المؤمنين! فقال: و لك البشري، ما عندك؟!

قال: دخلت عليه، فإذا هو جالس، و عليه قميص، و هو يستاك، فسلّمت عليه، و قلت: يا ابن رسول اللّه أحبّ أن تهب لي قميصك هذا أصلّي فيه و أتبرّك به. و إنّما أردت أن أنظر إلي جسده، هل به أثر جراحة و أثر السيف؟ فقال: «بل أهب لك ما هو خير من هذا». فقلت: لست أريد غير هذا القميص. فخلعه، و نظرت إلي جسده و كأنّه العاج ما به أثر، فبكي المأمون بكاء شديدا، و قال: ما بقي بعد هذا شي‌ء، إنّ في ذلك لعبرة.

و في القصة طول، قد اقتصرنا علي الموضع المقصود منها.

و أمّا ما أنزل اللّه تعالي علي عيسي عليه السلام المائدة من السماء، فهو ما قال اللّه تعالي في كتابه العزيز: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ. قالَ عِيسَي ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ

فأنزل اللّه تعالي عليه سبعة أرغفة مع سمك و بقل و خل.

۱۹۴) و في رواية أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام: «و أكل منها خلق كثير».

و قد ذكرت أمثال ذلك في الكتاب.

۱۹۵) و قد حدّثت زينب بنت عليّ عليهما السلام، قالت: صلّي أبي مع رسول اللّه صلي الله عليه و آله صلاة الفجر، ثمّ أقبل علي عليّ عليه السلام فقال: «هل عندكم طعام؟».

فقال: «لم آكل منذ ثلاثة أيّام طعاما».

قال: «امض بنا إلي ابنتي فاطمة» فدخلا عليها، و هي تتلوي من الجوع، و ابناها معها، فقال: «يا فاطمة، فداك أبوك، هل عندك طعام؟» فاستحيت و قالت: «نعم» ثمّ قامت و صلّت، ثمّ سمعت حسّا، فالتفت فإذا صفحة ملآنة ثريدا و لحما، فاحتملتها و جاءت بها، و وضعتها بين يدي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فجمع عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام، و جعل عليّ يطيل النظر إلي فاطمة و يتعجب، و يقول: «خرجت من عندها و ليس عندها طعام، فمن أين هذا؟!» ثمّ أقبل عليها، فقال: «يا بنت رسول اللّه، أَنَّي لَكِ هذا؟» قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

فضحك النبيّ صلي الله عليه و آله و قال: «الحمد للّه الذي جعل في أهل بيتي نظير زكريا و مريم، إذ قال لها: أَنَّي لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ

و ما أخرج اللّه تعالي من الثمر من الشجر اليابس لأئمتنا عليهم السلام إن لم يزد علي ذلك، لم ينقص عنه، فلا نطيل الكلام بإعادته.

الباب الثالث في ذكر معجزات أمير المؤمنين و سيّد الوصيين عليّ بن أبي طالب عليه السلام

في بيان ظهور آياته في إحياء الموتي و فيه: أربعة أحاديث

۱۹۶) عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، مولي أبي جعفر، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «خرج أمير المؤمنين عليه السلام بالناس يريد صفين حتي عبر الفرات، و كان قريبا من الجبل بصفين، إذ حضرت صلاة المغرب، فأمر بالنزول فنزلوا، ثمّ توضّأ و أذّن، و لمّا فرغ من الأذان انفلق الجبل عن هامة بيضاء، بلحية بيضاء، و وجه أبيض، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، مرحبا بوصي خاتم النبيّين، و قائد الغرّ المحجلين، و العالم المؤمن، و الفاضل الفائق ميراث الصديقين، و سيّد الوصيين»، فقال: «و عليك السلام، يا أخي شمعون بن حمون، وصيّ عيسي بن مريم روح اللّه، كيف حالك؟!»

قال: بخير رحمك اللّه، و أنا منتظر روح اللّه ينزل، و لا أعلم أحدا أعظم بلاء في اللّه، و لا أحسن غدا ثوابا، و لا أرفع مكانا منك، اصبر يا أخي علي ما أنت فيه حتّي تلقي الحبيب غدا، و قد رأيت أصحابك بالأمس ما لقوا من بني إسرائيل، نشروهم بالمناشير، و حملوهم علي الخشب فلو تعلم هذه الوجوه (المارقة المفارقة لك) ما أعدّ لهم من عذاب ربّك و سوء نكاله لم يفروا، و لو تعلم هذه الوجوه المبيّضة ما أعد اللّه لهم من الثواب الجزيل تمنّت لو أنها قرضت بالمقاريض، و السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته.

ثمّ التأم الجبل، و خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلي قتال القوم، فسأله عمّار بن ياسر، و ابن عبّاس، و مالك الأشتر، و هاشم بن عتبة، و أبو أيّوب الأنصاري، و قيس بن سعد، و عمرو بن الحمق، و عبادة بن الصامت، و أبو الهيثم بن التيهان رضي اللّه عنهم عن الرجل، فأخبرهم أنّه شمعون بن حمون وصي عيسي عليه السلام [و كانوا قد] سمعوا منه كلامه، فازدادوا بصيرة، فقال له عبادة بن الصامت و أبو أيّوب الأنصاري: لا يهلعن قلبك يا أمير المؤمنين، بآبائنا و أمّهاتنا نفديك، فو اللّه لننصرنك نصرة أخيك رسول اللّه صلي الله عليه و آله و لا يتخلف عنك من المهاجرين و الأنصار إلّا شقي. فقال لهما معروفا و ذكرهما بخير.

۱۹۷) عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن سلمان رضي اللّه عنه- في حديث طويل، ألخص لك فائدته- قال: إن امرأة من الأنصار قتلت تجنيا بمحبة عليّ عليه السلام يقال لها: (أمّ فروة) و كان عليّ عليه السلام غائبا، فلمّا وافي، ذهب إلي قبرها و رفع رأسه إلي السماء و قال: «اللهمّ يا محيي النفوس بعد الموت، و يا منشئ العظام الدراسات بعد الفوت، أحي لنا أمّ فروة، و اجعلها عبرة لمن عصاك».

فإذا بهاتف يهتف: يا أمير المؤمنين، امض لما سألت. فرفس قبرها، و قال: «يا أمة اللّه، قومي بإذن اللّه تعالي».

فخرجت أمّ فروة من القبر، فبكت و قالت: أرادوا إطفاء نورك، فأبي اللّه عزّ و جلّ لنورك إلّا ضياء، و لذكرك إلّا ارتفاعا، و لو كره الكافرون.

فردّها أمير المؤمنين عليه السلام إلي زوجها، و ولدت بعد ذلك

غلامين و عاشت بعد أمير المؤمنين ستة أشهر.

۱۹۸) عن محمّد بن أبي عمير، عن حنّان بن سدير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «لمّا صلّي أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الظهر بأرض بابل، التفت إلي جمجمة ملقاة، و كلمها، و قال: «أيّتها الجمجمة، من أنت؟» فقالت: أنا فلان بن فلان، ملك بلد فلان.

قال علي: «أنا أمير المؤمنين، فقصّ عليّ الخبر، و ما كنت، و ما كان في عمرك» فأقبلت الجمجمة و قصّت خبرها، و ما كان في عصرها من خير و شر».

و قال مصنف هذا الكتاب رحمه اللّه: إنّ مسجد الجمجمة معروف بأرض بابل، و قد بني مسجد علي الموضع الذي كلّمته جمجمة فيه، و هو إلي اليوم باق معروف، يزوره أكثر من يمرّ به من الحجّاج و غيرهم.

۱۹۹) عن عيسي شلقان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كانت له خئولة في بني مخزوم، و إنّ شابا منهم أتاه و قال: إنّ أخي و ابن أبي فارق الدنيا، و قد حزنت عليه حزنا شديدا. فقال له: أ تشتهي أن تراه؟ فقال: نعم. قال: فأرني قبره.

قال: فخرج و تقنّع ببرد رسول اللّه صلي الله عليه و آله و دعا بدعائه المستجاب، فلمّا انتهي إلي القبر تلملمت شفتاه، ثمّ ركضه برجله، فخرج من قبره، و هو يقول: منكل بلسان الفرس، فقال عليه السلام: أ لم تمت و أنت رجل من العرب؟!

فقال: بلي، و لكن متنا علي غير سنّتكم، فانقلبت ألسنتنا».

في بيان ظهور آياته ممّا رؤي في المنام ثمّ ظهر حكمه في اليقظة من تغيير صور أعدائه و قتلهم و فيه: ثمانية أحاديث

۲۰۰) عن محمّد بن عمر الواقدي، قال: كان هارون الرشيد يقعد للعلماء في يوم عرفة، فقعد ذات يوم و حضره الشافعي، و كان هاشميا يقعد إلي جنبه، و حضر محمّد بن الحسن و أبو يوسف فقعدا بين يديه، و غصّ المجالس بأهله، فيهم سبعون رجلا من أهل العلم، كلّ منهم يصلح أن يكون إمام صقع من الأصقاع.

قال الواقدي: فدخلت في آخر الناس، فقال الرشيد: لم تأخرت؟ فقلت: ما كان لإضاعة حق، و لكني شغلت بشغل عاقني عمّا أحببت.

قال: فقرّبني حتّي أقعدني بين يديه، و قد خاض الناس في كلّ فن من العلم، فقال الرشيد للشافعي: يا ابن عمي، كم تروي في فضائل عليّ بن أبي طالب؟ فقال: أربعمائة حديث و أكثر. فقال له: قل و لا تخف. قال: يبلغ خمسمائة أو يزيد.

ثمّ قال لمحمّد بن الحسن: كم تروي يا كوفي من فضائله؟

قال: نحو ألف حديث أو أكثر.

فأقبل علي أبي يوسف فقال: كم تروي أنت يا كوفي من فضائله؟ أخبرني و لا تخش. قال: يا أمير المؤمنين، لو لا الخوف لكانت روايتنا في فضائله أكثر من أن تحصي.

قال: ممّ تخاف؟ قال: منك و من عمالك و أصحابك. قال: أنت آمن، فتكلم و أخبرني كم فضيلة تروي فيه؟

قال: خمسة عشر ألف خبر مسند، و خمسة عشر ألف حديث مرسل.

قال الواقدي: فأقبل عليّ و قال: ما تعرف في ذلك أنت؟ فقلت مثل مقالة أبي يوسف، قال الرشيد: لكني أعرف له فضيلة رأيتها بعيني، و سمعتها بأذني، أجلّ من كلّ فضيلة تروونها أنتم، و إنّي لتائب إلي اللّه تعالي ممّا كان منّي من أمر الطالبية و نسلهم.

فقلنا جميعا: وفّق اللّه أمير المؤمنين و أصلحه، إن رأيت أن تخبرنا بما عندك.

قال نعم، ولّيت عاملي يوسف بن الحجّاج بدمشق، و أمرته بالعدل في الرعية، و الإنصاف في القضية، فاستعمل ما أمرته، فرفع إليه أنّ الخطيب الذي يخطب بدمشق يشتم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في كلّ يوم و ينتقصه، قال: فأحضره و سأله عن ذلك، فأقرّ له بذلك، فقال له: و ما حملك علي ما أنت عليه؟ قال:

لأنه قتل آبائي و سبي الذراري، فلذلك له الحقد في قلبي، و لست أفارق ما أنا عليه.

فقيّده و غلّه و حبسه، و كتب إليّ بخبره، فأمرته بحمله إليّ علي حالته من القيود، فلمّا مثل بين يدي زبرته، و صحت به، و قلت: أنت الشاتم لعليّ بن أبي طالب؟! فقال: نعم. قلت: ويلك قتل من قتل، و سبي من سبي بأمر اللّه تعالي، و أمر النبيّ صلي الله عليه و آله. فقال: ما أفارق ما أنا عليه، و لا تطيب نفسي إلّا به.

فدعوت بالسياط و العقابين، فأقمته بحضرتي هاهنا، و ظهره إلي، فأمرت الجلّاد فجلده مائة سوط، فأكثر الصياح و الغياث، فبال في مكانه، فأمرت به فنحي عن العقابين، و أدخل ذلك البيت- و أومي بيده إلي بيت في الإيوان- و أمرت أن يغلق الباب عليه و إقفاله، ففعل ذلك، و مضي النهار، و أقبل الليل، و لم أبرح من موضعي هذا حتّي صلّيت العتمة.

ثمّ بقيت ساهرا أفكر في قتله و في عذابه، و بأي شي‌ء أعذبه، مرّة أقول: أضرب علي علاوته؛ و مرّة أقول: أقطع أمعاءه، و مرّة أفكّر في تفريقه، أو قتله بالسوط، فلم أتم الفكر في أمره حتّي غلبتني عيني فنمت في آخر الليل، فإذا أنا بباب السماء و قد انفتح، و إذا النبيّ صلي الله عليه و آله قد هبط و عليه خمس حلل، ثمّ هبط عليّ عليه السلام، و عليه ثلاث حلل، ثمّ هبط الحسن عليه السلام، و عليه حلتان، ثم هبط الحسين و عليه حلتان، ثمّ هبط جبرئيل عليه السلام و عليه حلّة واحدة، فإذا هو من أحسن الخلق، في نهاية الوصف، و معه كأس فيه ماء كأصفي ما يكون من الماء و أحسنه، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «أعطني الكأس» فأعطاه، فنادي بأعلي صوته: «يا شيعة محمّد و آله» فأجابوه من حاشيتي و غلماني و أهل الدار أربعون نفسا أعرفهم كلّهم، و كان في داري أكثر من خمسة آلاف إنسان، فسقاهم من الماء و صرفهم.

ثمّ قال: «أين الدمشقي» فكأنّ الباب قد انفتح، فأخرج إليه، فلمّا رآه عليّ عليه السلام أخذ بتلابيبه و قال عليه السلام: «يا رسول اللّه، هذا يظلمني و يشتمني من غير سبب أوجب ذلك» فقال عليه السلام: «خله يا أبا الحسن».

ثمّ قبض النبيّ صلي الله عليه و آله علي زنده بيده، و قال: «أنت الشاتم لعليّ ابن أبي طالب؟!» فقال: نعم فقال: «اللّهمّ امسخه، و امحقه، و انتقم منه».

قال: فتحول- و أنا أراه- كلبا، و ردّ إلي البيت كما كان، و صعد النبيّ صلي الله عليه و آله، و جبرئيل و عليّ عليه السلام و من كان معهم.

فانتبهت فزعا مرعوبا مذعورا، فدعوت الغلام و أمرت بإخراجه إلي، فأخرج و هو كلب، فقلت له: كيف رأيت عقوبة ربّك؟ فأومي برأسه كالمعتذر، و أمرت بردّه. فها هو ذا في البيت

ثمّ نادي و أمر بإخراجه، فأخرج و قد أخذ الغلام بإذنه، فإذا أذناه كآذان الناس، و هو في صورة الكلب، فوقف بين أيدينا يلوك بلسانه، و يحرك شفتيه كالمعتذر، فقال الشافعي للرشيد: هذا مسخ، و لست آمن أن تعجّله العقوبة،.

فأمر به فردّ إلي بيته، كما كان بأسرع من أن سمعنا وجبة و صيحة، فإذا صاعقة قد سقطت علي سطح البيت فأحرقته و أحرقت الكلب، فصار رمادا، و عجّل اللّه بروحه إلي نار جهنّم.

قال الواقدي: فقلت للرشيد: يا أمير المؤمنين، هذه معجزة و عظة وعظت بها، فاتق اللّه في ذريّة هذا الرجل. فقال الرشيد: أنا تائب إلي اللّه تعالي ممّا كان منّي، و أحسنت توبتي.

۲۰۱) عن محمّد بن كثير، و مندل بن عليّ العنزي، و جرير بن عبد الحميد- و زاد بعضهم علي بعض في اللفظ، و قال بعضهم ما لم يقل البعض، و سياق الحديث لمندل- عن الأعمش، قال: بعث إليّ أبو جعفر الدوانيقي في جوف الليل أن أجب، فبقيت متفكرا فيما بيني و بين نفسي، فقلت: ما بعث إليّ أمير المؤمنين في هذه الساعة إلّا ليسألني عن فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام و لعلني إن أخبرته قتلني.

قال: فكتبت وصيّتي، و لبست كفني، و دخلت عليه، فقال: ادن منّي. فدنوت منه، و عنده عمرو بن عبيد، فلمّا رأيته طابت نفسي شيئا، ثمّ قال: أدن. فدنوت حتّي كادت تمس ركبتي ركبته.

قال: فوجد رائحة الحنوط منّي، فقال: و اللّه لتصدقني و إلّا صلبتك. قلت: ما حاجتك يا أمير المؤمنين؟

قال: ما شأنك متحنطا؟

قلت: أتاني رسولك في جوف الليل أن أجب، فقلت في نفسي: عسي أن يكون أمير المؤمنين بعث إليّ في هذه الساعة ليسألني عن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، و لعلي إن أخبرته قتلني، فكتبت وصيتي، و لبست كفني.

قال: فكان متكئا فاستوي جالسا. و قال: لا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم، أسألك اللّه يا سليمان، كم حديثا تروي في فضائل عليّ أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقلت: يسيرا يا أمير المؤمنين.

فقال: كم؟ قلت: عشرة آلاف حديث فما زاد.

فقال لي: يا سليمان و اللّه لأحدّثك بحديث في فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام تنسي كلّ حديث سمعته. فقلت: حدّثني يا أمير المؤمنين.

قال: نعم، كنت هاربا من بني أميّة، و كنت أتردّد في البلدان، فأتقرب إلي الناس بفضائل عليّ بن أبي طالب- في حديث طويل- حتّي وردت بعض البلاد، فدخلت مسجدا، و حدثت بين يدي إمام المسجد بفضائل عليّ عليه السلام، فقال: ممّن أنت يا فتي؟

قلت: من أهل الكوفة. قال: عربي أم مولي؟ قلت: بل عربي.

فكساني و حملني و أرشدني إلي أخوين له، أحدهما إمام، و الآخر مؤذن، و أخذ بيدي حتّي أتي الإمام، و رجع، فإذا أنا برجل قد خرج إلي، فقال: أمّا البغلة و الكسوة فأعرفهما، و اللّه ما كان فلان يحملك و يكسوك إلّا أنّك تحبّ اللّه عزّ و جلّ و رسوله صلي الله عليه و آله، فحدثني بحديث في فضائل عليّ صلوات اللّه عليه فحدّثته، و ذكرت الحديث.

فلمّا قلت ذلك قال لي: يا بني، من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: عربي أم مولي؟ قلت: بل عربي. فكساني ثلاثين ثوبا و أعطاني عشرة آلاف دينار- أو درهم- ثمّ قال: يا شاب، و قد أقررت عيني ولي إليك حاجة. قلت: قضيت إن شاء اللّه.

قال: إذا كان غدا فأت مسجد آل فلان، كي تري أخي المبغض لعليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه.

قال: فطالت عليّ تلك الليلة، فلمّا أصبحت أتيت المسجد الذي وصف لي، فقمت للصلاة فإذا إلي جنبي شاب متعمّم، فذهب ليركع فإذا قد سقطت عمامته من رأسه، فنظرت في وجهه فإذا رأسه رأس خنزير، و وجهه وجه خنزير، فو اللّه ما علمت ما تكلمات به في صلاتي حتّي سلّم الإمام، فقلت: يا ويحك، ما الذي أري بك؟! فبكي، و قال لي: انظر إلي هذه الدار. فنظرت، فقال لي: ادخل.

فدخلت.

فقال: كنت مؤذنا لآل فلان، كلّما أصبحت لعنت عليّا بين الأذان و الإقامة ألف مرّة، و كلّما كان يوم الجمعة لعنته أربعة آلاف مرة فخرجت من منزلي، فأتيت داري فاتكأت علي هذا الدكان الذي تري، فنمت، فرأيت في المنام كأنّي بالجنّة و فيها رسول اللّه صلي الله عليه و آله و عليّ فرحين، و رأيت كأنّ النبيّ صلي الله عليه و آله عن يمينه الحسن عليه السلام، و عن يساره الحسين عليه السلام، و معه كأس و قال: «يا حسين اسقني» فسقاه فقال: «اسق الجماعة» فشربوا.

ثمّ رأيت كأنّه قال: «اسق المتكئ علي هذا الدكان» فقال له الحسين: «يا جدّاه، أ تأمرني أن أسقي هذا، و هو يلعن والدي في كل يوم ألف مرة بين الأذان و الإقامة، و قد لعنه في هذا اليوم أربعة آلاف مرّة؟!».

فأتاني النبيّ صلي الله عليه و آله و قال لي: «مالك عليك لعنة اللّه تلعن عليّا و عليّ منّي، و تشتم عليّا و عليّ منّي؟!» فرأيته كأنّه قد تفل في وجهي، و ضربني برجله، و قال: «قم غيّر اللّه ما بك من نعمة» فانتبهت من نومي فإذا رأسي رأس خنزير، و وجهي وجه خنزير.

ثمّ قال لي أبو جعفر الدوانيقي: أ هذان الحديثان في يدك؟

قلت: لا.

فقال: يا سليمان، حبّ عليّ إيمان، و بغضه كفر، و اللّه لا يحبّه إلّا مؤمن، و لا يبغضه إلّا منافق.

۲۰۲) عن جعفر بن محمّد الدوريستي، قال: حضرت بغداد في سنة إحدي و أربعمائة في مجلس المفيد أبي عبد اللّه رضي اللّه عنه، فجاءه علوي و سأله عن تأويل رؤيا رآها، فأجاب، فقال: أطال اللّه بقاء سيّدنا، أقرأت علم التأويل؟ قال: إنّي قد بقيت في هذا العلم مدّة، ولي فيه كتب جمّة.

ثمّ قال: خذ القرطاس و اكتب ما أملي عليك.

قال: كان ببغداد رجل عالم من أصحاب الشافعي، و كان له كتب كثيرة، و لم يكن له ولد، فلمّا حضرته الوفاة دعا رجلا يقال له جعفر الدقّاق و أوصي إليه، و قال: إذا فرغت من دفني فاذهب بكتبي إلي سوق البيع و بعها، و اصرف ما حصل من ثمنها في وجوه المصالح التي فصّلتها. و سلّم إليه التفصيل.

ثمّ نودي في البلد: من أراد أن يشتري الكتاب فليحضر السوق الفلاني فإنّه يباع فيه الكتاب من تركة فلان.

فذهبت إليه لأبتاع كتبا، و قد اجتمع هناك خلق كثير، و من اشتري شيئا من كتبه كتب عليه جعفر الدقّاق للوصي ثمنه، و أنا قد اشتريت أربعة كتب في علم التعبير، و كتبت ثمنها علي نفسي، و هو يشترط علي من ابتاع توفية الثمن في الأسبوع، فلمّا هممت بالقيام قال لي جعفر: مكانك يا شيخ، فإنّه جري علي يدي أمر لأذكره لك، فإنّه نصرة لمذهبك.

ثمّ قال لي: إنّه كان لي رفيق يتعلّم معي، و كان في محلة باب البصرة رجل يروي الأحاديث، و الناس يسمعون منه، يقال له: (أبو عبد اللّه المحدث) و كنت و رفيقي نذهب إليه برهة من الزمان، و نكتب عنه الأحاديث، و كلّما أملي حديثا من فضائل أهل البيت عليهم السلام طعن فيه و في روايته، حتّي كان يوما من الأيّام فأملي في فضائل البتول الزهراء و عليّا صلوات اللّه عليهما، ثمّ قال: و ما تنفع هذه الفضائل عليّا و فاطمة، فإنّ عليا يقتل المسلمين. و طعن في فاطمة، و قال فيها كلمات منكرة.

قال جعفر فقلت لرفيقي: لا ينبغي لنا أن نأتي هذا الرجل، فإنّه رجل لا دين له و لا ديانة، و إنّه لا يزال يطوّل لسانه في عليّ و فاطمة، و هذا ليس بمذهب المسلمين.

قال رفيقي: إنّك لصادق، فمن حقنا أن نذهب إلي غيره [فإنه رجل ضال. فعزمنا أن نذهب إلي غيره] و لا نعود إليه.

فرأيت من الليلة كأنّي أمشي إلي المسجد الجامع، فالتفت فرأيت أبا عبد اللّه المحدّث، و رأيت أمير المؤمنين راكبا حمارا مصريا، يمشي إلي المسجد الجامع، فقلت في نفسي: وا ويلاه أخاف أن يضرب عنقه بسيفه. فلمّا قرب منه ضرب بقضيبه عينه اليمني، و قال له: «يا ملعون، لم تسبني و فاطمة؟!» فوضع المحدّث يده علي عينه اليمني، و قال: أو أعميتني.

قال جعفر: فانتبهت و هممت أن أذهب إلي رفيقي و أحكي له ما رأيت، فإذا هو قد جاءني متغير اللون، فقال: أ تدري ما وقع؟! فقلت له: قل. فقال: رأيت البارحة رؤيا في أبي عبد اللّه المحدّث. فذكر، فكان كما ذكرته من غير زيادة و لا نقصان، فقلت له: أنا رأيت مثل ذلك، و كنت هممت بإتيانك لأذكره لك، فاذهب بنا الآن مع المصحف لنحلف له أنّا رأينا ذلك، و لم نتواطأ عليه، و ننصح له ليرجع عن هذا الاعتقاد.

فقمنا و مشينا إلي باب داره، فإذا الباب مغلق، فقرعنا، فجاءت جارية و قالت: لا يمكن أن يري الآن. فرجعت، ثمّ قرعنا الباب ثانية فجاءت و قالت: لا يمكن ذلك. فقلنا ما وقع له؟ فقالت: إنّه قد وضع يده علي عينه، و يصيح من نصف الليل، و يقول: إنّ عليّ بن أبي طالب قد أعماني. و يستغيث من وجع العين فقلنا لها: افتحي الباب فإنّا قد جئناه لهذا الأمر. ففتحت، فدخلنا، فرأيناه علي أقبح هيئة، و يستغيث و يقول: مالي و لعليّ بن أبي طالب، ما فعلت به، فإنّه قد ضرب بقضيب علي عيني البارحة و أعماني.

قال جعفر: و ذكرنا له ما رأينا في المنام، و قلنا له: ارجع عن اعتقادك الذي أنت عليه، و لا تطوّل لسانك فيه. فأجاب و قال: لا جزاكما اللّه خيرا، لو كان عليّ بن أبي طالب أعمي عيني الأخري لما قدّمته علي أبي بكر و عمر. فقمنا من عنده، و قلنا: ليس في هذا الرجل خير. ثمّ رجعنا إليه بعد ثلاثة أيّام لنعلم ما حاله فلمّا دخلنا عليه وجدناه أعمي بالعين الأخري، فقلنا له: أ ما تغيرت؟! فقال: لا و اللّه، لا أرجع عن هذا الاعتقاد، فليفعل عليّ بن أبي طالب ما أراد. فقمنا و رجعنا.

ثم عدنا إليه بعد أسبوع لنعلم إلي ما وصل حاله، فقيل: إنّه قد دفن و ارتدّ ابنه، و لحق بالروم تعصبا علي عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، فرجعنا و قرأنا: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

و قد نقلت ذلك من النسخة التي انتسخها جعفر الدوريستي بخطه، و نقلها إلي الفارسية في سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة، و نحن نقلناها إلي العربية من الفارسية ثانيا ببلدة كاشان، و اللّه الموفق في مثل هذه السنة: سنة ستين و خمسمائة.

۲۰۳) عن عثمان بن عفّان الشجري، قال: خرجت في طلب العلم، و دخلت البصرة، فصرت إلي محمّد بن عبّاد صاحب عبادان، فقلت: إنّي رجل غريب أتيتك من بلد بعيد لأقتبس من علمك شيئا.

فقال لي: من أين أنت؟؟ فقلت من سجستان.

قال: من بلد الخوارج. فقلت: لو كنت خارجيا ما طلبت علمك.

فقال: أ لا أخبرك بحديث حسن، حتّي إذا أنت دخلت بلادك تحدّث به الناس؟ فقلت: بلي.

قال: اكتب عنّي: كان لي جار، و كان من المتعبدين، فرأي في منامه كأنّه قد مات، و دفن، و حشر، و حوسب، و عبر علي الصراط، قال: فمررت بحوض النبيّ صلي الله عليه و آله فإذا النبيّ صلي الله عليه و آله جالس علي شفير الحوض، و الحسن و الحسين يسقيان الأمّة، فصرت إلي الحسن صلوات اللّه عليه فاستقيته، فأبي أن يسقيني، فصرت إلي الحسين عليه الصلاة و السلام فاستقيته، فأبي أن يسقيني، فصرت إلي النبيّ صلي الله عليه و آله فقلت: يا رسول اللّه، إنّي رجل من أمّتك، صرت إلي الحسن فاستقيته فلم يسقني و أبي، فصرت إلي الحسين فاستقيته فأبي!

قال صلي الله عليه و آله: «و إن قصدت أمير المؤمنين لا يسقيك» فبكيت، و قلت: يا رسول اللّه، إنّي رجل من أمّتك و من شيعة علي.

قال: «لك جار يلعن عليّا- صلوات اللّه عليه- فلم تنهه» قلت: يا رسول اللّه، إنّي رجل ضعيف، ليس لي قوة، و هو من حاشية السلطان.

قال: فأخرج النبيّ صلي الله عليه و آله سكّينا و قال: «امض و اذبحه» فأخذت السكّين من يد النبيّ صلي الله عليه و آله و صرت إلي داره، و وجدت الباب مفتوحا فدخلت، فأصبته نائما علي فراشه فذبحته، و رجعت إلي النبيّ صلي الله عليه و آله فقلت: يا رسول اللّه، لقد ذبحته، و هذه السكّين ملطخة بدمه. فقال:

«هاتها» فدفعتها إليه، ثمّ قال للحسن صلوات اللّه عليه: «اسقه» فناولني الكأس فما أدري شربت أم لا ثمّ انتبهت فزعا مذعورا فقمت إلي الصلاة.

فلمّا انتشر عمود الصبح سمعت صراخ النساء، فقلت لجاريتي:

ما هذا الصراخ؟ قالت: يا مولاي، إنّ فلانا وجد علي فراشه مذبوحا.

فما كان إلّا ساعة يسيرة حتّي جاء الحاجب و أعوانه يأخذون الجيران، فصرت إلي الأمير و قلت: أيّها الأمير، اتق اللّه عزّ و جلّ، إنّ القوم براء، و أنا ذبحته. فقال الأمير: ويحك، ما ذا تقول؟ لست عندنا بمتهم علي مثل هذا! فقلت: أيّها الأمير، هذا شي‌ء في المنام و حكيت الحكاية بأسرها، قال الأمير: جزاك اللّه خيرا، أنت بري‌ء، و القوم براء.

۲۰۴) و حدّث جماعة من أهل خراسان، قالوا: اتهم الأمير داود ولد السلطان البارسلان الشريف أبا عليّ بن عبيد اللّه العلوي المعروف بابن نودولت بالميل إلي آل محمّد صلي الله عليه و آله، فقبض عليه و أخذ منه مائة ألف درهم و ثلاثون ألف دينار و خمسين، و حبسه، و شدّد عليه، فرأي أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة في المنام كأنّه قد أعطاه قارورة فيها كافور، و قال له افرج عن أبي عليّ العلوي، و اردد عليه ماله».

فاستيقظ و نسي المنام، ثمّ رقد رقدة ثانية فرآه عليه السلام راكبا علي فرس أشهب، و بيده سيف مصلت، فقال له: «أ لم أقل لك افرج عن ولدي» و كأنّه صلوات اللّه عليه قتل النفر الأربعة الذين كانوا في دار العلوي الموكّلين به، و ضرب رقابهم، و بانت رءوسهم، و لطم الأمير جعفرا بكفّه لطمة انتشر بعض محاسنه، و حمّ من أجله، و قال: «يا شقي، افرج عنه، أو أقتلك» فقال: بل أفرج عنه.

فاستيقظ و هو مهموم محموم، و فرج عن العلوي و ردّ عليه جميع ما أخذه من ماله، و غرم له بقيّته.

فلمّا أصبح أحضر أولاد الموكّلين الذين كانوا في دار العلوي، فسألهم عن آبائهم، فقالوا: شاهدناهم البارحة في دار العلوي. فقال: امضوا. فلمّا مضوا شاهدوهم، و قد بانت رءوسهم عن أبدانهم و هلكوا.

۲۰۵) عن عيسي بن عبد اللّه، عن شيخ من قريش، و لم يسمّه، قال: رأيت رجلا بالشام قد اسودّ نصف وجهه، و هو مغطيه، فسألته عن سبب ذلك، فقال: نعم، قد حلفت باللّه تعالي أن لا يسألني عن ذلك أحد إلّا حدّثته، كنت شديد الوقيعة في أمير المؤمنين علي صلوات اللّه عليه، كثير الذكر له بالمكروه، فبينما أنا ذات ليلة نائم، إذ أتاني آت في المنام، فقال: أنت صاحب الوقيعة في عليّ صلوات اللّه عليه؟ فقلت:

بلي. فضرب شق وجهي، فأصبحت و شق وجهي أسود كما تري و لا شك في ذلك و لا شبهة.

۲۰۶) عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر صلوات اللّه عليه، قال: «بينما أمير المؤمنين عليّ صلوات اللّه عليه في مسجد الكوفة يجهز إلي معاوية، و يحرّض الناس علي قتاله إذ اختصم إليه رجلان فعلا صوت أحدهما في الكلام فالتفت إليه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و قال له: «اخسأ» فإذا رأسه رأس كلب، فبهت الذين حوله، فقال الرجل بأصابعه و تضرّع إلي أمير المؤمنين عليه السلام، فقال من حوله: يا أمير المؤمنين، أقله عثرته. فحرّك شفتيه، فعاد كما كان.

فوثب أصحابه و قالوا: يا أمير المؤمنين، القدرة تمكنك علي ما تريد، و أنت تجهز إلي معاوية؟!

فأطرق هنيهة و رفع رأسه ثمّ قال: «و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة، لو شئت أن أطول برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي التي تسيرونها، و هذه الجبال و الأدوية حتّي أضرب بها صدر معاوية لفعلت، و لو أقسمت علي اللّه تعالي أن أؤتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا، و قبل أن يرتد إلي أحدكم الطرف لفعل، و لكن عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ».

۲۰۷) و روي أنّه اختصم إليه رجل و امرأة، فحكم للمرأة عليه، فغضب الرجل، و أسف و علا صوته صوت أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله... و الباقي بحاله.

في بيان ظهور آياته في الأشجار و فيه: أربعة أحاديث

۲۰۸) عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن أبي بكر، قال: اعتل الحسن بن عليّ عليهما السلام فاشتهي علي أمير المؤمنين رمّانة، فمدّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه يده إلي أسطوانة المسجد، و دعا ربّه بما لم نفهمه، فخرج منها غصن فيه أربع رمّانات، فدفع إلي الحسن اثنتين، و إلي الحسين اثنتين، ثمّ قال: «هذه من ثمار الجنّة» فقلنا: يا أمير المؤمنين، أو تقدر عليها؟! فقال: «أو لست قسيم الجنّة و النار بين أمّة محمّد صلي الله عليه و آله؟!».

۲۰۹) عن عبد اللّه بن عبد الجبّار، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و آله، قال: «كنا قعودا عند مولانا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله في دار له، و فيها شجرة رمّانة يابسة، إذ دخل عليه قوم من مبغضيه، و عنده قوم من محبيه، فسلّموا، فأمرهم بالجلوس فجلسوا، فقال صلوات اللّه عليه: إنّي أريكم اليوم آية تكون فيكم كمثل المائدة في بني إسرائيل إذ قال اللّه إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ.

ثمّ قال صلوات اللّه عليه انظروا إلي الشجرة، فرأيناها قد جري الماء من عودها، ثمّ اخضرّت و أورقت و عقدت، و تدلّي حملها علي رءوسنا، ثمّ التفت عليّ عليه السلام إلي النفر الذين هم محبوه، و قال: مدّوا أيديكم و تناولوها، و قولوا: بسم اللّه الرحمن الرحيم».

قال: فقلنا: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فتناولنا و أكلنا رمّانة لم نأكل قط شيئا أعذب منها و لا أطيب.

ثمّ قال عليه السلام للنفر الذين هم مبغضوه: مدّوا أيديكم و تناولوا و كلوا فمدّوا أيديهم، فكلما مدّ رجل يده إلي رمّانة ارتفعت، فلم يتناولوا شيئا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما بال إخواننا مدّوا أيديهم فتناولوها و أكلوها، و مددنا أيدينا فلم تصل؟

فقال لهم عليه السلام: «كذلك و الذي بعث محمّدا صلي الله عليه و آله بالحقّ نبيّا الجنّة، لا ينالها إلّا أولياؤنا، و لا يبعد عنها إلّا أعداؤنا و مبغضونا».

۲۱۰) عن أبي الزبير، قال: سألت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه: هل كان لعليّ صلوات اللّه عليه آيات؟ فقال: إي و اللّه، كانت له سيرة حضرتها الجماعة و الجماعات، لا ينكرها إلّا معاند، و لا يكتمها إلّا كافر.

منها: أنّا سرنا معه في مسير، فقال لنا: «امضوا لأن نصلي تحت هذه السدرة ركعتين» فمضينا، و نزل تحت السدرة، فجعل يركع و يسجد، فنظرنا إلي السدرة و هي تركع إذا ركع، و تسجد إذا سجد، و تقوم إذا قام، فلمّا رأينا ذلك عجبنا، و وقفنا حتّي فرغ من صلاته، ثمّ دعا فقال: «اللّهمّ صلّ علي محمّد و آل محمّد» فنطقت أغصان الشجرة تقول: آمين آمين.

ثم قال: «اللّهمّ صلّ علي شيعة محمّد و آل محمّد» فقالت أوراقها و أغصانها و قضبانها: آمين آمين.

ثمّ قال: «اللّهم العن مبغضي محمّد و آل محمّد، و مبغضي شيعة محمّد و آل محمّد» فقالت الأوراق و القضبان و الأغصان و السدرة: آمين آمين.

و في الحديث طول.

۲۱۱) عن الحارث الأعور، قال: خرجنا مع أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه إلي العاقول، فإذا هو بأصل شجرة قد وقع لحاؤها و بقي عودها، فضربها بيده الشريفة، ثمّ قال: «ارجعي بإذن اللّه خضراء ذات ثمرة» فإذا هي تهتز بأغصانها، و أخرجت حملها الكمثري فقطعنا و أكلنا و حملنا معنا، فلمّا أن كان من الغد غدونا إليها فإذا نحن بها خضراء فيها الكمثري.

في بيان ظهور آياته مع الحيّات و فيه: أربعة أحاديث

۲۱۲) عن الحارث الأعور، قال: بينما أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله علي منبر الكوفة يخطب الناس إذ نظر إلي زاوية من زوايا المسجد، فقال: «يا قنبر، ائتني بما في تلك الجحرة» فانطلق قنبر، فلمّا دنا من الجحرة فإذا هو بحيّة كأحسن ما يكون من الحيات، فجزع قنبر من ذلك، ثمّ أخذه فانفلت من يده، ثمّ أقبل إلي أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و هو علي المنبر، فالتقم أذنه و جعل يسارّه، ثمّ انصرف، و جعل يتخلل الصفوف حتّي أتي الجحرة.

فتفكر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و بكي طويلا، ثمّ قال:

«أ تعجبون؟» قالوا: ما لنا لا نتعجب؟! قال: «أ ترون هذا الشجاع، إنّه بايع رسول اللّه صلي الله عليه و آله علي السمع و الطاعة لي، فهو سامع مطيع، و أنا وضي رسول اللّه صلي الله عليه و آله آمركم بالسمع و الطاعة لي، فمنكم من يسمع و يطيع، و منكم من لا يسمع و لا يطيع!».

۲۱۳) و عنه، قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب الناس علي المنبر يوم الجمعة، إذ أقبل أفعي من باب الفيل، رأسه أعظم من رأس البعير، يهوي إلي المنبر.

قال: فافترق الناس فرقتين، و جاء حتّي صعد المنبر، ثمّ تطاول إلي أذن أمير المؤمنين عليه السلام، فأصغي إليه بأذنه، فأقبل إليه يسارّه مليا ثمّ مضي، فلمّا بلغ باب الفيل انقطع أثره، فلم يبق مؤمن إلّا قال: هذا من عجائب أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله؛ و لم يبق منافق إلّا قال: هذا من سحره.

فقال صلوات اللّه عليه و آله: «أيّها الناس، إنّ هذا الذي رأيتم وصي محمّد صلي الله عليه و آله علي الجنّ، و أنا وصيّه علي الإنس، و قد وقعت بينهم ملحمة تهادرت فيها الدماء، و لم يدر ما المخرج منها، فأتاني في ذلك، و تمثل في هذا المثال يريكم فضلي، و هو أعلم بفضلي عليكم منكم».

۲۱۴) عن سفيان الثوري، عن أبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه، عن آبائه، قال: «دخل رسول اللّه صلي الله عليه و آله علي عائشة، فأخذ منها ما يأخذ الرجل من المرأة، فاستلقي صلي الله عليه و آله علي السرير، فنام، فجاءت حيّة حتّي صارت علي بطنه، فنظرت عائشة إلي النبيّ صلي الله عليه و آله و الحية علي بطنه، فوجّهت إلي أبي بكر.

فلمّا أراد أبو بكر أن يدخل علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و ثبت الحيّة في وجهه، فانصرف.

ثمّ توجّهت إلي عمر بن الخطّاب، فلمّا أراد أن يدخل و ثبت في وجهه، فانصرف.

فقالت ميمونة و أمّ سلمة رضي اللّه عنهما: وجّهي إلي عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه. قالت: فوجّهت إلي علي، فلمّا دخل عليّ قامت الحيّة في وجهه، تدور حول عليّ عليه السلام، و تلوذ به، ثمّ صارت في زاوية البيت، فانتبه النبيّ صلي الله عليه و آله، فقال: يا أبا الحسن، أنت هاهنا؟! فقليلا ما كنت تدخل دار عائشة. فقال: يا رسول اللّه دعيت.

فتكلمات الحيّة و قالت: يا رسول اللّه، إنّي ملك غضب عليّ ربّ العالمين، فجئت إلي هذا الوصيّ أطلب إليه أن يشفع لي إلي اللّه تعالي.

فقال: ادع له حتّي أؤمن علي دعائك. فدعا علي، و أمّن النبيّ صلي الله عليه و آله، فقالت الحيّة: يا رسول اللّه، قد غفر اللّه لي، و ردّ عليّ جناحي».

۲۱۵) و روي من طريق آخر، أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله جعل يدعو و الملك يكسي ريشة حتّي التأم جناحه، ثمّ عرج إلي السماء، فصاح صيحة، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «أ تدري ما قال الملك؟» قال: «لا».

قال: «يقول: جزاك اللّه من ابن عم عن ابن عم خيرا».

في بيان ظهور آياته مع الأسد و فيه: ثلاثة أحاديث

۲۱۶) أخبر الحارث الأعور، قال: كنّا مع أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه في جبانة بني أسد وقوفا، إذ أقبل أسد يهوي إليه، فتضعضعنا من خوفه، فقال صلوات اللّه عليه: «مه» و أقبل الأسد حتّي قام بين يديه، فوضع يده بين أذنيه و قال: «ارجع بإذن اللّه تعالي، و لا تدخل في دار هجرة بعد اليوم، و بلّغ ذلك السباع عني».

۲۱۷) عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر صلوات اللّه عليه، قال: قال عليّ صلوات اللّه عليه لجويرية ابن مسهر، و قد عزم علي الخروج إلي ضيعة له: «كيف أنت إذا لقيك أبو الحارث؟» في حديث طويل له، حتّي قال: فما الحيلة له؟ قال: «تقرؤه منّي السلام، و تخبره أنّي أعطيتك منه الأمان».

فخرج جويرية، و بينا هو يسير علي دابته إذ أقبل نحوه أسد، فقال له جويرية: يا أبا الحارث، إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه يقرئك السلام، و أنّه قد آمنني منك.

قال: فولّي الليث عنّي مطرقا برأسه يهمهم، حتّي غاب في الأجمة يهمهم خمسا، ثمّ غاب، و مضي جويرية في حاجته، فلمّا انصرف إلي أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و قال: كان من الأمر كذا و كذا، قال أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام: «ما قلت لليث؟ و ما قال لك؟»

قال جويرية: قلت له ما أمرتني به، و بذلك انصرف عنّي، و أمّا ما قال الليث فاللّه و رسوله و وصي رسوله أعلم.

قال: «إنّه ولّي عنك يهمهم، فأحصيت له خمس همهمات، ثمّ انصرف عنك». قال جويرية: صدقت، فو اللّه يا أمير المؤمنين هكذا هو.

فقال صلوات اللّه عليه: «إنّه قال: فاقرأ وصي محمّد مني السلام، و عقد بيده خمسا».

۲۱۸) عن موسي بن جعفر العابد، قال: حملني أبي علي كتفه، و أنا يومئذ صبي، إلي قبر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، فلمّا صار في بعض الطريق رأيت حمارا مارّا فقلت: يا أبه، هذا حمار مار قال: نعم. قلت: يا أبه، هو يعرج. قال: نعم.

فلم يزل يسير، و نحن نسير حتّي سبقنا إلي القبر، ثمّ رأيته و قد انصرف من عند القبر، و هو يمشي و ليس يعرج، فمشينا إلي قبر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و هو يومئذ ليس عليه حائط و لا قبّة و عنده جب، فرأيت أبي قد تقرّب إلي القبر و كنس عنه شيئا، و أخذه علي خرقة فرمي به، فقلت: يا أبه، أيش هذا؟ قال: يا بني، إنّ الذي رأيته السبع، و توهمت أنّه حمار، و إنّ يده كانت منتفخة، و إنّه وضعها علي القبر فانفتحت، فسال منها هذا، و رجع و هو يمشي صحيحا. ثمّ حملني إلي المنزل، و قال ذلك لوالدتي.

قال المصنف رحمه اللّه تعالي: إنّ في ذلك لما يدل علي عظيم منزلته، و شرف محله عند اللّه عزّ و جلّ، إذ ألهم اللّه سبحانه و تعالي البهائم و ما لا يعقل جلالة قدره، حتّي التجأ إلي قبره، و استشفي بتربته، و تواضع لعظمته، إنّ في ذلك لعبرة لأولي الألباب، و اللّه الموفق.

في بيان ظهور آياته مع الشمس و فيه: ثلاثة أحاديث

۲۱۹) عن داود بن كثير الرقّي، عن جويرية بن مسهر، قال: لمّا رجعنا من قتال أصحاب النهروان مررنا ببابل، فقال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: «إنّ هذه أرض معذّبة، قد عذّبت مرتين، و قد هلك فيها مائة ألف و مائتان، فلا يصلّي فيها نبيّ و لا وصي نبي، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصل العصر».

قال جويرية: فقلت: و اللّه، لأقلدن اليوم ديني و أمانتي عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

قال: فسرنا إلي أن غابت الشمس، و اشتبكت النجوم، و دخل وقت العشاء الآخرة، فلمّا أن خرجنا من أرض بابل نزل صلوات اللّه عليه عن البغلة، ثمّ نفض التراب عن حوافرها، ثمّ قال لي: «يا جويرية، انفض التراب عن حوافر دابّتك» قال: ففعلت؛ ثمّ قال لي: «يا جويرية، أذّن للعصر».

قال: فقلت: ثكلتك أمّك يا جويرية، ذهب النهار، و هذا الليل! فأذّنت للعصر، فرجعت الشمس، فسمعت لها صريرا كصرير البكرة، حتّي عادت إلي موضعها للعصر بيضاء نقية.

قال: فصلّي أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، ثمّ قال: «أذّن للمغرب يا جويرية» فأذّنت، فرأيت الشمس راجعة كالفرس الجواد، ثمّ صلّيت المغرب، ثمّ قال: «أذّن للعشاء الآخرة» فأذّنت، و صلّينا العشاء الآخرة، ثمّ قلت: وصي محمّد و ربّ الكعبة- ثلاث مرات- لقد ضلّ و هلك و كفر من خالفك.

و لقد رجعت له الشمس مرّة أخري في عهد النبيّ صلوات اللّه عليه و آله و هو ما روي:

۲۲۰) أبو جعفر عليه السلام، قال: «بينا النبيّ صلي الله عليه و آله نام عشية و رأسه في حجر عليّ صلوات اللّه عليهما، و لم يكن عليّ صلّي العصر، و قد دنت المغرب، فقال له: يا علي، أصليت العصر؟ فقال:

لا. فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «اللّهمّ إنّ عليّا كان في طاعة رسولك، فاردد عليه الشمس. فعادت الشمس إلي موضعها وقت العصر.

و قد أحسن في ذلك أبو هاشم محمّد بن إسماعيل الحميري؛ و الملقب بالسيد، قال شعرا:

ردّت عليه الشمس لمّا فاته

وقت الصلاة و قد دنت للمغرب

حتّي تبلّج نورها في وقتها

للعصر ثمّ هوت هوي الكوكب

و عليه قد حبست ببابل مرّة

أخري و ما حبست لخلق المغرب

إلّا ليوشع و له من بعده

و لردها تأويل أمر معجب

۲۲۱) عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه، قال: كنّا مع النبيّ صلي الله عليه و آله إذ دخل عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «يا أبا الحسن، أ تحب أن أريك كرامتك علي اللّه؟» قال:

«نعم، بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه».

قال: «إذا كان غدا فانطلق إلي الشمس معي فإنّها ستكلمك بإذن اللّه تعالي».

قال: فماجت قريش و الأنصار بأجمعهم، فلمّا أصبح صلّي الغداة، و أخذ بيد عليّ بن أبي طالب و انطلقا، ثمّ جلسا ينتظران طلوع الشمس، فلمّا طلعت، قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «يا علي، كلمها فإنّها مأمورة، و إنّها ستكلمك».

فقال عليّ عليه السلام: «السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، أيّها الخلق السامع المطيع».

فقالت الشمس: و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته، يا خير الأوصياء، لقد أعطيت في الدنيا و الآخرة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت. فقال علي: «ما ذا أعطيت».

قالت: لم يؤذن لي أن أخبرك فيفتتن الناس، و لكن هنيئا لك، العلم و الحكمة في الدنيا، و أمّا في الآخرة فأنت ممّن قال اللّه تعالي: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ و أنت ممّن قال اللّه تعالي فيه: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ فأنت المؤمن الّذي خصّك اللّه بالإيمان.

و روي أنّ الشمس كلّمته ثلاث مرات.

في بيان ظهور آياته في إقدار الله تعالي إيّاه علي ما لم يقدر عليه غيره و فيه: أربعة أحاديث

۲۲۲) عن المفضّل، عن أبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه، قال: «إنّ مالكا الأشتر رضي اللّه عنه قال: حدّثتني نفسي أنّي أشدّ من أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، فحرّك دابّته إلي ذي الكلاع الحميري فاستلبه من فوق سرجه، و رمي به إلي فوق و تلقاه بسيفه، فقدّه نصفين، ثمّ قال: «يا أشتر، أنا أم أنت؟» فقلت: بل أنت يا أمير المؤمنين.

۲۲۳) و ذكر عبد اللّه بن أحمد بن حنبل فيما رواه عن مشيخته، عن جابر رضي اللّه عنه، أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله دفع الراية إلي عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و آله يوم خيبر بعد أن دعا له، فجعل عليّ يسرع السير، و أصحابه يقولون له: أرفق. حتّي انتهي إلي الحصن، فاجتذب بابه، فألقاه في الأرض، ثمّ اجتمع عليه سبعون رجلا، و كان جاهدهم أن أعادوا الباب.

۲۲۴) و روي أبو عبد اللّه الجدلي، قال: سمعت أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه يقول: «عالجت باب خيبر و جعلته مجنا لي، و قاتلت القوم، فلمّا أخزاهم اللّه وضعت الباب علي حصنهم طريقا، ثمّ رميت به في خندقهم» فقال له رجل: لقد حملت منه ثقلا! فقال عليه السلام: «ما كان إلّا مثل جنّتي التي في بدني، في غير ذلك المقام» و قال الشاعر في ذلك:

إنّ امرأ حمل الرتاج بخيبر

يوم اليهود بقدرة لمؤيد

حمل الرتاج رتاج باب قصورها

و المسلمون و أهل خيبر حشد

فرمي به و لقد تكلّف ردّه

سبعون كلهم له متشدّد

ردّوه بعد مشقة و تكلّف

و مقال بعضهم لبعض أردد

۲۲۵) عن سفيان الثوري، عن الأوزاعي، عن يحيي بن أبي كثير، عن حبيب بن الجهم، قال: لمّا دخل عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه إلي بلاد صفّين نزل بقرية يقال لها صندوداء، ثمّ أمرنا فسرنا عنها، ثمّ عرس بنا في أرض بلقع، فقام مالك بن أبي الحارث الأشتر، و قال: يا أمير المؤمنين، أ تنزل الناس علي غير ماء؟! فقال: «يا مالك، إنّ اللّه عزّ و جلّ سيسقينا في هذا المكان ماء أعذب من الشهد، و ألين من الزبد، و أبرد من الثلج، و أصفي من الياقوت».

فتعجبنا- و لا عجب من قول أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ أقبل يجرّ رداءه، و بيده سيفه، حتّي وقف علي أرض بلقع، فقال: «يا مالك، احفر أنت و أصحابك».

قال مالك: فاحتفرنا، فإذا نحن بصخرة سوداء عظيمة، فيها حلقة تبرق كاللجين، فقال لنا: «روموها» فرمناها بأجمعنا و نحن مائة رجل، فلم نستطع أن نزيلها عن موضعها، فدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله رافعا يده إلي السماء، و هو يقول: «طاب طاب مريا عالم طيثو ثابوثه (شميا كوبا جانوثا نوديثا برحوثا)، آمين آمين ربّ العالمين، ربّ موسي و هارون» ثمّ اجتذبها فرماها عن العين أربعين ذراعا.

قال الأشتر: فظهر لنا ماء أعذب من الشهد، و ألين من الزبد، و أبرد من الثلج، و أصفي من الياقوت، فشربنا و سقينا ثمّ ردّ الصخرة، و أمرنا أن نحثو عليها التراب، ثمّ ارتحل، و سرنا معه.

فلمّا سرنا غير بعيد، قال: «من منكم يعرف موضع العين؟» فقلنا: كلنا يا أمير المؤمنين. فرجعنا و طلبنا العين، فخفي علينا مكانها أشد خفاء، و ظننا أنّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه قد رهقه العطش فأومأنا بأطرافنا فإذا نحن بصومعة فيها راهب، فدنونا منه، فإذا نحن براهب قد سقط حاجباه علي عينيه من الكبر، فقلنا: يا راهب، أ عندك ماء نسقي منه صاحبنا؟ فقال: عندي ماء، قد استعذبته منذ يومين.

فقلنا له: فكيف لو شربت من الماء الذي سقانا منه صاحبنا بالأمس؟! و حدّثناه بالأمر فدنا منّا بعد خشيته فقال: انطلقوا بنا إلي صاحبكم.

فانطلقنا به، فلمّا بصر به أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «شمعون»؟

قال الراهب: نعم شمعون، هذا اسم سمّتني به أمّي، ما أطلع عليه أحد، إلّا اللّه تعالي، ثمّ أنت، فكيف عرفته؟ قال: فأتم حتّي أتمه لك. قال: «و ما تشاء يا شمعون؟» قال: هذه العين ما اسمها؟ قال:

«هذه العين راحوما، و هي من الجنّة، و شرب منها ثلاثمائة و ثلاثة عشر وصيّا، و أنا خير الوصيّين، شربت منها». قال الراهب: هكذا وجدت في جميع كتب الإنجيل، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمدا رسول اللّه، و أنّك وصي محمّد صلي الله عليه و آله.

ثمّ رحل أمير المؤمنين و الراهب يقدمه، حتّي نزل صفّين و نزل العابد و التقي الصفّان، و كان أول من أصابته الشهادة الراهب، فنزل أمير المؤمنين و عيناه تهملان بالدموع، و هو يقول: «يحشر المرء مع من أحب، الراهب معنا يوم القيامة، و رفيقي في الجنّة».

في بيان ظهور آياته في الاخبار بالغائبات و فيه: ستة أحاديث

۲۲۶) عن ابن عبّاس رضي اللّه عنه، قال: قلت لأمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله و سلم، و هو متوجه إلي البصرة: يا أمير المؤمنين، إنّك في نفر يسير، فلو تنحّيت حتّي يلحق بك الناس.

فقال: «يجيئكم من غد في فجكم هذا، من ناحية الكوفة ثلاثة كراديس، في كلّ كردوس خمسة آلاف و ستمائة و خمس و ستون رجلا».

قال: قلت: ما أصابني و اللّه أعظم من [تلك] الضيقة.

قال: فلمّا أن صلّيت الفجر قلت لغلامي: اسرج لي. قال:

فتوجّهت نحو الكوفة، فإذا بغبرة قد ارتفعت، فسرت نحوها، فلمّا أن دنوت منهم صيح بي: من أنت؟ قلت: أنا ابن عبّاس؛ فكفوا، فقلت لهم: لمن هذه الراية؟ قالوا: لفلان. قلت: كم أنتم؟ فقالوا: طوي الديوان عند الجسر علي خمسة آلاف و ستمائة و خمسة و ستين رجلا.

قال: فمضوا، و مضيت علي وجهي، فإذا أنا بغبرة قد ارتفعت، قال: فدنوت منهم، فصيح بي: من أنت؟ فقلت: أنا ابن عبّاس.

فأمسكوا، فقلت: لمن هذه الراية؟ قالوا: لربيعة. فقلت: من رئيسها؟

قالوا: زيد بن صوحان العبدي. فقلت: كم أنتم؟ قالوا: طوي الديوان عند الجسر علي خمسة آلاف و ستمائة و خمسة و ستين رجلا.

قال: فمضوا، و مضيت علي وجهي، فإذا بغبرة قد ارتفعت، فأخذت نحوها، فصيح بي من أنت؟ قلت: أنا ابن عبّاس. فسكتوا عنّي، فقلت: لمن هذه الراية؟ فقالوا: لفلان، رئيسها الأشتر، قال:

قلت: كم أنتم؟ قالوا: طوي الديوان عند الجسر علي خمسة آلاف و ستمائة و خمسة و ستين رجلا.

فرجعت إلي العسكر، فقال لي أمير المؤمنين: «من أين أقبلت؟» فأخبرته، و قلت له: إنّي لمّا سمعت مقالتك اغتممت، مخافة أن يجي‌ء الأمر علي خلاف ما قلت.

قال: فقال: «نظفر بهؤلاء القوم غدا إن شاء اللّه تعالي، ثمّ نقسّم مالهم فيصيب كلّ رجل منا خمسمائة».

قال: فلمّا أن كان من الغد أمرهم أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه أن لا يحدثوا شيئا حتّي يكون المبتدأ منهم، فأقبلوا يرمون رجال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فأتوه، فقال لهم: «ما رأيت أعجب منكم! تأمروني بالحرب و الملائكة لم تنزل بعد؟!».

فلمّا كان الزوال دعا بدرع رسول اللّه صلي الله عليه و آله فلبسها و صبها عليه، ثمّ أقبل علي القوم، فهزمهم اللّه تعالي، فقال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه للخزان: «اقسموا المال علي الناس خمسمائة خمسمائة» فقسّموها، ففضل من المال ألفا درهم، فقال للخازن: «أي شي‌ء بقي عندك؟» فقال: ألفا درهم.

فقال: «أعطيت الحسن و الحسين و محمّد بن الحنفية خمسمائة خمسمائة، و عزلت لي خمسمائة؟» قال: لا.

قال: «فهذه لنا» فلم تزدد درهم، و لم تنقصن درهم.

۲۲۷) عن عليّ بن النعمان، و محمّد بن سنان، رفعاه إلي أبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه، قال: «إنّ عائشة قالت: التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل، حتّي ابعثه إليه. فأتيت برجل، فمثل بين يديها، فرفعت رأسها و قالت: ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل؟ قال لها: كثيرا ما أتمني علي ربّي أنّه و أصحابه في وسطي فضربت ضربة بالسيف، فيسبق السيف الدم.

ثمّ قالت: فأنت له، فاذهب بكتابي هذا، فادفعه إليه، ظاعنا رأيته أو مقيما، أما إنّك إن وافيته ظاعنا رأيته راكبا علي بغلة رسول اللّه صلي الله عليه و آله متنكبا قوسه، معلقا كنانته بقربوس سرجه، و أصحابه خلفه كأنّهم طيور صواف.

ثمّ قالت له: إن عرض عليك طعامه و شرابه فلا تتناول منه شيئا فإنّ فيه السحر فمضيت و استقبلته راكبا، فناولته الكتاب ففض خاتمه، ثمّ قرأه و قال: «هذا و اللّه ما لا يكون» فثني رجله و نزل، فأحدق به أصحابه، ثمّ قال: أسألك، قال: نعم. قال: «و تجيبني» قال: نعم. قال: «أنشدك باللّه، هل قالت: التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل؟» قال: نعم. «فأتيت بك، فقالت لك: ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل؟ قلت: كثيرا ما أتمني علي ربّي أنّه و أصحابه في وسطي و أضرب بالسيف ضربة فيسبق السيف الدم؟»

ثمّ قال: «أنشدك باللّه، أ قالت لك اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما، أما إنّك إن وافيته ظاعنا رأيته راكبا بغلة رسول اللّه صلي الله عليه و آله، متنكبا قوسه، معلقا كنانته بقربوس سرجه، و أصحابه خلفه كأنهم طير صواف؟» قال: اللّهم نعم.

قال: «أنشدك باللّه، هل قالت لك: إن عرض عليك طعامه و شرابه، فلا تتناول منه شيئا، فإنّ فيه السحر؟» قال: اللّهم نعم.

قال: «أ فمبلغ أنت عني؟» قال: اللّهمّ نعم، فإنّي قد أتيتك و ما علي وجه الأرض خلق أبغض إليّ منك، و أنا الساعة ما علي وجه الأرض خلق أحبّ إليّ منك، فمرني بما شئت.

قال: «ادفع إليها كتابي، و قل لها: ما أطعت اللّه و لا رسوله حيث أمرك بلزوم بيتك، فخرجت تترددين في العساكر. و قل لطلحة و الزبير:

ما أنصفتما اللّه و لا رسوله حيث خلّفتما حلائلكما في بيوتكما و أخرجتما حليلة رسول اللّه صلي الله عليه و آله».

فجاء بكتابه حتّي طرحه إليها، و بلّغها رسالته، ثمّ رجع إلي أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فأصيب بصفين، فقالت: ما نبعث إليه أحد إلّا أفسده علينا.

۲۲۸) عن صعصعة بن صوحان العبدي، قال: لمّا قاتل أبو بكر مسيلمة و أسرت الحنفية، و جي‌ء بها إلي المدينة، و وقفت بين يدي أبي بكر.

۲۲۹) و قد روي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ رضي اللّه عنه ذلك أيضا، في حديث طويل، و أنا أذكر منه نقاوته: فقال: لمّا وقفت دنا إليها طلحة و الزبير فطرحا عليها ثوبهما، فلمّا رأت ذلك قامت و قالت: لست بعريانة فتكسواني فقيل لها: إنّهما يتزايدان عليك، فأيّهما زاد عليك أخذك من السبي. قالت: لا يكون ذلك أبدا، و لا يملكني، و لا يكون لي بعل إلّا من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خروجي من بطن أمّي.

فسكت الناس ينظر بعضهم إلي بعض، و ورد عليهم ما بهر عقولهم، و بقوا في دهشة، فقال أبو بكر: مالكم ينظر بعضكم إلي بعض؟ فقال الزبير: لقولها الذي سمعت، جارية من سادات قومها و لم يكن لها عادة بما لقيت، و قد داخلها الفزع فلا تلوموها إذ قالت ما لا تحصله.

قالت: و اللّه ما داخلني الفزع و لا الجزع، و ما قلت إلّا حقا و لا نطقت إلّا فصلا و ما كذبت و لا كذّبت. فأخذ أبو بكر و عمر يتحاوران الكلام و أخذ ثوبه من طرحه عليها، و جلست ناحية من القوم، فجاء أمير المؤمنين علي صلوات اللّه عليه و آله فوقف و نظر إليها، ثمّ ناداها: «يا خولة» فوثبت فقالت: لبيك.

قال: «لمّا كانت أمّك حاملا بك، و ضربها الطلق، و اشتدّ بها الأمر دعت اللّه و قالت: اللّهمّ سلّمني من هذا الولد سالما كان أو هالكا؛ و سبقت الدعوة لك بالنجاة، فناديت من تحتها: لا إله إلّا اللّه، يا أمّاه لم تدعين عليّ و عمّا قليل سيملكني سيّد، يكون لي منه ولد؟! فكتبت أمّك ذلك الكلام في لوح نحاس، فدفنته في الموضع الذي سقطت فيه، فلمّا كانت تلك الليلة التي قبضت فيها أمّك أوصت إليك بذلك، فلمّا كان في وقت سبيك أخذت اللوح و شددتيه علي عضدك الأيمن؛ هاتي اللوح فأنا صاحبه، و أنا أبو ذلك الغلام الميمون و اسمه (محمّد)».

قال: فأخرجته، فأخذه أبو بكر و دفعه إلي عمر حتّي قرأه عليهم، فلمّا قرأ بكت طائفة، و حركت أخري، و اهتدت إليه، فما خالف ما في اللوح كلام عليّ صلوات اللّه عليه حرفا و قالوا بأجمعهم: صدق اللّه، و صدق رسوله إذ قال: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها».

فقال أبو بكر: خذها يا أبا الحسن، بارك اللّه لك فيها.

و في الحديث طول، و أنّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه قد تزوّجها و أمهرها، و لم يطأها بملك اليمين.

۲۳۰) عن عبد اللّه بن عبّاس، قال: جلس أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه لأخذ البيعة بذي قار، و قال: «يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون و لا ينقصون» فجزعت لذلك و خفت أن ينقص القوم عن العدد أو يزيدون عليه، و يفسد الأمر علينا، حتّي ورد أوائلهم، فجعلت أحصيهم فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل و تسعا و تسعين رجلا، ثمّ انقطع مجي‌ء القوم. فقلت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ما ذا حمله علي ما قال؟ فبينما أنا متفكر في ذلك إذ رأيت شخصا قد أقبل حتّي دنا، و إذا هو رجل عليه قباء صوف، و معه سيفه و ترسه و إداوته، فقرب من أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فقال: امدد يدك أبايعك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: «و علي ما تبايعني؟»

قال: علي السمع و الطاعة، و القتال بين يديك حتّي أموت أو يفتح اللّه علي يديك.

فقال: «ما اسمك؟» فقال: أويس القرني قال: «أنت أويس القرني؟» قال: نعم.

قال: «اللّه أكبر، أخبرني حبيبي رسول اللّه صلي الله عليه و آله أنّي أدرك رجلا من أمّته يقال له (أويس القرني) يكون من حزب اللّه و حزب رسوله، يموت علي الشهادة، و يدخل في شفاعته مثل ربيعة و مضر» قال ابن عباس: فسري ذلك عنّي.

۲۳۱) عن سويد بن غفلة، قال: إنّ رجلا جاء إلي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنّي مررت بوادي القري فرأيت خالد بن عرفطة قد مات بها، فاستغفر له. فقال أمير المؤمنين:

«إنّه لم يمت، و لا يموت حتّي يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن جماز» فقام رجل من تحت المنبر فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين، إنّي لك شيعة، و إنّي لك محب! فقال: «و من أنت؟» قال: أنا حبيب بن جماز: قال: «إياك أن تحملها، و لتحملنها، فتدخل بها من هذا الباب» و أومي بيده إلي باب الفيل، فلمّا مضي أمير المؤمنين، و مضي الحسن بن عليّ من بعده صلوات اللّه عليهم، و كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان من ظهوره، بعث ابن زياد لعنه اللّه عمر بن سعد إلي الحسين صلوات اللّه عليه، و جعل خالد بن عرفطة علي مقدّمته و حبيب بن جماز صاحب رايته، فسار بها حتّي دخل المسجد من باب الفيل.

و حديث رشيد الهجري و ميثم التمار مشهور عند عامّة الأصحاب، فلا نذكره.

و كذلك حديث حبيب بن عبد اللّه الأزديّ في أخبار أصحاب النهروان.

و حديث الإخبار عن كربلاء، و الإشارة إلي موضع القتال و مصارع الرجال، و غير ذلك.

و قد اقتصرنا علي طرف من آياته صلوات اللّه عليه، و قليل من معجزاته.

في بيان ظهور آياته في أشياء شتي و فيه: اثنا عشر حديثا

۲۳۲) عن رزين الأنماطي، عن أبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه، عن أبيه، عن آبائه، عليهم السلام: «أنّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه دخل الكوفة فأقام بها أياما، فبينما هو يدور في طرقها، فإذا هو بيهوديّ قد وضع يده علي رأسه، و هو يقول: معاشر الناس، أ فبحكم الجاهلية تحكمون، و به تأخذون، و طريقا لا تحفظون. فدعا به أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فوقف بين يديه، و قال له: «ما حالك يا أخا اليهود؟» فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي رجل تاجر خرجت من ساباط المدائن و معي ستون حمارا، فلمّا حضرت موضع كذا أخذ ما كان معي اختطافا، و لا أدري أين ذهب بها.

فقال أمير المؤمنين: «لن يذهب منك شي‌ء؛ يا قنبر اسرج لي فرسي» فأسرج له فرسه، فلمّا ركبه قال: «يا قنبر، و يا أصبغ بن نباتة، خذا بيدي اليهوديّ و انطلقا به أمامي» فانطلقا به حتّي صارا إلي الموضع الذي ذكره فخطّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه بسوطه خطة، فقال لهم: «قوموا في وسط هذه الخطة، و لا تجاوزوها فتخطفكم الجنّ».

ثمّ قنع فرسه و اقتحم في الصحراء و قال: «و اللّه معاشر ولد الجنّ من ولد الحارث بن السيّد- و هو إبليس- إن لم تردّوا عليه أحمره لنخلعن ما بيننا و بينكم من العهد و الميثاق، و لأضربنكم بأسيافنا حتّي تفيئوا إلي أمر اللّه». فإذا أنا بقعقعة اللجم، و صهيل الخيل، و قائل يقول: الطاعة للّه و لرسوله و لوصيه. ثمّ انحدر في الصحراء ستون حمارا بأحمالها، لم يذهب منها شي‌ء، فأدّاها إلي اليهودي.

فلمّا دخل الكوفة قال له اليهودي: ما اسم محمّد ابن عمك في التوراة؟ و ما اسمك فيها؟ و ما اسم ولديك؟ فقال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله: «سل استرشادا و لا تسأل تعنتا، عليك بكتاب التوراة، اسم محمّد فيها طاب طاب، و اسمي ايليا، و اسم ولديّ شبر و شبير».

فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّك وصيه من بعده، و أنّ ما جاء به و جئت به حق.

۲۳۳) عن عمّار بن الحضرمي، عن زاذان أبي عمرو أنّ رجلا حدّث عليّا صلوات اللّه عليه و آله بحديث، فقال: «ما أراك إلّا كذبتني» فقال: «لم أفعل. فقال: «أدعو اللّه عليك إن كنت كذبتني» قال: ادع. فدعا عليه، فما برح حتّي أعمي اللّه عينيه.

۲۳۴) عن عباد بن عبد اللّه الأسدي، قال: سمعت عليّا صلوات اللّه عليه يقول و هو في الرحبة: «أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه، و لا يقولها بعدي إلّا كاذب».

قال: فقام رجل من غطفان و قال: أنا أقول كما قال هذا الكاذب، أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه فخنق مكانه.

۲۳۵) قال أبو جعفر محمّد بن عمر الجرجاني: حدّثني ابن البواب، عن الحسن بن زيد، و حدّثنيه ابن أبي السلمي، قال: قال: إن ابن أبي غاضية طلبنا نشتم أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله فهربت، فبعث إليّ محمّد بن صفوان- من ولد أبي خلف الجمحيّ- أن أعرني بغلتك. فقلت: لئن أعرتك بغلتي إنّي لكم شبه.

قال: فمشي- و اللّه- علي رجليه أربعة أميال، فوافي خالدا عامل هشام بن عبد الملك علي المدينة فشتم أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله علي المنبر، فقال لابن صفوان: قم يا ابن صفوان. فقام و صعد مرقاة من المنبر، ثمّ استقبل القبلة بوجهه و قال: اللّهمّ من كان يسب عليّا لترة يطلبها عنده، أو لذحل فإنّي لا أسبه إلّا فيك و لقد كان صاحب القبر يأتمنه و هو يعلم أنّه خائن.

و كان في المسجد رجل فغلبته عينه، فرأي أنّ القبر انفرج، و خرجت منه كف قائل يقول: إن كنت كاذبا فعليك لعنة اللّه، و إن كنت كاذبا فأعماك اللّه.

فنزل الجمحيّ من المنبر فقال لابنه، و هو جالس إلي ركن البيت: قم. فقام إليه فقال: أعطني يدك أتكئ عليها. فمضي به إلي المنزل.

فلمّا خرجا من المسجد نحو المنزل قال لابنه: هل نزل بالناس شرّ و غشيهم ظلمة؟ قال: كيف ذلك؟ قال: لأنّي لا أبصار شيئا.

قال: ذلك و اللّه بجرأتك علي اللّه، و قولك الكذب علي منبر رسول اللّه صلي الله عليه و آله. فما زال أعمي حتّي مات، لعنة اللّه عليه.

۲۳۶) عن أنس، قال: كنت عند رسول اللّه صلي الله عليه و آله أنا و أبو بكر و عمر في ليلة ظلماء مكفهرة، فقال صلي الله عليه و آله: «ائتوا باب علي» فأتيناه فنقر أبو بكر الباب نقرا خفيا، فخرج عليّ صلوات اللّه عليه و آله متأزرا بإزار من صوف، مرتديا بمثله، في كفّه سيف رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقال لنا: «أحدث حدث؟» فقلنا: خير، أمرنا رسول اللّه صلي الله عليه و آله أن نأتي بابك، و هو بالأثر.

فإذا قد أقبل رسول اللّه صلي الله عليه و آله فقال: «يا علي» قال: «لبيك».

قال: «أخبر أصحابي بما أصابك البارحة». قال علي: «يا رسول اللّه إنّي لاستحيي» فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ».

فقال عليّ صلوات اللّه عليه و آله: «يا رسول اللّه، أصابتني جنابة البارحة من فاطمة، و طلبت في البيت ماء فلم أجده، فبعثت الحسن كذا و الحسين كذا، فأبطا علي، فاستلقيت علي قفاي، فإذا أنا بهاتف من سواد البيت: قم يا عليّ و خذ السطل؛ و اغتسل، و إذا أنا بسطل مملوء من الماء، و عليه منديل من سندس، فأخذت السطل، و اغتسلت، و مسحت بدني بالمنديل، و رددت المنديل علي رأس السطل، فقام السطل في الهواء، فأصابت قطرة منه هامتي، فوجدت بردها علي فؤادي».

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «بخ بخ يا ابن أبي طالب، أصبحت و خادمك جبرئيل، أمّا الماء فمن نهر الكوثر، و أمّا السطل و المنديل فمن الجنّة، كذا أخبرني جبرئيل عليه السلام».

۲۳۷) عن أحمد بن عمّارة، عن عبد اللّه بن عبد الجبّار، قال: أخبرني مولاي و سيّدي الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسي بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهم، قال:

«كنت مع أبي علي شاطئ الفرات، فنزع قميصه و غاص في الماء، فجاء موج فأخذ القميص، فخرج أمير المؤمنين عليه السلام و إذا بهاتف يهتف: يا أمير المؤمنين، خذ ما عن يمينك. فإذا منديل فيه قميص ملفوف، فأخذ القميص و لبسه، فسقطت من جيبه رقعة، مكتوب فيها:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، هدية من اللّه العزيز الحكيم إلي عليّ بن أبي طالب، هذا قميص هارون بن عمران كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ».

۲۳۸) عن الحسين بن عبد الرحمن التمّار، قال: انصرفت عن مجلس بعض الفقهاء، فمررت بسليمان الشاذكوني، فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من مجلس فلان العالم. قال: فما قوله؟ قلت:

شيئا من مناقب أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه. فقال: و اللّه لأحدثنك بفضيلة سمعتها من قرشي عن قرشي.

قال: رجفت قبور البقيع علي عهد عمر بن الخطّاب فضجّ أهل المدينة من ذلك، فخرج عمر و معه أهل المدينة إلي المصلي يدعون اللّه تعالي ليسكن عنهم الرجفة، فما زالت تزيد في كلّ يوم إلي أن تعدي ذلك إلي حيطان المدينة، و عزم أهلها بالنقلة عنها، قال عمر انطلقوا بنا إلي أبي الحسن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و آله.

فمضي إليه و دخل عليه و معه أهل المدينة، فلمّا بصر به قال: يا أبا الحسن، أ ما تري إلي قبور البقيع و رجفتها، حتّي قد تعدي ذلك إلي حيطان المدينة، و قد عزم أهلها بالنقلة عنها، و الخروج منها؟

فقال أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه: «عليّ بمائة من أصحاب رسول اللّه صلي الله عليه و آله» فجاؤوا بهم، فاختار من المائة عشرة، فجعلهم خلفه، و جعل التسعين خلفهم، و دعا سلمان، و أبا ذر، و المقداد بن الأسود الكندي، و عمّارا فجعلهم أمامه، فلم يبق بالمدينة بنت عاتق إلّا خرجت إلي البقيع، حتّي إذا توسطه ضرب الأرض برجله، و قال: «مالك مالك مالك» ثلاثا فسكنت الرجفة، و قال أمير المؤمنين: «صدق حبيبي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فلقد أنبأني بهذا الخبر، و بهذا اليوم، و باجتماع الناس له».

۲۳۹) في كلام آخر عن التمّار، رفعه بإسناده، قال: كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام مع بعض أصحابه في مسجد الكوفة، فقال له رجل: بأبي أنت و أمّي، إنّي لأتعجب من هذه الدنيا التي في أيدي هؤلاء القوم، و ليست عندكم؟! فقال: «أ تري أنّا نريد الدنيا و لا نعطاها؟».

ثمّ قبض قبضة من الحصي، فإذا هي جواهر، فقال: «ما هذا؟» قال: هذا من أجود الجواهر. فقال: «لو أردنا هذا لكان، و لكنا لم نرد» ثمّ رمي بالحصي فعاد كما كان.

۲۴۰) عن الحسن البصري، قال: أتانا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله- و كنت يومئذ غلاما قد أيفعت- فدخل منزله- في حديث طويل- ثمّ خرج و تبعه الناس، فلمّا صار إلي الجبانة نزل و اكتنفه الناس، فخطّ بسوطه خطة، فأخرج منها دينارا، ثمّ خطّ خطة أخري فأخرج منها دينارا آخر، حتّي أخرج منها ثلاثة دنانير، فقلّبها في يده حتّي أبصارها الناس، ثمّ ردّها و غرسها بابهامه، ثمّ قال: «ليليك بعدي محسن أو مسي‌ء».

ثمّ ركب بغلة رسول اللّه صلي الله عليه و آله و انصرف إلي منزله، و أخذنا العلامة و صرنا إلي الموضع حتّي إذا بلغنا الرشح فلم نصب شيئا، فقلنا للحسن: ما تري ذلك من أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقال: «أمّا أنا فلا أري أن كنوز الأرض تسير إلّا لمثله».

۲۴۱) عن إبراهيم بن محمّد الأشعري، عمّن رواه، قال: إنّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله و سلّم أراد أن يبعث بمال إلي البصرة، فعلم بذلك رجل من أصحابه، فقال في نفسه: لو أتيته فسألته أن يبعث معي بهذا المال، فإذا دفعه إليّ أخذت طريق الكرخة فذهبت به.

فأتاه و قال: بلغني أنّك تريد أن تبعث بمال إلي البصرة؟ قال: «نعم».

قال: فادفعه إليّ فأبلغه، و اجعل لي ما تجعل لمن تبعثه. فقد عرفت صحبتي.

قال: فقال له أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: «خذ طريق الكرخة».

۲۴۲) حدّث أبو مهاجر زيد بن رواحة العبدي، قال:

دخلت الكوفة بعد موت الحجّاج فدخلت المسجد الجامع و أنا أقول:

الحمد للّه الذي أخلي منه الديار و الآثار، و جعل مصيره إلي النار؛ فسمعني رجل كان هناك جالسا إلي بعض سواري المسجد، فقال لي:

يا رجل، خف اللّه تعالي علي نفسك، و احبس علي لسانك، فإنّك في أرض مسبعة، و أوطان موحشة، فإن يك خائنا فقد هلك، و إن يك حامدا فقد ملك.

قال: فأنست به و جلست إليه فتحدّثنا ساعة، و رأيت جماعة منكبة علي رجل و هو يحدّثهم، و هم يسمعون منه، و يكتبون عنه، فقلت لصاحبي: من هذا الرجل؟ فقال: رجل شهد مع أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه البصرة و صفّين و النهروان، و الناس يسمعون منه، و يأخذون عنه، و هو رجل له أصل و شرف و لب و عقل.

فقلت له: هل لك أن تدنو منه، فلعلنا نسمع منه شيئا ننتفع به.

قال: نعم. فدنونا منه، فإذا هو يحدّث عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و يقول: سمعت، و رأيت؛ فاغتنمت، و أقبلت عليه، و أمهلته حتّي انفضّ عنه أكثر من كان عنده، و قلت له: أنا رجل من أهل البصرة، خرجت لطلب العلم، و أحببت أن أسمع منك شيئا أحدّث به عنك.

فقال: يا أهل البصرة، ما أجرأ الناس علي اللّه تعالي و علي رسوله صلي الله عليه و آله، و علي هتك الدين و فتنة المسلمين! ألا بشر عليكم أهل الغدر و النكث، بتوثبكم علي أهل الحقّ و الصدق، و إنّ أوّل الفتنة في هذا الدين من بين أفنيتكم و أنديتكم و لمّا ضربت بجرانها و كنانها، تراغي إليها الأكابر، و اصطلي بها الأصاغر، فأذكوا شواظّها، و ألكوا في دلاظها، حتّي إذا عمّهم عارها و شنارها رماها اللّه تعالي بأمير المؤمنين عليه السلام و سيّد الوصيّين و أخي رسول ربّ العالمين، فأقشع به عنكم الإفك، و جلي به عنكم الشرك، و قتل به أهل النكث و الإفك، و قامت به حجّة الحق، و ما كنتم بررة راشدين، و لا جهلة مسترشدين، و لقد استبدلتم الذي هو أدني بالذي هو خير، و استحببتم العمي علي الهدي، فبعدا للقوم الظالمين.

قال: فأمسكت عنه حتّي فرغ من كلامه، ثمّ قلت: أيّها الشيخ، لقد عممت أهل البصرة، و قد كان فيهم المؤمن و الكافر، و البر و الفاجر، و السعيد و الشقي، و لقد نصر اللّه تعالي وليّه و دينه منهم بقوم كما قال اللّه تعالي: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْري لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَي السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ قد كشف اللّه لهم عن قلوبهم و أبصارهم حتّي عرفوا الحقّ من الباطل، و المحق من المبطل، فجاهدوا في اللّه مع وليّه حقّ الجهاد.

قال: صدقت و لقد كان معنا منهم يومئذ قوم صبروا و نصروا، فمن أنت؟ قلت: أنا رجل من عبد القيس. فقال: أهلا بك و مرحبا، بأبي قومك و يومك. ثمّ أدناني و قرّبني، و أقبل علي، ثمّ قال لي:

و اللّه، لأحدّثنك بما تقرّ به عينك، و تقوي به بصيرتك، و يزداد به إيمانك.

ثمّ قال: قم بنا، و أخذ بيدي إلي منزله، و أكرمني، و أحسن ضيافتي، و قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «قيّدوا العلم بالكتابة» و قام، و أخرج صحيفة من جلد أبيض، فيه كتابة فقرأ علي:

«حدّثني ربيعة بن سالم الهمداني، قال: لمّا كان اليوم الذي قتل فيه عمّار بن ياسر رضي اللّه عنه و كان ابتدأنا من صفين حربا و طعنا، فاستندت إلي قفة كانت هناك، و أشرفت علي الناس، و قد تزحزحوا عن مقاماتهم، و هم يتكفؤون تكفؤ السفينة بأهلها، فمن بين متقدّم لقتال، و متأخر عن كلال، ما يسمع إلّا صهيل الخيل، و غمغمة الرجال، و قعقعة اللجم، و اصطكاك القنا باختلافها، و خفق الرايات، و قد أخذ العدو الماء، و حفظ الموارد، و الناس معطشون، و قد مدّت الخيل أعناقها و لجمها، و عضت علي الشكائم، و قلقلت في مواقفها، و قهقرت علي أكفالها، و صهلت لأوجالها، و تداعي الناس بآبائهم (و اعتزوا بأنسابهم) و الناس ملتفون، و النساء علي المطايا خلال الصفوف يحرضنّ الرجال علي القتال، و قراء القرآن يتلون ما ذكره اللّه تعالي في كتابه من فضل الجهاد و المجاهدين و الصبر عند مواقف الصدق، و قد سمحوا بالأنفس و الأموال كأن قد عاينوا الثواب، و استيقنوا المآب، و أقبلت قبيلة همدان برايتها مع سعيد بن قيس كأنّها سحابة مودقة.

قال ربيعة: فاتكيت علي رمحي، و رفعت طرفي إلي السّماء، و قلت في نفسي: يا ربّ، هذا أخو نبيّك و وصيّه، و أحبّ الخلق إليه، و أزلفهم لديه، و أقربهم منه، و أنصرهم له، و أعلمهم بالدّين، و أنصحهم للمسلمين، و أهداهم للحقّ، و أعلمهم بالكتاب، و أعمالهم به، و بما يأتي و يذر، فثبّت كلمته، و قصهم علي دعوته، إنّ هذا الأمر ما يرد بهذا الخلق، و للّه الخلق و الأمر، يصيب برحمته من يشاء، اللّهمّ و قد ضعفت عن حمل ذلك، فافتح اللهم لي ما تثبّت به قلبي، و تشرح به صدري، و تطلق به لساني، و تذهب به نزغ الشيطان الرجيم، و همزه و كيده و وسوسته و خيله و رجله.

قال ربيعة: فلمّا استتم الدعاء إذا أنا بمقرعة بين كتفي، فالتفت فإذا أنا بأمير المؤمنين عليه السلام و هو علي بغلة رسول اللّه صلي الله عليه و آله و بيده عنزة رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و كأنّ وجهه كدائرة القمر إذا أبدر، فقال لي: «يا ربيعة، لشد ما جزعت، إنّما الناس رائح و مقيم، فالرائح من يحببه هذا اللقاء إلي جنّة المأوي، و إلي سدرة المنتهي، و إلي جنّة عرضها كعرض السّماء و الأرض، أعدّت للمتقين؛ و المقيم بين اثنين: إمّا نعم مقلّة، أو فتنة مضلّة، يا ربيعة، حيّ علي معرفة ما سألت ربا»

و مرّ يفري الأرض فريا و اتبعته حتّي خرج عن العسكر، و جازه بميل أو نحوه، و ثني رجله عن البغلة، و نزل و خر علي الأرض للدّعاء، يقلّب كفّيه بطنا و ظهرا، فما ردّ يده حتّي نشأت قطعة سحابة كأنّها هقل نعام تدب بين السماء و الأرض، حتّي أظلّتنا، فما عدا ظلّها مركبنا، حتّي هطلت بشي‌ء كأفواه القرب، و شرب فرسي. من تحت حافره، و ملأت مزادي، و ارتويت، و رويت، فرسي، ثمّ عاد فركب بغلته، و عادت السحابة من حيث جاءت، و عدت إلي العسكر، فتركني و انغمس في الناس.

۲۴۳) عن عاصم بن شريك، عن أبي البختري، عن أبي عبد اللّه الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال: «أتي أمير المؤمنين عليه السلام منزل عائشة، فنادي: «يا فضة، ائتينا بشي‌ء من ماء نتوضأ به،» فلم يجبه أحد، و نادي ثلاثا، فلم يجبه أحد، فولّي عن الباب يريد منزل الموفقة السعيدة الحوراء الإنسية فاطمة عليها السلام، فإذا هو بهاتف يهتف و يقول: يا أبا الحسن دونك الماء فتوضأ به. فإذا هو بإبريق من ذهب مملوء ماء عن يمينه، فتوضأ، ثمّ عاد الإبريق إلي مكانه، فلمّا نظر إليه رسول اللّه صلي الله عليه و آله قال: «يا عليّ ما هذا الماء الذي أراه يقطر كأنّه الجمان؟».

قال: «بأبي أنت و أمّي، أتيت منزل عائشة فدعوت فضة تأتينا بماء للوضوء ثلاثا فلم يجبني أحد، فوليت، فإذا أنا بهاتف يهتف و هو يقول: يا عليّ دونك الماء. فالتفت فإذا أنا بإبريق من ذهب مملوء ماء».

فقال: «يا عليّ تدري من الهاتف؟ و من أين كان الإبريق؟»

فقلت: «اللّه و رسوله أعلم».

فقال صلي الله عليه و آله: «أمّا الهاتف فحبيبي جبرئيل عليه السلام، و أمّا الإبريق فمن الجنّة، و أمّا الماء فثلث من المشرق، و ثلث من المغرب، و ثلث من الجنّة». فهبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول اللّه، اللّه يقرئك السلام و يقول لك: أقرئ عليّا السلام مني، و قل: إنّ فضة كانت حائضا.

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «منه السلام، و إليه يردّ السلام، و إليه يعود طيب الكلام». ثمّ التفت إلي عليّ عليه السلام فقال: «حبيبي علي، هذا جبرئيل أتانا من عند ربّ العالمين، و هو يقرئك السلام و يقول: إنّ فضة كانت حائضا. فقال عليّ عليه السلام: «اللّهمّ بارك لنا في فضّتنا».

و آياته عليه السلام أكثر من أن تحصي، أو يحصرها كتاب، أو يتضمنها خطاب، و قد اقتصرنا علي القليل مخافة التطويل.

الباب الرابع في آيات سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام

في ذكر آياتها و هي في بطن أمّها و فيه: حديثان

۲۴۴) عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: لمّا تزوجت خديجة بنت خويلد، رسول اللّه صلي الله عليه و آله هجرها نسوان مكّة، و كنّ لا يكلمنها، و لا يدخلن عليها، فلمّا حملت بالزهراء فاطمة عليها السلام كانت إذا خرج رسول اللّه صلي الله عليه و آله من منزلها تكلمها فاطمة الزهراء في بطنها من ظلمة الأحشاء، و تحدّثها و تؤانسها، فدخل رسول اللّه صلي الله عليه و آله فقال لها: «يا خديجة من تكلمين؟» قالت: يا رسول اللّه، إنّ الجنين الذي أنا حامل به إذا أنا خلوت به في منزلي كلّمني، و حدّثني من ظلمة الأحشاء.

فتبسّم رسول اللّه صلي الله عليه و آله ثمّ قال: «يا خديجة، هذا أخي جبرئيل عليه السلام يخبرني أنّها ابنتي، و أنّها النسمة الطاهرة المطهّرة، و أنّ اللّه تعالي أمرني أن أسمّيها (فاطمة) و سيجعل اللّه تعالي من ذرّيتها أئمة يهتدي بهم المؤمنون».

ففرحت خديجة بذلك، فلمّا أن حضر وقت ولادتها أرسلت إلي نسوان مكّة أن: يتفضلن و يحضرن ولادتي ليلين منّي ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إليها: يا خديجة، أنت عصيتنا و لم تقبلي منّا قولنا، و تزوجت فقيرا لا مال له، فلسنا نجي‌ء إليك، و لا نلي منك ما تلي النساء من النساء.

فاغتمّت خديجة رضي اللّه عنها غمّا شديدا، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة كأنّهن من نسوة قريش، فقالت إحداهن: يا خديجة، لا تحزني فأنا آسية بنت مزاحم، و هذه صفيّة بنت شعيب و في رواية أخري: كلثم بنت عمران أخت موسي عليه السلام- و هذه سارة زوجة إبراهيم عليه السلام، و هذه مريم بنت عمران عليه السلام؛ و قد بعثنا اللّه تعالي إليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء. و جلسن حولها، و وضعت الزهراء فاطمة عليها السلام طاهرة و مطهرة.

۲) قال ابن عبّاس: لمّا سقطت فاطمة الزهراء إلي الأرض أزهرت الأرض، و أشرقت الفلوات، و أنارت الجبال و الربوات، و هبطت الملائكة إلي الأرض و نشرت أجنحتها في المشرق و المغرب، و ضربت عليها سرادقات و حجب البهاء، و كنفتها بأظلة السماء، و غشي أهل مكّة ما غشيهم من النور، و دخل رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلي خديجة و قال: «يا خديجة، لا تحزني، إن كان قد هجرك نسوان مكّة و لن يدخلن عليك، فلينزلن عندك اليوم نسوان بهجات عطرات غنجات، ينقدح في أعلاهن نور يستقبل استقبالا و يلتهب التهابا، و تفوح منهن رائحة تسرّ أهل مكّة جميعا» فسلمت الجواري فأحسن و حيين فأبلغن- في حديث طويل- حتّي وليت كلّ واحدة من حملها و غسلها- في الطشت الذي كان معهن- و نشفها بالمنديل و تخليقها و تقميطها، فلمّا فرغن عرجن إلي السماء مثنيات عليها.

و في رواية أخري أنّ المرأة التي بين يدي خديجة غسّلتها بماء الكوثر، و أخرجت خرقتين بيضاوين أشدّ بياضا من اللبن، و أطيب رائحة من المسك و العنبر، فلفّتها بواحدة، و قنعتها بالثانية، ثمّ استنطقتها فنطقت عليها السلام بالشهادة، فقالت: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ أبي محمّدا رسول اللّه، و أنّ عليا سيّد الأوصياء، و ولدي سادة الأسباط» ثمّ سلّمت عليهن و سمّت كلّ واحدة منهن باسمها، و أقبلن فضحكن إليها.

و تباشرت الحور العين، و بشّر أهل السماوات بعضهم بعضا بولادة فاطمة عليها السلام، و حدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك، و قالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة، مطهرة، زكية ميمونة، بورك لك فيها، و في نسلها.

فتناولتها فرحة مستبشرة و ألقمتها ثديها فدرّ عليها، و كانت عليها السلام تنمو في اليوم كما ينمو الصبي في الشهر، و تنمو في الشهر كما ينمو الصبي في السنة.

في بيان آياتها بإنزال الملك من السماء بتزويجها و فيه: حديث واحد

۲۴۶) عن الأعمش، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «كنت يوما جالسا في المسجد إذ هبط عليّ ملك له عشرون رأسا، فوثبت لأقبّل رأسه، فقال: مه يا أحمد، أنت أكرم علي اللّه تعالي من أهل السماوات و أهل الأرض أجمعين. و قبّل الملك رأسي و يدي، فظننته جبرئيل عليه السلام، فقلت: حبيبي جبرئيل، ما هذه الصورة التي لم تهبط عليّ بمثلها؟ قال: ما أنا بجبرئيل، و لكني ملك، يقال لي (محمود) و بين كتفي مكتوب: لا إله إلا اللّه، محمّد رسول اللّه.

و في رواية: عليّ وليّه و وصيّه.

بعثني أن أزوج النور من النور. قلت: من النور؟ قال: فاطمة من علي، و هذا جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و إسماعيل صاحب سماء الدنيا، و سبعون ألفا من الملائكة قد حضروا».

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله لعليّ عليه السلام: «قد زوجتك علي ما زوجك اللّه من فوق سبع سماوات، فخذها إليك».

ثمّ التفت النبيّ صلي الله عليه و آله إلي محمود و قال: «منذ كم كتب هذا بين كتفيك؟» قال: من قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام.

قال: فناوله جبرئيل قدحا فيه خلوق من خلوق الجنّة، و قال:

حبيبي يا محمّد، مر فاطمة أن تلطخ رأسها و بدنها من هذا الخلوق.

فكانت فاطمة عليها السلام إذا حكّت رأسها أو بدنها شمّ أهل المدينة رائحة الخلوق.

في بيان آياتها مع الرحي و فيه: ثلاثة أحاديث

۲۴۷) عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «بعث رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلي فاطمة عليها السلام بمكيال فيه تمر مع أبي ذر رحمه اللّه تعالي.

قال أبو ذر: فأتيت الباب، و قلت: السلام عليكم. فلم يجبني أحد، فظننت أن فاطمة عليها السلام بحال الرحي فلم تسمع، ففتحت الباب و إذا فاطمة عليها السلام نائمة و الحسين يرتضع، و الرحي تدور.

قال أبو ذر: فأتيت رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقلت: يا رسول اللّه، أتوب إلي اللّه ممّا صنعت إني أتيت أمرا عظيما.

فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «و ما أتيت يا أبا ذر؟» فقصّ عليه ما كان، فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «ضعفت فاطمة فأعانها اللّه علي دهرها».

۲۴۸) عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، قال: «بعث رسول اللّه صلي الله عليه و آله سلمان رضي اللّه عنه إلي فاطمة عليها السلام لحاجة.

قال سلمان: وقفت بالباب وقفة حتّي سلّمت فسمعت فاطمة تقرأ القرآن خفاء، و الرحي تدور من بر، ما عندها أنيس.

قال: فعدت إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و قلت: يا رسول اللّه، رأيت أمرا عظيما. فقال: «و ما هو يا سلمان؟ تكلم بما رأيت».

قلت: وقفت بباب ابنتك يا رسول اللّه، فسمعت فاطمة تقرأ القرآن من خفاء، و الرحي تدور من بر، و ما عندها أنيس! فتبسّم صلي الله عليه و آله و قال: «يا سلمان إن ابنتي فاطمة عليها السلام ملأ اللّه قلبها و جوارحها إيمانا و يقينا إلي ما شاء، ففزعت لطاعة ربّها، فبعث اللّه ملكا اسمه روفائيل- و في موضع آخر: رحمة- فأدار لها الرحي، فكفاها اللّه مؤونة الدنيا و الآخرة».

۲۴۹) عن أسامة بن زيد، قال: افتقد رسول اللّه صلي الله عليه و آله ذات يوم عليّا، فقال: «اطلبوا إليّ أخي في الدنيا و الآخرة، اطلبوا إليّ فاصل الخطوب، اطلبوا إليّ المحكّم في الجنّة في اليوم المشهود اطلبوا إليّ حامل لوائي في المقام المحمود».

قال أسامة: فلما سمعت من رسول اللّه صلي الله عليه و آله ذلك بادرت إلي باب علي، فناداني رسول اللّه صلي الله عليه و آله من خلفي: «يا أسامة، عجّل عليّ بخبره» و ذلك بين الظهر و العصر، فدخلت فوجدت عليّا كالثوب الملقي لاطيا بالأرض، ساجدا يناجي اللّه تعالي، و هو يقول: «سبحان اللّه الدائم، فكّاك المغارم، رزّاق البهائم، ليس له في ديمومته ابتداء، و لا زوال و لا انقضاء» فكرهت أن أقطع عليه ما هو فيه حتّي يرفع رأسه، و سمعت أزيز الرحي فقصدت نحوها لأسلّم علي فاطمة و أخبرها بقول رسول اللّه صلي الله عليه و آله في بعلها، فوجدتها راقدة علي شقّها الأيمن، مخمرة وجهها بجلبابها- و كان من وبر الإبل- و إذا الرحي تدور بدقيعها، و إذا كفّ يطحن عليها برفق، و كفّ أخري تلهي الرحا، لها نور، لا أقدر أن أملي عيني منها، و لا أري إلّا اليدين بغير أبدان، فامتلأت فرحا بما رأيت من كرامة اللّه لفاطمة عليها السلام.

فرجعت إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و تباشير الفرح في وجهي بادية، و هو في نفر من أصحابه، قلت: يا رسول اللّه، انطلقت أدعو عليّا، فوجدته كذا و كذا، و انطلقت نحو فاطمة عليها السلام فوجدتها راقدة علي شقّها الأيمن، و رأيت كذا و كذا!

فقال: «يا أسامة، أ تدري من الطاحن، و من الملهي لفاطمة؟ إنّ اللّه قد غفر لبعلها بسجدته سبعين مغفرة، واحدة منها لذنوبه ما تقدّم منها و ما تأخر، و تسعة و ستين مذخورة لمحبّيه، يغفر اللّه بها ذنوبهم يوم القيامة، و إنّ اللّه تعالي رحم ضعف فاطمة لطول قنوتها بالليل، و مكابدتها للرحي و الخدمة في النهار، فأمر اللّه تعالي وليد ين من الولدان المخالدين أن يهبطا في أسرع من الطرف، و إنّ أحدهما ليطحن، و الآخر ليلهي رحاها.

و إنّما أرسلتك لتري و تخبر بنعمة اللّه علينا، فحدّث، يا أسامة لو تبديا لك لذهب عقلك من حسنهما، و إنّما سألتني خادما فمنعتها، فأخدمها اللّه بذلك سبعين ألف ألف وليدة في الجنّة، الذين رأيت منهن، و إنا من أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة الباقية علي الدنيا الفانية».

في بيان ظهور آياتها مع القدر و النار و فيه: حديث واحد

۲۵۰) عن حمّاد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: سألني الحجّاج بن يوسف عن حديث عائشة، و حديث القدر التي رأت فاطمة بنت رسول اللّه صلي الله عليه و آله و هي تحركها بيدها، قلت: نعم، أصلح اللّه الأمير، دخلت عائشة علي فاطمة عليها السلام و هي تعمل للحسن و الحسين عليهما السلام حريرة بدقيق و لبن و شحم، في قدر، و القدر علي النار يغلي (و فاطمة صلوات اللّه عليها) تحرك ما في القدر بإصبعها، و القدر علي النار يبقبق، فخرجت عائشة فزعة مذعورة، حتّي دخلت علي أبيها، فقالت: يا أبه، إنّي رأيت من فاطمة الزهراء أمرا عجيبا، رأيتها و هي تعمل في القدر، و القدر علي النار يغلي، و هي تحرك ما في القدر بيدها! فقال لها: يا بنية، اكتمي، فإنّ هذا أمر عظيم.

فبلغ رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و سلم، فصعد المنبر، و حمد اللّه و أثني عليه، ثمّ قال: «إنّ الناس يستعظمون و يستكثرون ما رأوا من القدر و النار، و الذي بعثني بالرسالة و اصطفاني بالنبوة، لقد حرّم اللّه تعالي النار علي لحم فاطمة و دمها و شعرها و عصبها، و فطم من النار ذرّيتها و شيعتها، إنّ من نسل فاطمة من تطيعه النار و الشمس و القمر و النجوم و الجبال، و تضرب الجنّ بين يديه بالسيف، و توافي إليه الأنبياء بعهودها، و تسلّم إليه الأرض كنوزها، و تنزّل عليه من السماء بركات ما فيها، الويل لمن شك في فضل فاطمة، لعن اللّه من يبغض بعلها و لم يرض بإمامة ولدها، إنّ لفاطمة يوم القيامة موقفا، و لشيعتها موقفا، و إنّ فاطمة تدعي فتلبي، و تشفع فتشفّع علي رغم كلّ راغم».

في بيان آياتها فيما أنزل عليها من السماء و فيه: ثلاثة أحاديث

۲۵۱) عن زينب بنت عليّ عليهما السلام، قالت: صلّي رسول اللّه صلي الله عليه و آله صلاة الفجر، ثمّ أقبل بوجهه الكريم علي عليّ عليه السلام، فقال: «هل عندكم طعام؟» فقال: «لم آكل منذ ثلاثة أيّام طعاما، و ما تركت في منزلي طعاما».

قال: «امض بنا إلي فاطمة» فدخلا عليها و هي تتلوي من الجوع، و ابناها معها، فقال: «يا فاطمة، فداك أبوك، هل عندك طعام؟» فاستحيت فقالت: «نعم» فقامت و صلّت؛ ثمّ سمعت حسّا فالتفتت فإذا بصحفة ملأي ثريدا و لحما، فاحتملتها فجاءت بها و وضعتها بين يدي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فجمع عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام، و جعل عليّ يطيل النظر إلي فاطمة، و يتعجّب، و يقول: «خرجت من عندها و ليس عندها طعام، فمن أين هذا؟»

ثمّ أقبل عليها فقال: «يا بنت رسول اللّه، أَنَّي لَكِ هذا؟».

قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

فضحك النبي صلي الله عليه و آله و قال: «الحمد للّه الذي جعل في أهلي نظير زكريا و مريم إذ قال لها: أَنَّي لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ».

فبينما هم يأكلون إذ جاء سائل بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت، أطعموني ممّا تأكلون. فقال صلي الله عليه و آله: «اخسأ اخسأ» ففعل ذلك ثلاثا، و قال عليّ عليه السلام: «أمرتنا أن لا نرد سائلا، من هذا الذي أنت تخسأه؟» فقال: «يا علي، إنّ هذا إبليس، علم أنّ هذا طعام الجنّة، فتشبّه بسائل لنطعمه منه».

فأكل النبيّ صلي الله عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام حتّي شبعوا، ثمّ رفعت الصفحة، فأكلوا من طعام الجنّة في الدنيا.

۲۵۲) عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ رضي اللّه عنه، قال: إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله أقام أيّاما لم يطعم فيها طعاما حتّي شقّ عليه ذلك، فطاف في ديار أزواجه فلم يصب عند إحداهن شيئا، فأتي فاطمة عليها السلام، فقال: «يا بنية، هل عندك شي‌ء آكله، فإنّي جائع؟» قالت: «لا و اللّه».

فلمّا خرج بعثت جارية لها برغيفين و بضعة لحم، فأخذته و وضعته في جفنة و غطّت عليها و قالت: «و اللّه لأوثرن بها رسول اللّه صلي الله عليه و آله علي نفسي، و علي غيري». و كانوا محتاجين إلي شبعة طعام، فبعثت حسنا و حسينا إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

فرجع إليها، فقالت: «قد أتاني اللّه بشي‌ء فخبّأته لك» فقال: «هلمي يا بنية» فكشف الجفنة، فإذا هي مملوءة خبزا و لحما، فلمّا نظرت إليها بهتت، و عرفت أنّه من عند اللّه تعالي، فحمدت اللّه تعالي، و صلّت علي أبيها، و قدّمته إليه، فلمّا رآه حمد اللّه و قال: أَنَّي لَكِ هذا؟» قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

فبعث رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلي علي، ثمّ أكل رسول اللّه صلي الله عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام، و جميع أزواج النبيّ صلي الله عليه و آله حتّي شبعوا.

قالت فاطمة عليها السلام: «و بقيت الجفنة كما هي، فأوسعت منها علي الجيران، و جعل اللّه فيها بركة و خيرا كثيرا».

۲۵۳) عن عاصم بن الأحول، عن زر بن حبيش، عن سلمان الفارسيّ رضي اللّه عنه، قال: خرجت من منزلي يوما بعد وفاة رسول اللّه صلي الله عليه و آله فلقيني عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال لي: «يا سلمان، جفوتنا بعد وفاة رسول اللّه صلي الله عليه و آله؟».

فقلت: حبيبي يا أمير المؤمنين، مثلك لا يخفي عليه، غير أنّ حزني علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله هو الذي منعني من زيارتكم. فقال لي:

«يا سلمان، ائت منزل فاطمة فإنّها إليك مشتاقة، و تريد أن تتحفك بتحفة قد أتحفت بها من الجنّة.

قال سلمان: قلت: يا أمير المؤمنين أتحفت بتحفة من الجنّة بعد وفاة رسول اللّه صلي الله عليه و آله؟!» قال: «نعم يا سلمان».

قال: فهرولت هرولة إلي منزل فاطمة عليها السلام، و قرعت الباب، فخرجت إليّ فضّة فأذنت لي، فدخلت و إذا فاطمة جالسة، و عليها عباءة قد اعتجرت بها و استترت، فلمّا رأتني قالت: «يا سلمان، اجلس و اعقل و اعلم أنّي كنت جالسة بالأمس مفكّرة في وفاة رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و الحزن يتردد في صدري، و قد كنت رددت باب حجرتي بيدي، فانفتح من غير أن يفتحه أحد، و إذا أنا بأربع جواري، فدخلن علي، لم ير الراءون بحسنهن و نظارة وجوههن، فلمّا دخلن قمت إليهن مستنكرة لهن، فقلت: أنتن من أهل المدينة أم من أهل مكّة؟ فقلن: لا من أهل المدينة، و لا من أهل مكّة، و لا من أهل الأرض، نحن من الحور العين، أرسلنا إليك ربّ العالمين يا ابنة رسول اللّه لنعزّيك بوفاة رسول اللّه صلي الله عليه و آله».

قالت فاطمة عليها السلام: «فقلت لإحداهن: ما اسمك؟ قالت:

ذرّة. قلت: حبيبتي لم سمّيت ذرّة؟ قالت: سمّيت ذرة لأبي ذر الغفاري، صاحب أبيك رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

فقلت للأخري: و أنت ما اسمك؟ قالت: أنا سلمي. فقلت: لم سمّيت سلمي؟ قالت: لأني لسلمان الفارسي، صاحب رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

و قلت للأخري: ما اسمك؟ قالت: مقدودة. فقلت: حبيبتي، و لم سمّيت مقدودة؟ قالت: لأنّي للمقداد بن الأسود الكندي، صاحب رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

فقلت للأخري: ما اسمك؟ قالت: عمّارة. قلت: و لم سمّيت عمّارة؟ قالت: لأنّي لعمّار بن ياسر، صاحب رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

فأهدين إليّ هدية، أخبأت لك منها» ثمّ أخرجت لي طبقا أبيض، فيه رطب أكبر من الخشكنانج، أبيض من الثلج، و أذكي من المسك، و أعطتني منها عشر رطبات، عجزت عن حملها، فقالت:

«كلهن عند إفطارك، وعد إليّ بعجمهن».

قال سلمان: فخرجت من عندها أريد منزلي، فما مررت بأحد و لا بجمع من أصحاب رسول اللّه صلي الله عليه و آله إلّا قالوا: يا سلمان، رائحة المسك الأذفر معك.

قال سلمان: كتمت أنّ معي شيئا حتّي أتيت منزلي، فلمّا كان وقت الإفطار أفطرت عليهن، فلم أجد لهن عجما، فغدوت إلي فاطمة، و قرعت الباب عليها، فأذنت لي بالدخول، فدخلت و قلت: يا بنت رسول اللّه؛ أمرتني أن آتيك بعجمته، و أنا لم أجد لها عجما! فتبسّمت، و لم تكن ضحكت عليها السلام.

ثمّ قالت: «يا سلمان، هي من نخيل غرسها اللّه تعالي لي في دار السلام بدعاء علمنيه أبي رسول اللّه صلي الله عليه و آله كنت أقوله غدوة و عشيّة» قلت: علميني الكلام سيدتي.

قالت: «إن سرّك أن تلقي اللّه تعالي و هو عنك راض غير غضبان، و لا تضرّك وسوسة الشيطان ما دمت حيّا، فواظب عليه».

و في رواية أخري: «إن سرّك أن لا تمسّك الحمّي ما عشت في دار الدنيا، فواظب عليه،» فقال سلمان: فقلت: علميني. قالت عليها السّلام: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، بسم اللّه النور، بسم اللّه نور النور، بسم اللّه نور علي نور، بسم اللّه الذي هو مدبر الأمور، بسم اللّه الذي خلق النور من النور، الحمد للّه الذي خلق النور من النور، و أنزل النور علي الطور، في كتاب مسطور، في رق منشور، و البيت المعمور و السقف المرفوع و البحر المسجور بقدر مقدور علي نبيّ محبور، الحمد للّه الذي هو بالعز مذكور، و بالخير مشهور، و علي السرّاء و الضرّاء مشكور».

قال سلمان: فتعلمته، و قد لقّنت أكثر من ألف نفس من أهل المدينة و مكّة ممّن بهم علل الحمّي، و كلّهم برئوا بإذن اللّه تعالي.

و في رواية أخري: في شكوي و وسوسة الشيطان، و قد نزل عليها السلام الرزق من السّماء، و كثيرا ما تدور الرحي في بيتها و هي نائمة أو مشتغلة بأمر آخر، و الرّواية فيها متظافرة.

في ظهور آياتها في غليان القدر بغير نار و فيه: حديثان

۲۵۴) عن زاذان، عن سلمان رضي اللّه عنه، قال: أتيت ذات يوم منزل فاطمة عليها السّلام فوجدتها نائمة قد تغطّت بالعباءة، و نظرت إلي قدر منصوبة بين يديها تغلي بغير نار، فانصرفت مبادرا إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فلمّا بصر بي ضحك، ثمّ قال: «يا أبا عبد اللّه، أعجبك ما رأيت من حال ابنتي فاطمة؟» قلت: نعم، يا رسول اللّه.

فقال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «أتعجب من أمر اللّه، إنّ اللّه تبارك و تعالي علم ضعف ابنتي فاطمة، فأيّدها بمن يعينها علي دهرها من كرام ملائكته».

۲۵۵) عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قد استقرض من يهوديّ شيئا، فاسترهنه فدفع إليه ملاءة فاطمة عليها السلام، و كانت من الصّوف؛ فأدخلها اليهودي داره، فوضعها في بيت، فلمّا كان الليل دخلت زوجته البيت الذي فيه الملاءة لشغل، فرأت نورا ساطعا في البيت.

فانصرفت إلي زوجها فأخبرته بما رأت في ذلك البيت، فتعجّب زوجها، و قد نسي أنّ في بيته ملاءة فاطمة عليها السلام، فنهض مسرعا، فدخل البيت فإذا ضياء الملاءة، منتشرة و شعاعها، كأنّها تشتعل من بدر منير، يلمع من قريب، فتعجّب من ذلك فأمعن النّظر في موضع الملاءة، فعلم أن النّور من ملاءة فاطمة عليها السّلام، فخرج اليهوديّ إلي قرابته، و زوجته إلي قرابتها، و استحضرهم الدار، فاجتمع ثمانون من اليهود، فرأوا ذلك فأسلموا.

الباب الخامس في بيان آيات السبط الزكي أبي محمّد الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام

في بيان آياته في إحياء الموتي و فيه: حديث واحد

۲۵۶) عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «جاء أناس إلي الحسن عليه السلام فقالوا له: أرنا من عجائب أبيك التي كان يرينها.

قال: أ فتؤمنون بذلك؟ فقالوا كلّهم: نعم، نؤمن باللّه تعالي».

قال: «فأحيا لهم ميتا بإذن اللّه، فقالوا بأجمعهم: نشهد أنّك ابن أمير المؤمنين عليه السلام حقّا، و أنّه كان يرينا مثل ذلك كثيرا».

في بيان ظهور آياته فيما يشاكل ذلك و فيه: حديث واحد

۲۵۷) عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله:

«حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، فإنّه قد كانت فيهم الأعاجيب، ثمّ أنشأ يحدّث صلي الله عليه و آله فقال:

«خرجت طائفة من بني إسرائيل حتّي أتوا مقبرة لهم، و قالوا: لو صلّينا فدعونا اللّه تعالي فأخرج لنا رجلا ممّن مات نسأله عن الموت؛ ففعلوا، فبينما هم كذلك، إذ أطلع رجل رأسه من قبر، بين عينيه أثر السجود، فقال: يا هؤلاء، ما أردتم منّي، لقد متّ منذ عام، ما كان سكنت عني حرارة الموت، حتّي كان الآن فادعوا اللّه أن يعيدني كما كنت».

قال جابر بن عبد اللّه: و لقد رأيت و حقّ اللّه و حقّ رسول اللّه من الحسن بن عليّ عليهما السلام أفضل و أعجب منها، و من الحسين بن عليّ عليهما السلام أفضل: و أعجب منها.

أمّا الذي رأيته من الحسن عليه السلام فهو: أنّه لمّا وقع عليه من أصحابه ما وقع، و ألجأه ذلك إلي مصالحة معاوية، فصالحه، و اشتدّ ذلك علي خواص أصحابه، فكنت أحدهم فجئته فعذلته، فقال:

«يا جابر، لا تعذلني، و صدّق رسول اللّه في قوله: (إنّ ابني هذا سيّد، و إنّ اللّه تعالي يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)».

فكأنّه لم يشف ذلك صدري فقلت: لعل هذا شي‌ء يكون بعد، و ليس هذا هو الصلح مع معاوية، فإنّ هذا هلاك المؤمنين و إذلالهم، فوضع يده علي صدري و قال: «شككت و قلت كذا».

قال: «أ تحب أن أستشهد رسول اللّه صلي الله عليه و آله الآن حتّي تسمع منه؟!» فعجبت من قوله، إذ سمعت هدّة، و إذا بالأرض من تحت أرجلنا انشقت، و إذا رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و عليّ و جعفر و حمزة عليهم السلام قد خرجوا منها، فوثبت فزعا مذعورا، فقال الحسن: «يا رسول اللّه، هذا جابر، و قد عذلني بما قد علمت».

فقال صلي الله عليه و آله لي: «يا جابر، إنّك لا تكون مؤمنا حتّي تكون لأئمتك مسلّما، و لا تكون عليهم برأيك معترضا، سلّم لابني الحسن ما فعل، فإنّ الحقّ فيه، إنّه دفع عن حياة المسلمين الاصطلام بما فعل، و ما كان ما فعله إلّا عن أمر اللّه، و أمري».

فقلت: قد سلمت يا رسول اللّه. ثمّ ارتفع في الهواء هو و عليّ و حمزة و جعفر، فما زلت أنظر إليهم حتّي انفتح لهم باب [من السماء] و دخلوها، ثمّ باب السماء الثانية، إلي سبع سماوات يقدمهم سيّدنا و مولانا محمّد صلي الله عليه و آله.

في بيان ظهور آياته من إخراج التمر من الشجر اليابس بإذن الله تعالي و فيه: حديث واحد

۲۵۸) عن إسماعيل بن مهران، عن منذر الكناسي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «خرج الحسن بن عليّ عليهما السلام في بعض سفره و معه رجل من ولد الزبير [لا] يقول بإمامته، فنزلوا في منهل من المناهل، تحت نخل يابس، قد يبس من العطش»

قال: «ففرش لأبي محمّد الحسن تحت نخلة، و الزبيريّ بحذائه تحت نخلة أخري».

قال: «فقام الزبيريّ و رفع رأسه و قال: لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه. فقال الحسن عليه السلام: و إنّك لتشتهي الرطب؟! قال: نعم. فرفع يده إلي السماء و دعا بدعاء لم يسمع و لم يفهم، فاخضرّت النخلة، ثمّ صارت إلي حالتها فأورقت و حملت رطبا».

قال: «فقال الجمّال الذي اكتروا منه: سحر و اللّه! فقال الحسن:

و اللّه ليس بالسحر و لكن دعوة ابن نبيّ مجابة، فصعدوا إلي النخلة حتّي صرموا ما كان فيها، و ما كان كفاهم».

في ظهور آياته من إظهار بعض حكم القيامة، و أحوالها في الدنيا و فيه: حديث واحد

۲۵۹) عليّ بن رئاب، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يحدّث عن آبائه أنّه أتي آت الحسن بن عليّ عليهما السلام، فقال: ما عجز عنه موسي عليه السلام من مسألة الخضر عليه السلام، فقال:

من الكنز الأعظم.

ثمّ ضرب بيده علي منكب الرجل فقال: «إيه» ثمّ ركض ما بين يديه، فانفلق عن انسانين علي صخرة، يرتفع منهما بخار أشدّ نتنا من الخبال و في عنق كلّ واحد منهما سلسلة و شيطان مقرون به، و هما يقولان: يا محمّد، يا محمّد. و الشيطانان يردّان عليهما: كذبتما.

ثمّ قال: «انطبقي عليهما إلي الوقت المعلوم الذي لا يقدّم و لا يؤخر» و هو خروج القائم المنتظر عليه السلام، فقال الرجل: سحر. ثمّ ولّي علي أن يخبر بضد ذلك فخرس.

و في ذلك آيات بينات.

في بيان آياته في انقلاب الرجل امرأة و الامرأة رجلا و فيه: حديث واحد

۲۶۰) وجدت في بعض كتب أصحابنا الثقات رضي اللّه عنهم أنّ رجلا من أهل الشام أتي الحسن عليه السلام و معه زوجته، فقال: يا ابن أبي تراب- و ذكر بعد ذلك كلاما نزهت عن ذكره- إن كنتم في دعواكم صادقين فحوّلني امرأة و حوّل امرأتي رجلا. كالمستهزئ في كلامه، فغضب عليه السلام، و نظر إليه شزرا، [و حرّك شفتيه] و دعا بما لم يفهم، ثمّ نظر إليهما، و أحدّ النظر، فرجع الشاميّ إلي نفسه و أطرق خجلا و وضع يده علي وجهه، ثمّ ولّي مسرعا، و أقبلت امرأته، و قالت: و اللّه إنّي صرت رجلا.

و ذهبا حينا من الزمان، ثمّ عادا إليه و قد ولد لهما مولود، و تضرّعا إلي الحسن عليه السلام تائبين و معتذرين ممّا فرطا فيه، و طلبا منه انقلابهما إلي حالتهما الأولي، فأجابهما إلي ذلك، و رفع يده، و قال:

«اللّهمّ إن كانا صادقين في توبتيهما فتب عليهما، و حوّلهما إلي ما كانا عليه» فرجعا إلي ذلك لا شك فيه و لا شبهة.

في بيان آياته فيما أعطاه جبرئيل من فاكهة الجنّة و فيه: حديث واحد

۲۶۱) عن أبي الحسن عامر بن عبد اللّه، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه، عن الحسين عليه السلام، قال:

«دخلت مع الحسن عليه السلام علي جدّي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و عنده جبرئيل عليه السلام في صورة دحية الكلبي، و كان دحية إذا قدم من الشام علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله حمل لي و لأخي خرنوبا و نبقا و تينا، فشبّهناه بدحية بن خليفة الكلبي، و إنّ دحية كان يجعلنا نفتش كمّه، فقال جبرئيل عليه السلام: يا رسول اللّه، ما يريدان؟ قال: «إنّهما شبّهاك بدحية بن خليفة الكلبي، و إن دحية كان يحمل لهما إذا قدم من الشام نبقا و تينا و خرنوبا».

قال: «فمدّ جبرئيل عليه السلام يده إلي الفردوس الأعلي، فأخذ منه نبقا و خرنوبا و سفرجلا و رمّانا فملأنا به حجرنا».

قال: «فخرجنا مستبشرين، فلقينا أبونا أمير المؤمنين عليّ عليه السلام فنظر إلي ثمرة لم ير مثلها في الدنيا، فأخذ من هذا، و من هذا واحدا واحدا، و دخل علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و هو يأكل فقال: «يا أبا الحسن، كل و ادفع إليّ أوفر نصيب، فإنّ جبرئيل عليه السلام أتي به آنفا».

فيما ظهر من آياته من الإخبار بالغائبات و فيه: أربعة أحاديث

۲۶۲) عن داود الرقي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال: «إنّ الحسن بن عليّ عليه السلام قال لولده عبد اللّه: يا بني، إذا كان في عامنا هذا يدفع إليّ هذا الطاغي جارية تسمّي (أنيس) فتسمّني بسمّ قد جعله الطاغي تحت فصّ خاتمها. قال له عبد اللّه: فلم لا تقتلها قبل ذلك؟! قال: يا بني جفّ القلم، و أبرم الأمر فانعقد، و لا حلّ لعقد اللّه [المبرم].

فلمّا كان في العام القابل أهدي إليه جارية اسمها (أنيس) فلمّا دخلت عليه ضرب بيده علي منكبها، ثمّ قال: يا أنيس، دخلت النار بما تحت فصّ خاتمك».

۲۶۳) عن أبي أسامة زيد الشحام، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «خرج الحسن بن عليّ عليهما السلام إلي مكة ماشيا سنة من السنين، فورمت قدماه، فقال بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك بعض هذا الورم الذي برجلك.

قال: كلا، إذا أتينا المنزل فإنّه سيستقبلك عبد أسود، معه دهن لهذا الورم، فاشتر منه و لا تماكسه. فقال مولاه: بأبي أنت و أمّي، ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء! قال: بلي، إنّه أمامك دون المنزل.

فسارا أميالا، فإذا الأسود يستقبله، فقال الحسن عليه السلام:

دونك الرجل فخذ منه الدهن و اعطه ثمنه. فقال له الأسود: ويحك يا غلام، لمن أردت هذا الدهن؟ قال: للحسن بن عليّ عليهما السلام قال: انطلق بي إليه.

فأخذ بيده حتّي أدخله عليه، فقال: بأبي أنت و أمّي، لم أعلم أنّك تحتاج إليه، و لا أنّه يراد ذلك، و لست آخذ له ثمنا، إنّما أنا مولاك، و لكن ادعو اللّه أن يرزقني ذكرا سويا، يحبكم أهل البيت، فإنّي خلّفت امرأتي و قد أخذها الطلق.

فقال له الحسن عليه السلام: انطلق إلي منزلك، فإنّ اللّه تبارك و تعالي وهب لك ذكرا سويا، و هو لنا شيعة.

فرجع الأسود من فوره، فإذا بأهله قد وضعت غلاما سويا، فرجع إلي الحسن عليه السلام فأخبره بذلك، و دعا له خيرا، و مسح الحسن عليه السلام بذلك الدهن رجليه فما برح من مجلسه حتّي سكن و رمه، و مشي علي قدميه».

۲۶۴) عن الباقر عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، عن حذيفة، قال: بينا رسول اللّه صلي الله عليه و آله علي جبل أحد في جماعة من المهاجرين و الأنصار إذ أقبل الحسن بن عليّ عليه السلام يمشي علي هدوء و وقار، فنظر إليه رسول اللّه صلي الله عليه و آله فرمقه من كان معه، فقال له بلال: يا رسول اللّه، ما تري أحدا بأحد؟! فقال صلي الله عليه و آله: «إنّ جبرئيل عليه السلام يهديه، و ميكائيل يسدده، و هو ولدي و الطاهر من نفسي، و ضلع من أضلاعي، هذا سبطي و قرّة عيني بأبي هو».

و قام، و قمنا معه، و هو يقول: «أنت تفاحي و أنت حبيبي و بهجة قلبي» و أخذ بيده، [فمشي معه] و نحن نمشي حتّي جلس و جلسنا حوله، فنظرنا إلي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و هو لا يرفع بصره عنه، ثمّ قال:

«إنّه سيكون بعدي هاديا مهديا، هدية من ربّ العالمين لي، ينبئ عنّي، و يعرّف الناس آثاري و يحيي سنّتي، و يتولي أموري في فعله، و ينظر اللّه تعالي إليه، و يرحمه، رحم اللّه من عرف له ذلك و برّني فيه، و أكرمني فيه».

فما قطع صلوات اللّه عليه و آله كلامه حتّي أقبل إلينا أعرابي يجرّ هراوة له، فلمّا نظر إليه صلي الله عليه و آله قال: «قد جاءكم رجل يكلمكم بكلام غليظ تقشعر منه جلودكم، و إنّه يسألكم عن أمور، ألا إنّ لكلامه جفوة» فجاء الأعرابي فلم يسلّم، فقال: أيّكم محمّد؟ قلنا: ما تريد؟

فقال صلي الله عليه و آله: «مهلا» فقال: يا محمّد، قد كنت أبغضك و لم أرك، و الآن قد ازددت لك بغضا. فتبسّم رسول اللّه صلي الله عليه و آله و غضبنا لذلك، فأردنا للأعرابي إرادة، فأومأ إلينا رسول اللّه صلي الله عليه و آله أن امسكوا، فقال الأعرابي: يا محمّد، إنّك تزعم أنّك نبي، و أنّك قد كذبت علي الأنبياء، و ما معك من دلائلهم شي‌ء.

فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «يا أعرابي، و ما يدريك؟» قال: فخبّرني ببراهينك.

قال: «إن أحببت أخبرتك كيف خرجت من منزلك، و كيف كنت في نادي قومك، و إن أردت أخبرك عضو من أعضائي، فيكون ذلك أوكد لبرهاني» قال: أو يتكلم العضو؟! قال: «نعم، يا حسن قم».

فازدري الأعرابي نفسه و قال: هو لا يأتي و يأمر صبيّا يكلّمني؟! قال: «إنك ستجده عالما بما تريد» فابتدر الحسن فقال: «مهلا يا أعرابي:

ما غبيا سألت و ابن غبي

بل فقيها اذن و أنت الجهول

فإن تك قد جهلت فإنّ عندي

شفاء الجهل ما سأل السئول

و بحرا لا تقسّمه الدوالي

تراثا كان أورثه الرسول

لقد بسطت لسانك، و عدوت طورك، و خادعتك نفسك، غير أنّك لا تبرح حتّي تؤمن إن شاء اللّه تعالي» فتبسّم الأعرابي و قال: هيهات.

فقال له الحسن عليه السلام: «قد اجتمعتم في نادي قومك، و قد تذاكرتم ما جري بينكم علي جهل، و خرق منكم، فزعمتم أنّ محمّدا صنبور، و العرب قاطبة تبغضه، و لا طالب له بثأره، و زعمت أنّك قاتله و كاف قومك مؤونته، فحملت نفسك علي ذلك، و قد أخذت قضاتك بيدك تؤمه و تريد قتله، تعسر عليك مسلكك، و عمي عليك بصرك، و أبيت إلّا ذلك، فأتيتنا خوفا من أن يستهزءوا بك، و إنّما جئت لخير يراد بك.

أنبئك عن سفرك: خرجت في ليلة ضحياء، إذ عصفت ريح شديدة اشتدّ منها ظلماؤها، و أطبقت سماؤها، و أعصر سحابها، و بقيت محرنجما كالأشقر إن تقدم نحر، و إن تأخر عقر، لا تسمع لواطئ حسّا، و لا لنافخ خرسا، تدالت عليك غيومها، و توارت عنك نجومها، فلا تهتدي بنجم طالع، و لا بعلم لا مع، تقطع محجّة و تهبط لجّة بعد لجّة، في ديمومة قفر، بعيدة القعر، مجحفة بالسفر، إذا علوت مصعدا و أرادت الريح تخطفك، و الشوك تخبطك، في ريح عاصف و برق خاطف، قد أوحشتك قفارها، و قطعتك سلامها، فانصرفت فإذا أنت عندنا، فقرّت عينك و ظهر زينك، و ذهب أنينك».

قال: من أين قلت- يا غلام- هذا؟! كأنّك قد كشفت عن سويداء قلبي، و كأنّك كنت شاهدي، و ما خفي عليك شي‌ء من أمري، و كأنّك عالم الغيب، يا غلام، لقّني الإسلام.

فقال الحسن عليه السلام: «اللّه أكبر، قل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله».

فأسلم الرجل و حسن إسلامه، و سرّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و سرّ المسلمون و علّمه رسول اللّه صلي الله عليه و آله شيئا من القرآن، فقال: يا رسول اللّه، أرجع إلي قومي و أعرّفهم ذلك. فأذن له، فانصرف، ثمّ رجع و معه جماعة من قومه، فدخلوا في الإسلام.

و كان الحسن عليه السلام إذا نظر إليه الناس قالوا: لقد أعطي هذا ما لم يعط أحد من العالمين.

۲۶۵) و روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان في الرحبة، فقام إليه رجل، و قال: أنا من رعيتك و أهل بلادك.

فقال عليه السلام: «لست من رعيتي و لا من أهل بلادي، و إنّ ابن الأصفر بعث إلي معاوية بمسائل أقلقته، فأرسلك إليّ بها».

قال: صدقت يا أمير المؤمنين، كان في خفية و أنت قد اطلعت عليها، و لم يعلم غير اللّه.

قال: «سل أحد ابني هذين». قال: اسأل ذا الوفرة- يعني الحسن عليه السّلام- فأتاه فقال: «جئت لتسأل: كم بين الحقّ و الباطل؟ و كم بين السّماء و الأرض؟ و كم بين المشرق و المغرب؟ و ما قوس قزح؟ و ما المؤنث؟ و ما عشرة أشياء بعضها أشدّ من بعض؟» [قال: نعم].

قال الحسن عليه السّلام: «بين الحقّ و الباطل أربعة أصابع، فما رأيته بعينك فهو الحقّ و ما سمعته بأذنيك باطل كثير، و بين السّماء و الأرض دعوة المظلوم مدّ البصر؛ و بين المشرق و المغرب مسيرة يوم للشمس؛ و قزح اسم للشيطان، لا تقل قوس قزح، هو قوس اللّه، و علامة الخصب، و أمان لأهل الأرض من الغرق،

و أمّا المؤنث فهو من لا يدري أذكر هو أم أنثي، فإنّه ينتظر فيه، فإن كان ذكرا احتلم، و إن كانت أنثي حاضت و بدا ثدياها، و إلّا قيل له: بل، فإن أصاب بوله الحائط فهو ذكر، و إن انتكص بوله علي رجليه كما ينتكص بول البعير فهو امرأة.

و أمّا عشرة أشياء بعضها أشدّ من بعض فأشد شي‌ء خلقه اللّه الحجر، و أشدّ منه الحديد، يقطع به الحجر، و أشدّ من الحديد النّار، تذيب الحديد، و أشدّ من النّار الماء، يطفئ النّار، و أشدّ من الماء السحاب، يحمل الماء، و أشدّ من السحاب الريح، تحمل السحاب، و أشدّ من الريح الملك الذي يردّها، و أشدّ من الملك ملك الموت الّذي يميت الملك، و أشدّ من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت، و أشدّ من الموت أمر اللّه تعالي [الذي] يدفع الموت».

الباب السادس في بيان آيات السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين بن عليّ عليهما السلام

في ظهور آياته من إحضار النبي و من ظهور آياته بعد موت رسول الله و فيه: حديث واحد

۲۶۶) عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه، قال: لمّا عزم الحسين بن عليّ عليهما السّلام، علي الخروج إلي العراق أتيته فقلت له: أنت ولد رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و أحد سبطيه، لا أري إلّا أنّك تصالح كما صالح أخوك الحسن، فإنّه كان موفقا راشدا.

فقال لي: «يا جابر، قد فعل أخي ذلك بأمر اللّه و أمر رسوله، و إنّي أيضا أفعل بأمر اللّه و أمر رسوله، أ تريد أن أستشهد لك رسول اللّه صلي الله عليه و آله و عليّا و أخي الحسن بذلك الآن؟» ثمّ نظرت فإذا السّماء قد انفتح بابها، و إذا رسول اللّه و عليّ و الحسن و حمزة و جعفر و زيد نازلين عنها حتّي استقروا علي الأرض، فوثبت فزعا مذعورا.

فقال لي رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «يا جابر، أ لم أقل لك في أمر الحسن قبل الحسين: لا تكون مؤمنا حتّي تكون لأئمتك مسلّما، و لا تكن معترضا؟ أ تريد أن تري مقعد معاوية و مقعد الحسين ابني و مقعد يزيد قاتله لعنه اللّه؟» قلت: بلي يا رسول اللّه.

فضرب برجله الأرض فانشقّت و ظهر بحر فانفلق، ثمّ ضرب فانشقت هكذا حتّي انشقت سبع أرضين و انفلقت سبعة أبحر، فرأيت من تحت ذلك كله النار، فيها سلسلة قرن فيها الوليد بن مغيرة و أبو جهل و معاوية الطاغية و يزيد، و قرن بهم مردة الشياطين، فهم أشدّ أهل النّار عذابا.

ثمّ قال صلي الله عليه و آله: «ارفع رأسك» فرفعت، فإذا أبواب السّماء متفتحة، و إذا الجنّة أعلاها، ثمّ صعد رسول اللّه صلي الله عليه و آله و من معه إلي السّماء، فلمّا صار في الهواء صاح بالحسين: «يا بني الحقني» فلحقه الحسين عليه السّلام، و صعدوا حتّي رأيتهم دخلوا الجنّة من أعلاها، ثم نظر إليّ من هناك رسول اللّه، و قبض علي يد الحسين، و قال: «يا جابر، هذا ولدي معي هاهنا، فسلّم له أمره، و لا تشك لتكون مؤمنا».

قال جابر: فعميت عيناي إن لم أكن رأيت ما قلت من رسول اللّه صلي الله عليه و آله.

في بيان ظهور آياته في إبراء الأبرص و فيه: حديث واحد

۲۶۷) عن صالح بن ميثم، قال: دخلت أنا و عباية بن ربعي علي امرأة من بني والبة [يقال لها: حبابة الوالبية] قد احتز وجهها من السّجود، فقال عباية: يا حبابة، هذا ابن أخيك.

قالت: أي أخ؟ قال: صالح بن ميثم.

قالت: ابن أخي و اللّه حقّا، يا ابن أخي، أ لا أحدّثك حديثا سمعته من الحسين بن عليّ عليهما السّلام؟ قلت: بلي يا عمّة.

قالت: كنت زوّارة للحسين عليه السّلام فحدث بين عيني وضح، فشق ذلك علي، و احتبست عنه أيّاما، فسأل عنّي: «ما فعلت حبابة الوالبيّة؟» فقالوا: إنّها حدث بها وضح بين عينيها. فقال لأصحابه: «قوموا بنا» فقام حتّي دخل عليّ و أنا في مسجدي هذا

فقال: «يا حبابة، ما الّذي أبطأ بك عليّ؟» فقلت: يا ابن رسول اللّه، ما ذاك الّذي منعني إلّا وضح حدث بين عيني، فكرهت إتيانك.

فنظر إلي فكشفت القناع، و تفل عليه، فقال: «يا حبابة، أحدثي للّه شكرا، فإنّ اللّه قد درأه عنك» قالت: فخررت ساجدة للّه تعالي.

و قال: «يا حبابة، ارفعي رأسك و انظري في مرآتك» قالت فرفعت رأسي و نظرت في المرآة، فلم أحس منه شيئا، فحمدت اللّه تعالي، فنظر إليّ و قال: «يا حبابة، نحن و شيعتنا علي الفطرة، و سائر الناس منه براء».

في بيان ظهور آياته في اسوداد الشعر بعد ما ابيض و فيه: حديث واحد

۲۶۸) عن أبي خالد الكابلي، قال: سمعت عليّ بن الحسين عليهما السلام يقول: «دخلت نصرة الأزديّة علي الحسين عليه السلام، فقال لها: «يا نصرة، ما الذي أبطأ بك عليّ؟ فقالت له: يا ابن رسول اللّه، شي‌ء عرض لي في مفرق رأسي، و كثر منه غمّي، و طال منه همّي.

فقال: أدني منّي. فدنت منه، فوضع أصبعه علي أصل البياض فصار كالقار، فقال: ائتوها بمرآة. فأتيت بها، فنظرت في المرآة، فإذا البياض قد اسودّ، فسرّت بذلك، و سرّ الحسين عليه السلام لسرورها».

في ظهور آياته مع الماء و فيه: ثلاثة أحاديث

۲۶۹) عن محمّد بن سنان، قال: سئل عليّ بن موسي الرضا عليهما السلام عن الحسين بن عليّ عليهما السلام، و أنّه قتل عطشانا، قال: «مه، من أين ذلك؟! و قد بعث اللّه تعالي إليه أربعة أملاك من عظماء الملائكة، هبطوا إليه و قالوا له: اللّه و رسوله يقرآن عليك السلام، و يقولان: اختر إن شئت إمّا تختار الدنيا بأسرها و ما فيها و نمكنك من كلّ عدو لك، أو الرفع إلينا.

فقال الحسين عليه السلام: [علي اللّه] و علي رسول اللّه السلام، بل الرفع إليه. و دفعوا إليه شربة من الماء فشربها، فقالوا له: أما إنّك لا تظمأ بعدها أبدا».

۲۷۰) و عنه، عن الرضا عليه السلام، قال: «هبط علي الحسين عليه السلام ملك و قد شكا إليه أصحابه العطش؛ فقال: إنّ اللّه تعالي يقرئك السلام و يقول: هل لك من حاجة؟ فقال الحسين عليه السلام: هو السلام و من ربّي السلام. و قال: قد شكا إليّ أصحابي- ما هو أعلم به منّي- من العطش. فأوحي اللّه تعالي إلي الملك: قل للحسين: خطّ لهم بإصبعك خلف ظهرك يرووا. فخطّ الحسين بإصبعه السبابة فجري نهر أبيض من اللبن، و أحلي من العسل، فشرب منه هو و أصحابه، فقال الملك: يا ابن رسول اللّه، تأذن لي أن أشرب منه، فإنّه لكم خاصّة، و هو الرحيق المختوم الذي خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ.

فقال الحسين عليه السلام: إن كنت تحب أن تشرب منه فدونك».

و قد كتبت الحديثين من الجزء السادس و الثمانين من كتاب (البستان) من تصنيف محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان.

۲۷۱) عن أبي إبراهيم موسي بن جعفر عليهما السلام، قال:

«خرج الحسن و الحسين عليهما السلام من منزلهما إلي المسجد، ثمّ قال الحسن للحسين: يا أخي، اذهب بنا إلي الخلاء.

فانطلقا حتّي أتيا إلي العجوة، و ولّي كلّ واحد منهما ظهره إلي صاحبه فرمي اللّه تعالي بينهما جدارا يستتر به أحدهما عن صاحبه، فلمّا قضيا حاجتهما ذهب الجدار، و صار في موضعه عين ماء فتوضأ

و مضيا بعد الفراغ من الوضوء- في حديث طويل-

ثمّ قال الحسن عليه السلام للحسين عليه السلام: أ تدري ما مثلنا الليلة؟ إنّي سمعت رسول اللّه و هو يقول: إنّ مثلكما مثل يونس بن متي إذا أخرجه اللّه من بطن الحوت فألقاه اللّه علي جنب البحر، و أنبت عليه شجرة من يقطين، و أخرج له عينا من تحتها، فكان يأكل من اليقطين، و يشرب من ماء العين.

فأخرج اللّه تعالي لنا الليلة عينا من ماء؛ و سمعت جدّي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و هو يقول: أمّا العين فهي لكم، و أمّا اليقطين فأنتم عنه أغنياء.

و قال اللّه تعالي في يونس: وَ أَرْسَلْناهُ إِلي مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلي حِينٍ و أمّا نحن فسيحتج اللّه بنا علي أكثر من ذلك، و يمتعون إلي حين».

في بيان ظهور آياته في إظهار موضع قبره بكربلاء لأمّ سلمة و فيه: حديث واحد

۲۷۲) عن الباقر صلوات اللّه عليه قال: «لمّا أراد الحسين صلوات اللّه عليه الخروج إلي العراق بعثت إليه أمّ سلمة رضي اللّه عنها، و هي التي كانت ربّته، و كان أحبّ الناس إليها، و كانت أرق الناس عليه، و كانت تربة الحسين عندها في قارورة دفعها إليها رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و سلّم.

فقالت: «يا بني، أ تريد أن تخرج؟ فقال لها: يا أمه، أريد أن أخرج إلي العراق.

فقالت: إنّي أذكّرك اللّه تعالي أن تخرج إلي العراق. قال: و لم ذلك يا أمه.

قالت: سمعت رسول اللّه صلي الله عليه و آله يقول: «يقتل ابني الحسين بالعراق، و عندي يا بني تربتك في قارورة مختومة دفعها إليّ رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و سلّم.

فقال: يا أمّاه، و اللّه إنّي لمقتول، و إنّي لا أفرّ من القدر و المقدور، و القضاء المحتوم، و الأمر الواجب من اللّه تعالي.

فقالت: وا عجباه، فأين تذهب و أنت مقتول؟

فقال: يا أمه، إن لم أذهب اليوم ذهبت غدا، و إن لم أذهب غدا لذهبت بعد غد، و ما من الموت- و اللّه يا أمه- بد، و إنّي لأعرف اليوم و الموضع الذي أقتل فيه، و الساعة التي أقتل فيها، و الحفرة التي أدفن فيها، كما أعرفك، و أنظر إليها كما أنظر إليك.

قالت: قد رأيتها؟! قال: إن أحببت أن أريك مضجعي و مكاني و مكان أصحابي فعلت. فقالت: قد شئتها.

فما زاد أن تكلّم بسم اللّه، فخفضت له الأرض حتّي أراها مضجعه، و مكانه و مكان أصحابه، و أعطاها من تلك التربة، فخلطتها مع التربة التي كانت عندها، ثمّ خرج الحسين صلوات اللّه عليه، و قد قال لها: إنّي مقتول يوم عاشوراء.

فلمّا كانت تلك الليلة التي صبيحتها قتل الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما فيها أتاها رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله في المنام أشعث باكيا مغبرا، فقالت: يا رسول اللّه، مالي أراك باكيا مغبرا أشعث؟! فقال: دفنت ابني الحسين عليه السلام و أصحابه الساعة.

فانتبهت أمّ سلمة رضي اللّه عنها فصرخت بأعلي صوتها، فقالت: وا ابناه. فاجتمع أهل المدينة و قالوا لها: ما الذي دهاك؟

فقالت: قتل ابني الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما. فقالوا لها: و ما علمك [بذلك]؟

قالت: أتاني في المنام رسول اللّه صلوات اللّه عليه باكيا أشعث أغبر، فأخبرني أنّه دفن الحسين و أصحابه الساعة. فقالوا: أضغاث أحلام قالت: مكانكم، فإنّ عندي تربة الحسين عليه السلام، فأخرجت لهم القارورة فإذا هي دم عبيط».

في بيان ظهور آياته بعد الموت و فيه: أحد عشر حديثا

۲۷۳) عن المنهال بن عمرو، قال: أنا و اللّه رأيت رأس الحسين صلوات اللّه عليه علي قناة يقرأ القرآن بلسان ذلق ذرب يقرأ سورة الكهف حتّي بلغ: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً فقال رجل: و رأسك- و اللّه- أعجب يا ابن رسول اللّه من العجب.

۲۷۴) و عنه، قال: أدخل رأس الحسين صلوات اللّه عليه دمشق علي قناة، فمرّ برجل يقرأ سورة الكهف و قد بلغ هذه الآية أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً فأنطق اللّه تعالي الرأس، فقال: أمري أعجب من أمر أصحاب الكهف و الرقيم.

۲۷۵) عن مصقلة الطحّان، قال: سمعت أبا عبد اللّه صلوات اللّه عليه يقول: «لمّا قتل الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما أقامت امرأته الكلبيّة مأتما، و بكت و أبكت عليه النساء و الخدم، حتّي جفّت دموعهنّ، و ذهبت، فبينما هي كذلك إذ رأت جارية من جواريها تبكي و تسيل دموعها، فدعتها و قالت لها: مالك أنت من بيننا تسيل دموعك؟

قالت: إنّي لمّا أصابني الجاهد شربت شربة سويق».

قال: «فأمرت، فأتيت بالطعام و الأسوقة، فأكلت، و شربت، و أطعمت، و سقت، و قالت: إنّما نريد نتقوي بذلك علي البكاء علي الحسين صلوات اللّه عليه».

قال: «و أهدي إلي الكلبيّة جزر لتستعين بها علي مأتم الحسين صلوات اللّه عليه و آله، فقالت: لسنا في عرس، فما نصنع بها؟

فأخرجت من الدار، فلمّا خرجت من الدار لم يحسّ لها بحس كأنّما طرن بين السماء و الأرض، و لم ير لهن بعد خروجهن من الدار أثر».

۲۷۶) عن أحمد بن الحسين: قال كنت بنينوي، فإذا أنا ببقرة شاردة علي وجهها، و الناس خلفها يعدون حتّي جاءت إلي القبر، فبركت عليه، و التزمته ثمّ رجعت مبادرة حتّي جاءت إلي باب مغلق فنطحته ففتحته، فخرج منها ولدها- أي عجلها- فقيل: إن عجلها

سرق، و لم يدر أصحابه أين هو، حتّي وقفت هي عليه.

۲۷۷) عن يعقوب بن سليمان، قال: سمرت ذات ليلة أنا و نفر، فتذاكرنا مقتل الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما، فقال رجل من القوم: ما تلبّس أحد بقتله إلّا أصابه بلاء في أهله و ماله و نفسه.

قال شيخ من القوم: و اللّه أنا ممّن شهد قتله، و أعان عليه، فما أصابني إلي الساعة أمر أكرهه. فمقته القوم، و تغيّر السراج و كاد دهنه يطفأ، فقام الرجل إليه ليصلحه، فأخذت النار بإصبعه، فنفخها فأخذت بلحيته، فخرج يبادر إلي الماء و ألقي بنفسه في النهر، و جعلت النار ترفرف علي رأسه فإذا أخرجه أحرقته حتّي مات لعنه اللّه.

۲۷۸) عن السدي، قال كنا عنده إذ جاءه رجل ريحه ريح القطران، فقال السدي: تبيع القطران؟ قال: لا. قال: فما هذه الريح؟

قال: أخبركم، لا و اللّه لا أبيع القطران، إلّا أنّي كنت مع عمر بن سعد لعنه اللّه في عسكره أبيعهم الحديد، فلمّا أصيب الحسين صلوات اللّه عليه كنت في العسكر قريبا فرأيت في المنام إذا جاء رسول اللّه صلي الله عليه و آله و عليّ صلوات اللّه عليه كان معه، و هو يسقي أصحاب الحسين، فقلت: اسقني يا علي، فأبي، فقلت: يا رسول اللّه، قل لعليّ يسقيني، فقال: «اسقه يا علي».

فقال: «يا رسول اللّه، إنّ هذا ممّن أعان علينا». فقال: «ما فعلت؟» فقلت: بلي، قد كنت أبيعهم الحديد.

فقال لي رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «فعلت»؟ قلت: نعم.

قال: «يا عليّ اسقه قطرانا». فناولني قدحا ملئ قطرانا فشربته، فمكثت ثلاثة أيّام أبول القطران، و هذه ريحه قد بقيت.

فقال السدي: اشرب من ماء الفرات، و كل من خبز البر، فما أراك تلقي محمّدا صلي الله عليه و آله.

۲۷۹) عن إدريس بن عبد اللّه الأزدي، قال: لمّا قتل الحسين صلوات اللّه عليه أراد القوم أن يوطئوه الخيل، فقالت فضّة لزينب عليها السلام: يا سيّدتي، إنّ سفينة مولي رسول اللّه صلي الله عليه و آله ركب البحر، فانكسرت السفينة، فوقع إلي الجزيرة، فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث، أنا مولي رسول اللّه صلي الله عليه و آله. فهمهم السبع بين يديه حتّي أوقفه علي الطريق، و أسد رابض في ناحية، فدعيني أمضي إليه، فأعلمه ما هم صانعون.

فمضت إليه فقالت: يا أبا الحارث. فرفع رأسه ثمّ قالت له:

أ تدري ما يريدون أن يصنعوا بأبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه؟! يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره.

فمشي الأسد حتّي وضع يده علي جسمه، فأقبلت الخيل، فلمّا نظروا إليه قال لهم عمر بن سعد لعنه اللّه: فتنة، فلا تثيروها.

فانصرفوا.

۲۸۰) عن أبي رجاء العطاردي، قال: كان لي جار من بني الجهم، فلمّا قتل الحسين صلوات اللّه عليه قال: أ ترون الفاسق بن الفاسق؟ فرماه اللّه عزّ و جلّ بكوكبين من نار، فطمسا بصره.

۲۸۱) عن سيّار بن الحكم، قال: انتهبت الناس ورسا من عسكر الحسين، يوم قتل الحسين، فما تطيّبت به امرأة إلّا برصت.

۲۸۲) و روي أنّ إسحاق الحضرميّ الملعون الزنديق لعنه اللّه أخذ قميصه صلوات اللّه عليه فلبسه فبرص.

۲۸۳) عن سفيان بن عيينة، قال: حدّثتني جدّتي، قالت:

لمّا قتل الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليه ساقوا إبلا عليها ورس، فلمّا نحرت رأين لحومها مثل العلقم، و رأينا الورس رمادا، و ما رفعنا حجرا إلّا وجدنا تحته دما عبيطا.

و ليس بين الخبرين تناقض فإنّه ذكر في الأوّل: أن الورس إذا استعملته امرأة برصت، و ذكر في الثاني: أنّه صار رمادا لأن ما وقع إلي قومها صار رمادا، و ما وقع إلي قوم سيّار من استعمله برص.

في بيان آياته مع فطرس الملك و فيه: حديث واحد

۲۸۴) عن إبراهيم بن شعيب الميثمي، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: «إنّ الحسين صلوات اللّه عليه لمّا ولد أمر اللّه تعالي جبرئيل عليه السلام أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنئ رسول اللّه صلي الله عليه و آله ببشارة من اللّه تعالي و من جبرئيل».

قال: «فهبط جبرئيل عليه السلام، فمرّ علي جزيرة في البحر فيها ملك يقال له: (فطرس) و كان من الحملة، بعثه اللّه تعالي في شي‌ء فأبطأ عليه، فكسر جناحيه و ألقاه في تلك الجزيرة، فعبد اللّه تعالي فيها سبع مائة عام حتّي ولد الحسين عليه السلام، فقال الملك لجبرئيل: يا جبرئيل، أين تريد؟ قال: إنّ اللّه تعالي أنعم علي محمّد صلي الله عليه و آله نعمة فبعثني أهنّئه من اللّه عزّ و جلّ و مني. قال: يا جبرئيل، احملني معك لعلّ محمّدا يدعو لي، فحمله جبرئيل».

قال: «فلما دخل جبرئيل علي النبيّ صلي الله عليه و آله هنّاه من اللّه تعالي و من نفسه، و أخبره بحال فطرس، فقال النبيّ صلي الله عليه و آله: «تمسّح بهذا المولود، وعد إلي مكانك.

فتمسّح فطرس بالحسين عليه السلام و ارتفع و قال: يا رسول اللّه، أما إنّ أمّتك ستقتله، و له عليّ مكافأة ألّا يزوره زائر إلّا أبلغته عنه، و لا يسلّم عليه مسلّم إلا بلّغته عنه، سلامه، و لا يصلّي عليه مصلّ إلّا أبلغته صلاته. ثمّ ارتفع».

في بيان ظهور آياته في إجابة الدعاء و فيه: ثلاثة أحاديث

۲۸۵) عن الصادق صلوات اللّه عليه، قال: «لمّا تهيّأ الحسين عليه السلام للقتال أمر بإضرام النار في الخندق الذي حول عسكره، ليقاتل القوم من وجه واحد، فأقبل رجل من عسكر ابن سعد لعنه اللّه، يقال له: (ابن أبي جويرية المزني) فلمّا نظر إلي النار تتقد صفق بيده و نادي: يا حسين، و يا أصحاب الحسين، أبشروا بالنار، فقد تعجّلتموها في الدنيا.

فقال الحسين صلوات اللّه عليه: من الرجل؟ فقيل: ابن أبي جويرية المزني.

فقال صلوات اللّه عليه: اللّهمّ أذقه عذاب النار في الدنيا قبل الآخرة. فنفر به فرسه، فألقاه في تلك النار فاحترق».

۲۸۶) و عنه صلوات اللّه عليه، قال: «ثمّ برز من عسكر عمر بن سعد لعنه اللّه رجل يقال له: (تميم بن الحصين) فنادي: يا حسين، و يا أصحاب الحسين، أ ما ترون إلي ماء الفرات يلوح كأنّه بطون الحيات، و اللّه لا ذقتم منه قطرة، حتّي تذوقوا الموت جزعا. فقال الحسين صلوات اللّه عليه: هذا و أبوه من أهل النار، اللّهمّ اقتل هذا عطشا في هذا اليوم».

قال: «فخنقه العطش حتّي سقط عن فرسه فوطأته الخيل بسنابكها حتّي مات لعنه اللّه».

۲۸۷) عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة؛ قال: حدّثني من شهد عسكر الحسين عليه السلام: أنّ الحسين لمّا غلب علي عسكره العطش ركب المسناة يريد الفرات، فقال رجل من بني أبان بن دارم: حولوا بينه و بين الماء. و رمي بسهم فأثبته في حنكه، فقال عليه السلام: «اللّهمّ اظمئه اللّهمّ اظمئه» فو اللّه ما لبث الرجل إلّا يسيرا حتّي صبّ اللّه عليه الظمأ.

قال القاسم بن الأصبغ: لقد رأيته و بين يديه قلال فيها الماء، و إنّه ليقول: ويلكم اسقوني قتلني الظمأ. فيعطي القلّة أو العس

الذي كان أحدهما مرويا أهل بيت، فيشربه، ثمّ يقول: ويلكم اسقوني قتلني الظمأ.

قال: فو اللّه ما لبث إلّا يسيرا حتّي انقدّ بطنه انقداد بطن البعير.

و في رواية أخري: النار توقد من خلفه، و الثلج موضوع من قدامه، و هو يقول: اسقوني... إلي آخر الكلام.

في بيان ظهور آياته من الاخبار بالغائبات و فيه: حديث واحد

۲۸۸) عن أبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه، قال: «قال الحسين صلوات اللّه عليه لغلمانه و قد أرسلهم إلي ضيعة له: لا تخرجوا يوم كذا و كذا- و قد سمّاه- و اخرجوا يوم الخميس فإنّكم إن خالفتموني قطع عليكم الطريق، و قتلتم، و ذهب ما معكم».

قال: «فخالفوه، و أخذوا طريق الحرّة فاستقبلهم لصوص فقتلوهم كلّهم، ثمّ دخل عليه والي المدينة من ساعته، فقال: بلغني قتل غلمانكم و مواليكم، فاجرك اللّه فيهم.

فقال صلوات اللّه عليه: أما إنّي أدلك علي من قتلهم، فاشدد يديك بهم. قال: أو تعرفهم؟! قال: نعم، كما أعرفك، و هذا منهم، و أشار بيده إلي رجل كان علي رأسه قائما.

قال الرجل: يا ابن رسول اللّه، كيف عرفت أنّي منهم؟! قال الحسين صلوات اللّه عليه: إن صدقتك تصدقني؟ قال: نعم، و اللّه لأفعلن.

قال: خرجت و معك فلان و فلان. و سمّاهم بأسمائهم كلهم، أربعة منهم من موالي الأسود و البقية من حبشان المدينة.

قال الوالي: و ربّ القبر و المنبر، لتصدقن أو لأنثرن لحمك بالسياط. قال: و اللّه ما كذب الحسين، كأنّه كان معنا!».

قال: «فجمعهم الوالي، فأقرّوا بأجمعهم، فأمر بهم فضربت أعناقهم».

في بيان ظهور آياته في معان شتّي و فيه: حديثان

۲۸۹) عن الباقر صلوات اللّه عليه، قال: «حدثني نجاد مولي أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله، قال: رأيت أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه يرمي نصالا، و رأيت الملائكة يردّون عليه أسهمه، فعميت، فذهبت إلي مولاي الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما، فشكوت ذلك إليه.

فقال: لعلك رأيت الملائكة تردّ علي أمير المؤمنين أسهمه؟

فقلت: أجل. فمسح بيده علي عيني فرجعت بصيرا بقوة اللّه تعالي».

۲۹۰) عن يحيي بن أم الطويل، قال: كنّا عند الحسين صلوات اللّه عليه إذ دخل عليه شاب يبكي، قال له: «و ما يبكيك؟!» قال: إنّ والدتي توفيت في هذه الساعة، و لم توصي، و لها مال و كانت قد أمرتني أن لا أحدث في أمرها حدثا حتّي أعلمك بخبرها.

فقال الحسين عليه السلام: «قوموا بنا حتّي نصير إلي هذه الحرّة» فقمنا معه حتّي انتهي إلي باب البيت الذي فيه المرأة [و هي] مسجاة، حتي أشرف علي البيت فدعا اللّه تعالي ليحييها حتّي توصي بما يجب من وصيتها.

فأحياها اللّه تعالي، و إذا المرأة قد جلست و هي تتشهّد أن لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه ثمّ نظرت إلي الحسين صلوات اللّه عليه، فقالت: أدخل البيت يا مولاي، و أمرني بأمرك.

فدخل الحسين صلوات اللّه عليه و جلس عند فخذها، ثمّ قال لها: «أوصي رحمك اللّه» فقالت: يا ابن رسول اللّه، لي من المال كذا و كذا في مكان كذا و كذا، و قد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك و مواليك، و الثلثان لابني هذا إن علمت أنّه من مواليك و أوليائك، و إن كان مخالفا فخذه إليك فلا حقّ للمخالفين في أموال المؤمنين.

ثمّ سألته أن يصلّي عليها، و أن يتولّي أمرها ثمّ صارت المرأة ميتة كما كانت».

و الباقي وجدت في الكتاب الأصل بياضا.

الباب السابع في ذكر آيات زين العابدين عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما

في بيان ظهور آياته في إنطاق الله تعالي الحجر الأسود حجّة له و فيه: حديث واحد

۲۹۱) عن أبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه، قال: «جاء محمّد ابن الحنفية رضي اللّه عنه إلي عليّ بن الحسين زين العابدين صلوات اللّه عليهما و قال: يا علي، أ لست تقرّ بأنّي إمام عليك؟ قال: يا عمّ، لو علمت ذلك لما خالفتك، و إنّ طاعتي عليك و علي الخلق مفترضة. و قال: يا عمّ، أ ما تعلم أنّي وصي أبي، و أبي وصي أبيه؟! فتشاجرا ساعة.

فقال عليّ بن الحسين زين العابدين صلوات اللّه عليهما: من ترضي أن يكون بيننا؟ قال: من شئت. قال: أ ترضي أن يكون بيننا الحجر الأسود؟ قال: سبحان اللّه، أدعوك إلي الناس، و تدعوني إلي حجر أسود لا يتكلم؟

فقال عليّ عليه السلام: يتكلم، أ ما علمت أنّه يأتي يوم القيامة و له عينان و لسان و شفتان، يشهد لمن وافاه بالموافاة؟! فندنوا أنا و أنت، فندعو اللّه عزّ و جلّ أن ينطقه لنا، أينا حجّة اللّه علي خلقه.

فانطلقا و صلّيا عند مقام إبراهيم صلوات اللّه عليه و دنوا من الحجر، و قد كان محمّد بن الحنفية، قال له: لئن لم أجبك إلي ما دعوتني إليه إنّي إذا لمن الظالمين، فقال عليّ بن الحسين عليهما السلام لمحمّد: تقدّم يا عمّي، فإنّك أسن مني.

فقال محمّد للحجر: أسألك بحرمة اللّه و حرمة رسول اللّه، و بحرمة كلّ مؤمن إن كنت تعلم أنّي حجّة اللّه علي عليّ بن الحسين إلّا نطقت بالحقّ، و بيّنت ذلك لنا. فلم يجبه، ثمّ قال محمّد لعليّ صلوات اللّه عليه: تقدم فسله.

فتقدم عليّ بن الحسين عليهما السلام فتكلم بكلام لا يفهم، ثمّ قال: أسألك بحرمة اللّه تعالي، و حرمة رسوله، و حرمة أمير المؤمنين، و حرمة الحسن، و حرمة الحسين، و حرمة فاطمة بنت محمّد صلي الله عليه و آله أجمعين إن كنت تعلم أنّي حجّة اللّه علي عمّي إلّا نطقت بذلك، و بيّنته لنا، حتّي يرجع عن رأيه.

فقال الحجر بلسان عربي: يا محمّد بن علي، اسمع و أطع عليّ بن الحسين، فإنّه حجّة اللّه علي خلقه. فقال ابن الحنفية عند ذلك: سمعت و أطعت و سلّمت».

في بيان ظهور آياته في إحياء الموتي و فيه: حديث واحد

۲۹۲) عن ثابت بن دينار، عن ثوير بن سعيد بن علاقة، قال: دخل محمّد بن الحنفية رضي اللّه عنه علي سيّد العابدين عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما فرفع يده فلطمه، و هو في عينه صغير، ثمّ قال: أنت الذي تدّعي الإمامة؟! فقال له عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليه: «اتق اللّه، و لا تدّعين ما ليس لك». فقال: هي و اللّه لي.

فقال له عليّ بن الحسين: «قم بنا نأتي المقابر حتّي يتبيّن لي و لك».

فذهبا حتّي انتهيا إلي قبر طري فقال له: «هذا ميت قريب العهد بالموت، فادعه و اسأله عن خبرك، فإن كنت إماما أجابك، و إلّا دعوته فأخبرني». فقال له: أو تفعل ذلك؟! قال: نعم. فقال له محمّد بن الحنفية: فلا أستطيع أن أفعل ذلك.

قال: فدعا اللّه تعالي عليّ بن الحسين عليهما السلام بما أراد، ثمّ دعا صاحب القبر فخرج ينفض التراب عن رأسه و هو يقول: الحقّ لعليّ بن الحسين دونك.

قال: فأقبل محمّد بن الحنفية و انكبّ علي رجل عليّ بن الحسين يقبلها، و يلوذ به، و يقول: استغفر لي.

قال المصنف رحمة اللّه عليه: إنّ ما ذكرناه من دلالته صلوات اللّه عليه من إحياء الموتي و كلام الحجر الأسود، و نطق الشاة، فهي علي طريق توارد الأدلة، و تبيين الحجة، و الحجّة القاطعة.

في بيان ظهور آياته في استلانة الغل من الحديد في يده و فيه: حديث واحد

۲۹۳) عن ابن شهاب الزهري، قال: شهدت عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليه يوم جهز إلي عبد الملك بن مروان من المدينة إلي الشام فأثقله حديدا، و وكّل به حفّاظا في عدة و جمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه و التوديع له، فأذنوا لي، فدخلت عليه و هو في قبّة و الأقياد في رجليه، و الغل في يديه، فبكيت و قلت: وددت أنني مكانك، و أنت سالم. فقال: «يا زهري، أو تظن [أنّ] هذا ممّا تري عليّ و في عنقي يحزنني؟! أما لو شئت ما كان، فإنّه إن بلغ منك و من أمثالك ليذكر القبر».

ثمّ أخرج يده من الغل، و رجليه من القيد، و قال: «يا زهري، لاجزت معهم علي ذا منزلين من المدينة».

فما لبثنا إلّا أربع ليال حتّي قدم الموكّلون به يطلبونه بالمدينة، فما وجدوه، و كنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنّا لنراه متبوعا، إنّه لنازل و نحن حوله نحرسه إذ أصبحنا فما وجدنا في محله إلّا حديده.

فقال الزهري: فقدمت بعد ذلك علي عبد الملك بن مروان، فسألني عن عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما، فأخبرته، فقال لي:

إنّه قد جاءني في يوم فقده الأعوان، فدخل عليّ فقال: «ما أنا و أنت؟» قلت: أقم عندي. فقال: «لا أحب» ثمّ خرج، فو اللّه لقد امتلأت في ثوبي خيفة.

قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس عليّ بن الحسين حيث تظن، إنّه مشغول بنفسه. فقال: حبذا شغل مثله، فنعم ما شغل به.

قال: و كان الزهريّ إذا ذكر عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليه بكي و قال: زين العابدين.

و روي ذلك أبو نعيم الأصفهانيّ الحافظ في كتاب (حلية الأولياء).

في بيان ظهور آياته في كون النبيّ معه و فيه: حديث واحد

۲۹۴) عن الباقر عليه السلام، قال: «واصل أبي عليه السلام ثلاثة أيّام و لياليهن، فلمّا كان في اليوم الرابع قيل له: لو طعمت شيئا. فقال: إنّ النبيّ صلي الله عليه و آله كان عندي فسقاني لبنا».

قال: «فشكّ بعض من كان عنده، فعلم صلوات اللّه عليه و آله بذلك، فدعا بطشت فتقيأ فيه لبنا».

في بيان ظهور آياته فيما صلّي عليه أهل السماوات و الأرض و فيه: حديث واحد

۲۹۵) عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب؛ و عبد الرزاق، عن معمر، عن عليّ بن زيد، قال: قلت لسعيد بن المسيّب: إنّك أخبرتني أنّ عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما النفس الزكيّة، و إنّك لا تعرف له نظيرا. قال: كذلك، و ما هو مجهول ما أقول فيه، و اللّه ما رؤي مثله.

قال عليّ بن زيد: فقلت له: و اللّه إنّ هذه الحجة لوكيدة يا سعيد، فلم لم تصل علي جنازته.

قال: سمعته يقول: أخبرني أبي أبو عبد اللّه الحسين، عن أبيه، عن النبيّ صلي الله عليه و آله، عن جبرئيل، عن اللّه تعالي أنّه قال: «ما من عبد من عبادي آمن بي، و صدّق بك، و صلّي في مسجدك ركعتين علي خلاء من الناس، إلّا غفرت له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر. فلم أر شاهدا أفضل من عليّ بن الحسين، حيث حدّثني بهذا الحديث، فلمّا أن مات شهد جنازته البر و الفاجر، و أثني عليه الصالح و الطالح و انهال الناس يتبعونه، حتّي وضعت الجنازة، فقلت: إن أدركت الركعتين يوما من الدهر فاليوم، فلم يبق رجل و لا امرأة، ثمّ خرجنا إلي الجنازة، فوثبت لأصلّي، فجاء تكبير من السماء، فأجابه تكبير من الأرض، ففزعت و سقطت علي وجهي، فكبّر من في السماء سبعا، و كبّر من في الأرض سبعا، و صلّوا علي عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما، و دخل الناس المسجد فلم أدرك الركعتين و لا الصلاة عليه، إنّ هذا لهو الخسران المبين.

قال: فبكي سعيد، و قال: ما أردت إلّا خيرا، ليتني كنت صلّيت عليه، فإنّه ما رؤي مثله.

في بيان ظهور آياته في طاعة الوحش له و التماسهم منه الحاجة و فيه: حديثان

۲۹۶) عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال:

«كان عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما مع أصحابه في طريق مكّة فمرّ به ثعلب و هم يتغدون.

فقال لهم عليّ بن الحسين: هل لكم أن تعطوني موثقا من اللّه لا تهيجون هذا الثعلب فأدعوه فيجيبني؟ فحلفوا له، فقال: يا ثعلب، أنت آمن فجاء حتّي أقعي بين يديه، فطرح إليه عراقا فولّي به فأكله.

ثمّ قال: هل لكم أن تعطوني أيضا موثقا من اللّه فأدعوه أيضا فيجيبني؟ فحلفوا له، فقال: يا ثعلب، أنت آمن. فجاء حتّي أقعي بين يديه، فكلح له رجل في وجهه، فخرج يعدو، فقال صلوات اللّه عليه: و أيّكم الذي خفر ذمّتي؟ فأخبره الرجل، ثمّ استغفر اللّه و سكت».

۲۹۷) عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «بينما عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما مع أصحابه إذ أقبلت ظبية من الصحراء حتّي قامت حذاءه و حمحمت، فقال بعض القوم: يا ابن رسول اللّه، ما تقول هذه الظبية؟ قال: تزعم أن فلانا القرشيّ أخذ خشفها بالأمس، و أنّها لم ترضعه من الأمس شيئا، فبعث إليه عليّ بن الحسين أن أرسل إليّ بالخشف، فبعث به إليه، فلمّا أن رأته حمحمت و ضربت بيدها، ثمّ رجع».

قال: «فوهبه عليّ بن الحسين لها، و كلّمها بكلام نحو كلامها، فحمحمت و ضربت بيدها، و انطلقت و الخشف معها، فقالوا: يا ابن رسول اللّه، ما الذي قالت؟ قال: دعت اللّه لكم و جزتكم خيرا».

قال مصنف هذا الكتاب رضي اللّه عنه: إنّ اللّه تعالي ألهم البهائم تعظيم قدرهم ليتنبّه الناس علي عظم أقدارهم و شرف آثارهم عند اللّه تعالي.

في بيان ظهور آياته من الإخبار بالغائبات و فيه: خمسة أحاديث

۲۹۸) عن عبد اللّه بن عطاء التميمي، قال: كنت مع عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم في المسجد، فمرّ عمر بن عبد العزيز و عليه نعلان شراكهما فضّة، و كان من أخرق الناس، و هو شاب، فنظر إليه عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام و قال: «يا عبد اللّه، أ تري هذا المترف، إنّه لن يموت حتّي يلي الناس».

قلت: «إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، هذا الفاسق؟! قال: «نعم، و لا يلبث إلّا يسيرا حتّي يموت، فإذا مات لعنه أهل السماء، و استغفر له أهل الأرض».

۲۹۹) عن أبي الجارود، عن أبي جعفر صلوات اللّه عليه، قال: «لمّا دخل كنكر الكابلي علي عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما، فقال له: يا وردان. فقال كنكر: ليس اسمي وردان. فقال له عليّ بن الحسين: بل تكذب، يوم ولدتك أمّك سمّتك وردان، و جاء أبوك فسمّاك كنكر. فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله، و أنّك وصيّه من بعده، و أشهد أن أمّي حدّثتني بهذا الحديث بعد ما عقلت».

۳۰۰) عن الصادق جعفر بن محمّد صلوات اللّه عليهما، قال: «لمّا قتل ابن الزبير و ظهر عبد الملك بن مروان علي الأمر كتب إلي الحجّاج بن يوسف- و كان عامله علي الحجاز-:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.

من عبد اللّه عبد الملك إلي الحجّاج بن يوسف.

أمّا بعد، فانظر دماء بني عبد المطلب و احقنها و اجتنبها، فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا و لغوا في دمائهم لم يلبثوا إلّا قليلا، و السلام.

و بعث بالكتاب سرّا، فبعث عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما إلي عبد الملك بن مروان:

أما بعد، فإنّك كتبت في يوم كذا، في ساعة كذا، في شهر كذا، في سنة كذا بكذا و كذا، و إنّ اللّه تعالي قد شكر لك ذلك، لأنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله أتاني في منامي فأخبرني أنّك كتبت في يوم كذا، في ساعة كذا، و أنّ اللّه تعالي قد شكر لك ذلك، و ثبّت ملكك، و زادك فيه برهة.

ثمّ طوي الكتاب و ختمه و أرسله مع غلام له علي بعير، و أمره أن يوصله إلي عبد الملك، فلمّا نظر في التاريخ وجده وافق تلك الساعة التي بعث بالكتاب إلي الحجّاج فيها، فلم يشكّ في صدق عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما، و فرح فرحا شديدا، و بعث إلي عليّ بن الحسين بوقر راحلته دنانير و أثوابا لما سرّ به من الكتاب» و المنّة للّه.

۳۰۱) عن الزهري، قال: كان لي أخ في اللّه تعالي، و كنت شديد المحبّة له، فمات في جهاد الروم، فاغتبطت به و فرحت أن استشهد، و تمنيت أنّي كنت استشهدت معه، فنمت ذات ليلة، فرأيته في منامي.

فقلت له: ما فعل بك ربّك؟ فقال: غفر اللّه لي بجهادي، و حبّي محمّدا و آل محمّد، و زادني في الجنّة مسيرة مائة ألف عام من كلّ جانب من الممالك بشفاعة عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما.

فقلت له: قد اغتبطت أن استشهدت بمثل ما أنت عليه [قال:

أنت] فوقي من مسيرة ألف ألف عام.

فقلت: بما ذا؟! فقال: أ لست تلقي عليّ بن الحسين عليه السلام في كلّ جمعة مرّة و تسلّم عليه، و إذا رأيت وجهه صلّيت علي محمّد و آل محمّد، ثمّ تروي عنه، و تذكر في هذا الزمان النكد- زمان بني أميّة- فتعرّض للمكروه، و لكن اللّه يقيك.

فلمّا انتبهت قلت: لعلّه أضغاث أحلام. فعاودني النوم فرأيت ذلك الرجل يقول: أ شككت؟ لا تشك فإنّ الشكّ كفر، و لا تخبر بما رأيت أحدا، فإنّ عليّ بن الحسين يخبرك بمنامك هذا كما أخبر رسول اللّه صلي الله عليه و آله أبا بكر بمنامه في طريقه من الشام. فانتبهت و صلّيت فإذا رسول عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليه، فصرت إليه فقال: «يا زهري، رأيت البارحة كذا و كذا..». المنامين جميعا علي وجههما.

۳۰۲) عن أبي خالد الكابلي، قال: لمّا قتل أبو عبد اللّه الحسين صلوات اللّه عليه و بقيت الشيعة متحيرة و لزم عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما منزله، اختلفت الشيعة إلي الحسن بن الحسن، و كنت فيمن يختلف إليه و جعلت الشيعة تسأله عن مسألة و لا يجيب فيها، و بقيت لا أدري من الإمام متحيّرا، و إنّي سألته ذات يوم فقلت له: جعلت فداك، عندك سلاح رسول اللّه صلي الله عليه و آله فغضب، ثمّ قال:

يا معشر الشيعة، تعنّونا؟! فخرجت من عنده حزينا كئيبا لا أدري أين أتوجه، فمررت بباب عليّ بن الحسين زين العابدين عليه الصلاة و السلام قائم الظهيرة، فإذا أنا به في دهليزه قد فتح بابه، فنظر إليّ فقال: «يا كنكر» فقلت: جعلت فداك، و اللّه إنّ هذا الاسم ما عرفه أحد إلّا اللّه عزّ و جل، و أنا، و أمّي كانت تلقبني به و تناديني و أنا صغير.

قال: فقال لي: «كنت عند الحسن بن الحسن؟» قلت: نعم.

قال: «إن شئت حدّثتك، و إن شئت تحدّثني؟». فقلت: بأبي أنت و أمّي فحدّثني، قال: «سألته عن سلاح رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقال: يا معشر الشيعة، تعنّونا؟» فقلت: جعلت فداك، كذا و اللّه كانت القضيّة، فقال للجارية: «ابعثي إليّ بالسفط» فأخرجت إليه سفطا مختوما، ففضّ خاتمه و فتحه، ثمّ قال: «هذه درع رسول اللّه صلي الله عليه و آله» ثمّ أخذها و لبسها، فإذا هي إلي نصف ساقه.

قال: فقال لها: «اسبغي» فإذا هي تنجرّ في الأرض. ثمّ قال: «تقلّصي» فرجعت إلي حالها. ثمّ قال صلوات اللّه عليه: «إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله إذا لبسها قال لها هكذا، و فعلت هكذا مثله».

في بيان ظهور آياته في معان شتّي و فيه: حديث واحد

۳۰۳) عن الباقر عليه السلام، قال: «كان عبد الملك بن مروان يطوف بالبيت، و عليّ بن الحسين عليهم السلام يطوف بين يديه و لا يلتفت إلينا؟ و لم يكن عبد الملك يبصر وجهه، فقال: من هذا الذي يطوف بين يدينا و لا يلتفت إلينا؟ فقيل له: هذا عليّ بن الحسين.

فجلس مكانه، فقال: ردوه إلي. فردوه فقال له: يا عليّ بن الحسين إنّي لست قاتل أبيك، فما يمنعك من المصير إليّ؟

فقال عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما: إنّ قاتل أبي أفسد علي نفسه بما فعله دنياه عليه، و أفسد أبي عليه بذلك آخرته، فإن أحببت أن تكون كهو فكن.

فقال: كلا، و لكن تصير إلينا لتنال من دنيانا.

فجلس زين العابدين صلوات اللّه عليه و بسط رداءه، فقال: اللّهمّ أره حرمة أوليائك عندك. فإذا رداؤه مملوء درّا يكاد شعاعها يخطف بالأبصار، فقال: من يكون هذه حرمته عند ربّه كيف يحتاج إلي دنياك؟! ثمّ قال: اللّهمّ خذها فلا حاجة لي فيها».

الباب الثامن في ذكر آيات أبي جعفر محمّد بن عليّ صلوات الله عليهما

في بيان ظهور آياته من إحياء الموتي و فيه: ثلاثة أحاديث

۳۰۴) عن المفضّل بن عمر، قال: بينا أبو جعفر صلوات اللّه عليه سائر بين مكّة و المدينة إذ انتهي إلي جماعة علي الطريق، فإذا رجل منهم قد نفق حماره، و تبدّد متاعه، و هو يبكي، فلمّا رأي أبا جعفر صلوات اللّه عليه أقبل إليه و قال له: يا ابن رسول اللّه، نفق حماري، فدعا أبو جعفر عليه السلام فأحيا اللّه تعالي له حماره.

۳۰۵) و قد سمعت شيخي أبا جعفر محمّد بن الحسن الشوهانيّ رضي اللّه عنه بمشهد الرضا عليه الصلاة و السلام في داره، و هو يقرأ من كتابه، و قد ذهب عني اسم الراوي، أنّ فتي من أهل الشام كان يكثر الجلوس عند أبي جعفر صلوات اللّه عليه فقال ذات يوم: و اللّه، ما أجلس إليك حبّا لك، و إنّما أجلس إليك لفصاحتك و فضلك.

فتبسم صلوات اللّه عليه و لم يقل شيئا، ثمّ فقده بعد ذلك أيّاما، فسأل عنه فقيل له: مريض فدخل عليه إنسان و قال له: يا ابن رسول اللّه، إنّ الفتي الذي كان يكثر الجلوس إليك قد قضي، و قد أوصي إليك أن تصلّي عليه.

فقال صلوات اللّه عليه: «إذا غسّلتموه فدعوه علي السرير و لا تكفنوه حتّي آتيكم» ثمّ قام فتطهّر، و صلّي ركعتين، و دعا، و سجد بعده فأطال السجود، ثمّ قام فلبس نعله، و تردّي برداء رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و مضي إليه.

فلمّا وصل و دخل البيت الذي يغسّل فيه و هو علي سريره، و قد فرغ من غسله ناداه باسمه فقال: يا فلان. فأجابه و لبّاه، و رفع رأسه و جلس، فدعا صلوات اللّه عليه بشربة سويق فسقاه، ثمّ سأله: «ما حالك؟» فقال: إنه قد قبض روحي بلا شك مني، و إنّي لمّا قبضت سمعت صوتا ما سمعت قط أطيب منه: ردّوا إليه روحه، فإنّ محمّد بن عليّ قد سألناه.

۳۰۶) عن محمّد بن مسلم، عن أبي عيينة، قال: إنّ رجلا جاء إلي أبي جعفر صلوات اللّه عليه و قال: أنا رجل من أهل الشام لم أزل- و اللّه- أتولاكم أهل البيت، و أبرأ من عدوكم، و إنّ أبي- لا رحمه اللّه- كان يتولّي بني أميّة و يفضّلهم عليكم، و كنت أبغضه علي ذلك، و يبغضني علي حبّكم، و يحرمني ماله، و يجفوني في حياته و بعد مماته، و قد كان له مال كثير، و لم يكن له ولد غيري، و كان مسكنه بالرملة، و كان له بيت يخلو فيه بنفسه، فلمّا مات طلبت ماله في كلّ موضع فلم أظفر به، و لست أشكّ أنّه دفنه في موضع و أخفاه عنّي لا رضي اللّه عنه.

فقال أبو جعفر صلوات اللّه عليه: «أ فتحب أن تراه و تسأله أين موضع ماله؟» فقال له: أجل فإنّي فقير محتاج. فكتب له أبو جعفر صلوات اللّه عليه كتابا بيده الكريمة في رق أبيض، ثمّ ختمه بخاتمه، و قال: «اذهب بهذا الكتاب الليلة إلي البقيع حتّي تتوسطه، ثمّ تنادي:

يا ذرجان فإنّه سيأتيك رجل معتم، فادفع إليه الكتاب و قل له: أنا رسول محمّد بن عليّ بن الحسين بن زين العابدين- صلوات اللّه عليه- و اسأله عمّا بدا لك».

قال: فأخذ الرجل الكتاب و انطلق، فلمّا كان من الغد أتيت أبا جعفر صلوات اللّه عليه متعمدا لأنظر ما كان حال الرجل، فإذا هو علي باب أبي جعفر ينتظر حتّي أذن له، فدخلنا عليه.

فقال له الرجل: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته، و عند من يضع علمه، قد انطلقت بكتابك الليلة حتّي توسطت البقيع، فناديت يا ذرجان فأتاني رجل معتم، فقال: أنا ذرجان، فما حاجتك؟

فقلت: أنا رسول محمّد بن عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهم إليك، و هذا كتابه. فقال: مرحبا برسول حجّة اللّه علي خلقه. و أخذ الكتاب و قرأه، و قال: أ تحب أن تري أباك؟ قلت: نعم. قال: فلا تبرح من موضعك حتّي آتيك به، فإنّه بضجتان.

فانطلق فلم يلبث إلّا قليلا حتّي أتاني برجل أسود، في عنقه حبل أسود فقال لي: هذا أبوك، و لكن غيّره اللهب، و دخل الجحيم، و جرع الحميم، و العذاب الأليم. فقلت: أنت أبي؟! قال: نعم.

قلت: ما غيّرك عن صورتك؟!

قال: إنّي كنت أتولي بني أميّة و أفضّلهم علي أهل بيت رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فعذّبني اللّه علي ذلك، و إنّك تتولي أهل بيت النبي، و كنت أبغضك علي ذلك، و حرمتك مالي، و زويته عنك، و أنا اليوم علي ذلك من النادمين، فانطلق إلي بيتي و احتفر تحت الزيتونة و خذ المال، و هو مائة ألف و خمسون ألفا، فادفع إلي محمّد بن عليّ صلوات اللّه عليه خمسين الفا، و لك الباقي.

قال: فإنّي منطلق حتّي آتي بالمال.

قال أبو عيينة: فلمّا حال الحول قلت لأبي جعفر صلوات اللّه عليه: ما فعل الرجل؟ قال: «قد جاءنا بالخمسين ألفا، فقضيت منها دينا كان عليّ و ابتعت منها أرضا، و وصلت منها أهل الحاجة من أهل بيتي، أما إنّ ذلك سينفع الميت النادم علي ما فرّط من حبّنا، وضيع من حقنا بما أدخل عليّ من الرفق و السرور».

في بيان ظهور آياته من إبراء الأعمي و فيه: حديث واحد

۳۰۷) عن المثني بن الوليد، عن أبي بصير، قال: دخلت علي أبي جعفر عليه السلام فقلت له: أنتم ذريّة رسول اللّه صلي الله عليه و آله؟

قال: «نعم» قلت: أنتم تقدرون علي أن تحيوا الموتي و تبرءوا الأكمه و الأبرص؟ قال: «نعم؛ بإذن اللّه تعالي»

ثمّ قال: «أدن منّي» فدنوت منه، فمسح علي وجهي، و علي عيني، فأبصرت الشمس و السماء و الأرض و البيوت، و كلّ شي‌ء كان في الدار، ثمّ قال: «أ تحب أن تكون هكذا و لك ما للناس و عليك ما علي الناس يوم القيامة؟ أو تعود كما كنت و لك الجنّة خالصة؟» قلت: أعود كما كنت، قال: فمسح علي عيني، فعدت كما كنت.

قال عليّ بن الحكم: فحدّثت بذلك محمّد بن أبي عمير فقال:

أشهد أن هذا حق كما أن النهار حق؛ و المنّة للّه.

في ظهور آياته صلوات الله عليه في خروج الثمر من الشجرة اليابسة و فيه: حديث واحد

۳۰۸) عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه، قال:

«نزل أبو جعفر عليه السلام بواد فضرب خباءه فيه، ثمّ خرج يمشي حتّي انتهي إلي نخلة يابسة، فحمد اللّه تعالي، ثمّ تكلم بكلام لم نسمع بمثله، ثمّ قال: أيّتها النخلة، أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك.

فتساقط منها رطب أحمر و أصفر، فأكل و معه أبو أيوب الأنصاري، فقال: هذه الآية فينا كالآية في مريم إذ هزّت إليها النخلة، فتساقط عليها رطبا جنيا».

في بيان ظهور آياته في العنب و اللباس و فيه: حديث واحد

۳۰۹) عن الليث بن سعد، قال: كنت علي جبل أبي قبيس أدعو فرأيت رجلا يدعو اللّه عزّ و جلّ و قال في دعائه: «اللّهمّ إنّي أريد العنب فارزقنيه» فرأيت غمامة أظلته، و دنت من رأسه، فرفع يده إليها، فأخذ منها سلّة من عنب، و وضعها بين يديه.

ثمّ رفع يده ثانية فقال: «اللّهمّ إنّي عريان فاكسني» فدنت الغمامة منه ثانية فرفع يده، ثانية فأخذ منها شيئا ملفوفا في ثوب، ثمّ جلس يأكل العنب، و ما ذلك في زمان العنب.

فقربت منه، فمددت يدي إلي السلّة و تناولت حبّات، فنظر إليّ و قال: «ما تصنع؟» فقلت: أنا شريكك في العنب. قال: «و من أين؟» قلت: لأنّك كنت تدعو و أنا أؤمن علي دعائك، و الداعي و المؤمّن شريكان. فقال: «اجلس و كل» فجلست و أكلت معه، فلمّا اكتفينا ارتفعت السلّة.

فقام و قال لي: «خذ أحد الثوبين» فقلت: أمّا الثوب فلا أحتاج إليه. فقال: «انحرف عنّي حتّي ألبسه» فانحرفت عنه، فاتزر بأحدهما و ارتدي بالآخر عليه، و طواه و رفعه بكفه، و نزل عن أبي قبيس، فلمّا وصل قريبا من الصفا استقبله إنسان فأعطاه، فسألت عنه و قلت لبعض من كان: من هذا؟ قال: هذا ابن رسول اللّه صلي الله عليه و آله: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام.

في بيان ظهور آياته فيما رأي من ملكوت السماء و فيه: حديث واحد

۳۱۰) عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ عليهما السلام عن قوله تعالي: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ و كان مطرقا إلي الأرض، فرفع رأسه إلي فوق، فإذا نور ساطع حال بصري دونه، ثمّ قال: «رأي إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض هكذا» ثمّ قال لي:

«اطرق» فأطرقت، ثمّ قال لي: «ارفع رأسك» فرفعت، فإذا السقف علي حاله.

في بيان ظهور آياته في الإخبار عن الغائبات و فيه: ثمانية أحاديث

۳۱۱) عن عيسي بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: دخل ابن عكاشة بن محصن الأسديّ علي أبي جعفر عليه السلام- و كان أبو عبد اللّه عليه السلام قائما عنده- فقال لأبي جعفر: لأي شي‌ء لا تزوج أبا عبد اللّه فقد أدرك التزويج؟ و كان بين يديه صرّة مختومة فقال:

«أما إنّه سيجي‌ء نخاس من أهل بربر، و ينزل دار ميمون، فنشتري له بهذه الصرّة منه جارية».

قال: فأتي علي ذلك ما أتي، فدخلنا يوما عليه، فقال: «ألّا أخبركم عن النخّاس الذي ذكرته لكم؟ قد قدم، فاذهبوا و اشتروا بهذه الصرّة منه جارية».

قال: فأتينا النخّاس فدفعت ما كان معي فقلت: أبغي بها جارية. فقال: ما معي إلّا جاريتين مريضتين، إحداهما أمثل من الأخري.

قلنا: فأخرجهما حتّي ننظر إليهما. فأخرجهما، فقلنا: بكم تبيعنا هذه المتماثلة؟ قال: بسبعين دينارا قلنا: أحسن قال: لا، شريتها بأنقص من سبعين دينارا. فقلنا: نشتريها بهذه الصرّة ما بلغت، و لا ندري ما فيها. و كان عنده رجل أبيض الرأس و اللحية فقال: فكّوا وزنوا. فقال النخاس: لا تفكّوا، فإنّها إن نقصت حبّة من سبعين دينارا لم أبايعكم.

قال الشيخ: أدنوا، فدنونا، و فككنا الختم، و وزنا الدنانير، فإذا هي سبعون دينارا لا تزيد و لا تنقص.

فأخذنا الجارية و أدخلناها علي أبي جعفر، و جعفر عنده قائم، فأخبرناه بما كان، فحمد اللّه تعالي و أثني عليه ثمّ قال لها: «ما اسمك؟ قالت: حميدة فقال: «حميدة في الدنيا، محمودة في الآخرة، فأخبرني عنك أبكر أنت أم ثيب؟» قالت: بكر.

فقال: «و كيف؟! و لا يقع في أيدي النخّاسين شي‌ء إلّا أفسدوه».

قالت: كان يجي‌ء و يقعد منّي مقعد الرجل من المرأة فيسلط اللّه عليه رجلا أبيض الرأس و اللحية، فلا يزال يلطمه حتّي يقوم عنّي، ففعل بي مرارا، و فعل الشيخ به مرارا.

فقال أبو جعفر: «خذها إليك» فولدت خير أهل الأرض موسي بن جعفر عليه السلام.

۳۱۲) عن داود بن كثير الرقي، قال: كنت يوما عند أبي جعفر عليه السلام، و كان عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن الحسن يدّعي أنّه إمام، إذ أتي وفد من خراسان اثنان و سبعون رجلا معهم المال و التحف، فقال بعضهم: من [أين] لنا أن نفهم منهم الأمر فيمن هو، فأتاهم رسول من عند عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن الحسن فقال:

أجيبوا صاحبكم. فمضوا إليه و قالوا له: ما دلالة الإمام؟ قال: درع رسول اللّه صلي الله عليه و آله و خاتمه و عصاه و عمامته. قال: يا غلام عليّ بالصندوق. فأتي بصندوق ما بين غلامين فوضع بين يديه ففتحه و استخرج درعا فلبسها، و عمامة فتعمّم بها و عصا فتوكأ عليها ثمّ خطب، فنظر بعضهم إلي بعض، و قالوا: نوافيك غدا إن شاء اللّه تعالي.

قال داود: فقال لي أبو جعفر عليه السلام: «امض إلي باب عبد اللّه، فقم علي طرف الدكان فسيخرج إليك اثنان و سبعون رجلا من وفد خراسان، فصح بكلّ واحد منهم باسمه و اسم أبيه و أمّه».

قال داود: فوقفت علي طرف الدّكان فسمّيت كلّ واحد منهم باسمه و اسم أبيه و أمّه، فتعجبوا فقلت: أجيبوا صاحبكم. فأتوا معي فأدخلتهم علي أبي جعفر عليه السلام فقال لهم: «يا وجوه خراسان، أين يذهب بكم؟ أوصياء محمّد صلي الله عليه و آله، أكرم علي اللّه من أن يعرف عن أيتهم أين هي.

ثمّ التفت إلي أبي عبد اللّه عليه السلام و قال: «يا ولدي ائتني بخاتمي الأعظم» فأتاه بخاتم فصّه عقيق، فوضعه أمامه فحرّك شفتيه، و أخذ الخاتم فنفضه، فسقط منه درع رسول اللّه صلي الله عليه و آله و العمامة و العصا، فلبس الدرع، و تعمّم بالعمامة، و أخذ العصا بيده، ثمّ انتفض فيها نفضة فتقلّص الدرع، ثمّ انتفض ثانية فجرّها ذراعا أو أكثر، ثمّ نزع العمامة و وضعها بين يديه، و الدرع و العصا، ثمّ حرّك شفتيه بكلمات، فغاب الدرع في الخاتم.

ثمّ التفت إلي أهل خراسان و قال: «إن كان ابن عمّنا عنده درع رسول اللّه صلي الله عليه و آله و العمامة و العصا في صندوق و يكون عندنا في صندوق فما فضلنا عليه؟! يا أهل خراسان ما من إمام إلّا و تحت يده كنوز قارون، إنّ المال الذي نأخذه منكم محبّة لكم و تطهيرا لرؤوسكم فأدّوا إليه المال، و خرجوا من عنده مقرّين بإمامته.

۳۱۳) عن موسي بن عبد اللّه بن الحسين، قال: لمّا طلب محمّد بن عبد اللّه بن الحسن الإمامة و خرج من المدينة أتي بإسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب- و هو شيخ كبير ضعيف، قد ذهبت إحدي عينيه، و ذهبت رجلاه، فصار يحمل حملا- فدعاه إلي البيعة، فقال له: يا ابن عمّي، إنّي شيخ كبير ضعيف، و أنا إلي برّك و عونك أحوج. فقال له: لا بد من أن تبايع. فقال له: و أي شي‌ء تنتفع ببيعتي؟ و اللّه إنّي لأضيّق عليك مكان اسم رجل إن كتبته. فقال: لا بد أن تفعله. و أغلظ له في القول، فقال له إسماعيل: ادع لي جعفر بن محمّد، فلعلنا نبايع جميعا.

قال: فدعا بجعفر، فأتي به، فقال له إسماعيل: جعلت فداك، إن رأيت أن تبيّن له فافعل، لعلّ اللّه يكفّه عنّا.

قال: «أجمعت علي أن لا أكلّمه، فلير فيّ رأيه» فقال إسماعيل لأبي عبد اللّه: أنشدك اللّه، هل تذكر يوما أتيت فيه أباك محمّد بن عليّ عليه السلام و عليه حلتان صفراوان فأدام النظر إليّ و بكي، فقلت له:

و ما يبكيك؟ فقال: «يبكيني أنّك تقتل عند كبر سنّك ضياعا لا ينتطح في دمك عنزان» قال: قلت: متي ذاك؟ قال: «نعم، إذا دعيت إلي الباطل فأبيته، فإذا نظرت إلي الأحول مشئوم قومه سميّي من آل الحسن، علي منبر رسول اللّه صلي الله عليه و آله يدعو إلي نفسه فسمّي بغير اسمه فأحدث عهدك و اكتب وصيّتك، فإنّك مقتول من يومك، أو من غدك»؟

فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام: «اللّهمّ نعم، و هذا و ربّ الكعبة لا يصوم من شهر رمضان إلّا قليلا، فاستودعك اللّه يا أبا الحسن، و أعظم اللّه أجرنا فيك، و أحسن الخلافة علي ما خلّفت، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون» ثمّ احتمل إسماعيل.

فقال: فو اللّه، ما أمسينا حتّي دخل عليه بنو أخيه بنو معاوية بن عبد اللّه بن جعفر فوطئوه حتي قتلوه.

و في الحديث طول، نذكر تمامه في باب أبي عبد اللّه عليه السلام.

۳۱۴) عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول لرجل من أهل خراسان: «كيف أبوك؟» فقال: صالح. قال: «قد هلك أبوك بعد ما خرجت حيث صرت إلي جرجان».

ثمّ قال له: «كيف أخوك؟» قال: خلّفته صالحا. قال: «قتله جاره صبيحة يوم كذا، ساعة كذا» فبكي الرجل، ثمّ قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون بما أصبت به. قال أبو جعفر عليه السلام: «اسكت فقد صارا إلي الجنّة، و الجنّة خير لهما ممّا كانا فيه».

قال الرجل: فداك أبي و أمّي، إنّي خلّفت ابني و معه وجع شديد؛ و لم تنبئني عنه قال: «قد برئ، و زوّجه عمّه ابنته، و أنت تقدم إن شاء اللّه و قد ولد لهما غلام، و اسمه (علي) و هو لنا شيعة، و أمّا ابنك فليس لنا شيعة، و هو لنا عدو، فلا يغرّنك عبادته و خشوعه».

فقام الرجل من عنده و هو وقيذ فقلت: جعلت فداك، من هذا؟ فقال: «رجل من أهل خراسان، و هو لنا شيعة».

۳۱۵) عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول لرجل من أهل إفريقية: «ما حال راشد؟» فقال: خلّفته صالحا يقرؤك السلام. فقال: «رحمه اللّه»

قال: أو مات؟! قال: «نعم، رحمه اللّه» قال: و متي مات؟! قال: «بعد خروجك بيومين».

قال: لا و اللّه ما مرض و لا كانت به علّة! قال: «و إنّ من يموت من غير علّة أكثر».

قلت أنا: فمن الرجل؟ قال: «كان لنا وليا و محبا من أهل إفريقية».

۳۱۶) أبو بصير، قال: لمّا توفي عليّ بن ذراع وردت المدينة، و دخلت علي أبي جعفر عليه السلام فقال لي: «مات عليّ بن ذراع؟» قلت: نعم رحمه اللّه.

قال: «أحدّثك بكذا و كذا؟» و لم يدع شيئا ممّا حدّثني به علي، فقلت عند ذلك: و اللّه ما كان عندي حين حدّثني بهذا الحديث أحد، و لا خرج منّي إلي أحد حتّي أتيتك، فمن أين علمت هذا؟! قال: فغمز بيده فخذي، و قال: «هيهات، هيهات، الآن اسكت».

۳۱۷) عن أبي حمزة الثمالي، قال: خرجت مع أبي جعفر عليه السلام و معنا سليمان بن خالد إلي حائط من حيطان المدينة، فما سرنا إلّا قليلا حتّي قال: «الساعة يستقبلنا رجلان قد سرقا سرقة أضمرا عليها» فما سرنا إلّا قليلا حتّي استقبلنا الرجلان، فقال أبو جعفر عليه السلام لغلمانه: «عليكم بالسارقين» فأخذا حتّي أتي بهما بين يديه فقال لهما: «أ سرقتما؟» فحلفا باللّه ما سرقنا.

فقال أبو جعفر: «و اللّه لئن لم تخرجا ما سرقتما لأبعثن إلي الموضع الذي وضعتما فيه [سرقتكما]، و لأبعثن به إلي صاحبه الذي سرقتما منه» فأبيا أن يردا الذي سرقاه.

فقال أبو جعفر عليه السلام لغلمانه: «أوثقوهما، و انطلق أنت يا سليمان إلي ذلك الجبل- و أشار بيده إلي ناحية منه- فاصعد أنت و هؤلاء الغلمان معك، فإنّ في قلّة الجبل كهفا فاستخرجوا ما فيه و أتوني به».

قال سليمان: فانطلقت إلي الجبل و صعدت إلي الكهف فاستخرجنا منه عيبتين محشوتين حتّي دخلت بهما علي أبي جعفر عليه السلام، فقال: «يا سليمان، لتري غدا العجب».

فلمّا أصبحنا أخذ أبو جعفر عليه السلام بأيدينا و دخلنا معه علي والي المدينة، و قد دخل المسروق منه برجال براء فقال: هؤلاء سرقوا.

فأراد الوالي أن يعاقب القوم، فقال أبو جعفر عليه السلام ابتداء منه:

«إنّ هؤلاء ليسوا سرّاقه، إنّ السارقين عندي»

فقال للرجل: «ما ذهب منك؟» قال: عيبة فيها كذا و كذا. فادعي ما لم يذهب له. قال أبو جعفر عليه السلام: «لم تكذب؟ فما أنت أعلم بما ذهب لك منّي» فهمّ الوالي أن يبطش به، فكفّه أبو جعفر عليه السلام.

ثمّ قال: «يا غلام ائتني بعيبة كذا و كذا» فأتي بها، ثمّ قال للوالي: «إن ادّعي فوق هذا فهو كاذب مبطل، و عندي عيبة أخري لرجل آخر، و هو يأتيك إلي أيّام، و هو من أهل بربر، فإذا أتاك فارشده إلي، و أمّا هذان السارقان فإنّي لست ببارح حتّي تقطعهما».

فأتي بهما، فقال أحدهما: تقطعنا و لم نقرّ علي أنفسنا؟ فقال الوالي:

ويلكما، يشهد عليكما من لو شهد علي أهل المدينة لأجزت شهادته.

فلمّا قطعهما قال أحدهما: يا أبا جعفر، لقد شهدت بحق، و ما يسرني أنّ اللّه أجري توبتي علي يد غيرك، و إنّ لي بناء خارج المدينة، و إنّي لأعلم أنّكم أهل بيت النبوة و معدن العلم. فرّق له أبو جعفر عليه السلام و قال: «أنت علي خير و إلي خير».

ثمّ التفت إلي الوالي و إلي جماعة من الناس فقال: «و اللّه، لقد سبق يده بدنه إلي الجنّة بعشرين سنة».

فقال سليمان بن خالد لأبي حمزة الثمالي: يا أبا حمزة، و رأيت دلالة أعجب من هذه؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: «يا سليمان، العجب في العيبة الأخري» فو اللّه ما لبثنا إلّا ثلاثة حتّي أتي البربريّ إلي الوالي، فأخبره بقصّة عيبته، فأرشده إلي أبي جعفر، فأتاه فقال له أبو جعفر: «أ لا أخبرك بما في عيبتك قبل أن تخبرني بما فيها» فقال له البربري: إن أنت أخبرتني بما فيها علمت أنّك إمام فرض اللّه طاعتك.

فقال عليه السلام: «فيها ألف دينار لك، و ألف دينار لغيرك، و من الثياب كذا و كذا».

قال: فما اسم الرجل الذي له ألف دينار؟ قال: «محمّد بن عبد الرحمن، و هو علي الباب ينتظر، أ تراني أخبرتك بالحق».

فقال البربري: آمنت باللّه وحده لا شريك له، و بمحمّد صلي الله عليه و آله رسوله و أشهد أنّكم أهل بيت الرحمة الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا. فقال أبو جعفر: «لقد هديت فخذ و اشكر».

قال سليمان: فحججت بعد ذلك بعشر سنين فكنت أري الأقطع من أصحاب أبي جعفر عليه السلام.

۳۱۸) و عن محمّد بن عمر النخعي، قال: أخبرني رجل من أصحابنا من بني أسد، و كان من أصحاب أبي جعفر عليه السلام، قال: كنت مع عبد اللّه بن معاوية بفارس فبينما نحن نتحدّث فتحدّثوا و أنا ساكت، فقال عبد اللّه بن معاوية: مالك ساكت لا تتكلم؟ فو اللّه إنّي لعارف برأيك، و إنّك لعلي الحق المبين.

ثمّ قال: سأحدّثك بما رأت عيناي و سمعت أذناي من أبي جعفر عليه السلام.

ثمّ قال: إنّه كان بالمدينة رجل من آل مروان و إنّه أرسل إليّ ذات يوم، فأتيته و ما عنده أحد من الناس، فقال: يا ابن معاوية، ما دعوتك إلّا لثقتي بك، و إنّي قد علمت أنّه لا يبلّغ عنّي أحد غيرك، و قد أحببت أن تلقي عمّيك الأحمقين: محمّد بن عليّ و زيد بن علي، و تقول لهما: يقول لكما الأمير: لتكفا عمّا يبلغني عنكما أو ليتركاني.

فخرجت من عنده متوجها إلي أبي جعفر فلقيته، و هو يريد المسجد، فلمّا دنوت منه تبسّم ضاحكا، ثمّ قال: «لقد بعث إليك هذا الطاغي فخلا بك، و قال: الق عمّيك الأحمقين، و قل لهما: كذا و كذا» فأخبرني بمقالته كأنّه كان حاضرا.

في بيان ظهور آياته في معان شتّي و فيه: حديثان

۳۱۹) عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «كان زيد بن الحسن يخاصم أبي في ميراث رسول اللّه صلي الله عليه و آله و يقول: أنا من ولد الحسن و أولي بذلك منك، لأنّي من ولده الأكبر، فقاسمني ميراث رسول اللّه صلي الله عليه و آله و ادفعه إلي. فأبي أبي ذلك، فتخاصما إلي القاضي، و كان يختلف معه زيد بن عليّ إلي القاضي، فبينما هم كذلك ذات يوم في خصومتهم إذ قال زيد بن الحسن لزيد بن علي: اسكت يا ابن السنديّة. فقال زيد بن علي: أف لخصومة تذكر فيها الأمّهات، و اللّه لا أكلمك بالفصيح من رأسي أبدا حتّي أموت. و انصرف إلي أبي فقال:

يا أخي حلفت يمينا ثقة بك و علمت أنك لا تلزمني، حلفت أن لا أكلم زيد بن الحسن، و لا أخاصمه. و ذكر ما كان بينهما فأعفاه أبي، فاغتنمها زيد بن الحسن، و قال: يلي خصومتي محمد بن علي فأعيبه و أؤذيه فيعتدي علي، فعدا علي أبي فقال: بيني و بينك القاضي.

فقال: انطلق بنا. فلمّا أخرجه قال أبي: يا زيد، إنّ معك سكّينة قد أخفيتها، أ رأيت إن نطقت هذه السكّينة التي سترتها مني فشهدت أنّي أولي بالحق منك، فتكف عنّي؟! قال: نعم. فحلف له بذلك.

فقال أبي: أيّتها السكّينة انطقي بإذن اللّه تعالي. فوثبت السكينة من يد زيد بن الحسن علي الأرض ثمّ قالت: يا زيد أنت ظالم، و محمّد بن عليّ أولي منك بذلك و أحق، لئن لم تكف لألينّ قتلك.

فخرّ زيد مغشيا عليه، فأخذ أبي بيده و أقامه.

ثمّ قال: يا زيد، إن أنطقت هذه الصخرة التي نحن عليها، تقبل؟ قال: نعم، و حلف له علي ذلك، فرجفت الصخرة ممّا يلي زيدا حتي كادت أن تفلق، و لم ترجف ممّا يلي أبي، ثمّ قالت، يا زيد، أنت ظالم، و محمّد أولي منك بالأمر. فخرّ زيد مغشيا عليه فأخذه أبي بيده و أقامه.

و قال: يا زيد، أ رأيت، إن نطقت هذه الشجرة أ تكف؟ قال:

نعم. فدعا أبي الشجرة، فجاءت تخدّ في الأرض حتّي أظلتهم، ثمّ قالت: يا زيد، أنت ظالم، و محمّد أحق بالأمر منك، فكفّ عنه و إلّا هلكت، فغشي علي زيد، و أخذ أبي بيده و أقامه، و قال: يا زيد، أ رأيت هذا؟ و انصرفت الشجرة إلي موضعها، فحلف زيد ألّا يتعرض لأبي، و لا يخاصمه، و انصرف.

و خرج زيد من يومه إلي عبد الملك بن مروان فدخل عليه، و قال: أتيتك من عند ساحر كذّاب لا يحلّ لك تركه. و قصّ عليه ما رأي، فكتب عبد الملك إلي عامله بالمدينة أن ابعث إليّ محمّد بن عليّ مقيّدا. و قال له: أ رأيت إن ولّيتك قتله فتقتله؟ قال: نعم.

فلمّا انتهي الكتاب إلي العامل أجاب العامل: ليس كتابي خلافا عليك يا أمير المؤمنين، و لا أردّ أمرك، لكن رأيت أن أراجعك في الكتاب نصيحة لك، و شفقة عليك، و إنّ الرجل الذي أردته ليس اليوم علي وجه الأرض أعف عنه، و لا أزهد، و لا أورع، و إنّه ليقرأ في محرابه فتجتمع الطير و السباع تعجبا لصوته، و إنّ قراءته تشبه مزامير آل داود، و إنّه من أعلم الناس و أرقهم و أشدّهم اجتهادا و عبادة، و كرهت لأمير المؤمنين التعرض له إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّي يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ. فلمّا ورد الكتاب سرّ بما أنهي إليه الوالي، و علم أنّه قد نصحه».

و في الحديث طول أخذنا موضع الحاجة.

۳۲۰) عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: خرجت مع أبي جعفر عليه السلام إلي الحجّ و أنا زميله إذ أقبل ورشان فوقع علي غرارة محمله، فترنّم، فذهبت لآخذه فصاح بي: «مه يا جابر، فإنّه استجار بنا أهل البيت» فقلت: و ما الذي شكا إليك؟ قال: «شكا إليّ أنّه يفرخ في هذا الجبل منذ ثلاث سنين، و أنّ حيّة تأتيه تأكل أفراخه فراخه، فسألني أن أدعو اللّه عليها ليقتلها، ففعلت، و قد قتلها اللّه».

ثمّ سرنا حتّي إذا كان وقت السحر قال لي: «انزل يا جابر» فنزلت، فأخذت بخطام الجمل، فنزل فتنحّي يمنة و يسرة و هو يقول: «اللّهمّ اسقنا، و اظهر لنا ماء، فإذا حجر مربع أبيض بين الرمل فاقتلعه، فنبع له عين ماء صاف، فتوضأنا و شربنا منه، ثمّ ارتحلنا، فأصبحنا دون قريات و نخل، فعمد أبو جعفر عليه السلام إلي نخلة يابسة فدنا منها و قال: «أيّتها النخلة اليابسة، أطعمينا».

فلقد رأيت النخلة تنحني حتّي جعلنا نتناول من ثمرها و نأكل، و إذا أعرابي يقول: ما رأيت ساحرا كاليوم؟! فقال أبو جعفر عليه السلام: «يا أعرابي، لا تكذبن علينا أهل البيت، فإنّه ليس منّا ساحر و لا كاذب، و لكن علمنا اسما من أسماء اللّه تعالي، نسأل اللّه به فنعطي، و ندعو به فنجاب».

الباب التاسع في ذكر دلالات الامام الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام

في بيان ظهور آياته في إحياء الموتي و فيه: خمسة أحاديث

۳۲۱) عن جميل بن درّاج، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام فدخلت عليه امرأة و ذكرت أنّها تركت ابنها علي وجهه ميتا، فقال لها: «لعلّه لم يمت، قومي و اذهبي إلي بيتك، و اغتسلي، و صلّي ركعتين، و ادعي اللّه تعالي و قولي: «يا من وهب لي ولدا و لم يكن شيئا، جدّد لي هبتك «ثمّ حركيه و لا تخبري بذلك أحدا» ففعلت ذلك، ثمّ جاءت فحركته فإذا هو قد بكي.

۳۲۲) عن السيّد أبي هاشم إسماعيل بن محمّد الحميري، قال: دخلت علي الصادق جعفر بن محمّد عليهم السلام و قلت: يا ابن رسول اللّه، بلغني أنّك تقول فيّ إنّه ليس علي شي‌ء، و أنا قد أفنيت عمري في محبّتكم و هجرت الناس فيكم في كيت و كيت، فقال: «أ لست القائل في محمّد بن الحنفيّة:

حتّي متي؟ و إلي متي؟ و كم المدي؟

يا ابن الوصي و أنت حيّ ترزق

تثوي برضوي لا تزال و لا تري!

و بنا إليك من الصبابة أولق؟!

و أنّ محمّد بن الحنفيّة قام بشعب رضوي أسد عن يمينه و نمر عن شماله، يؤتي برزقه غدوة و عشيّة؟!

ويحك، إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله و عليّا و الحسن و الحسين عليهم السلام كانوا خيرا منه، و قد ذاقوا الموت!».

قال: فهل لك علي ذلك من دليل؟

قال: «نعم، إنّ أبي أخبرني أنّه كان قد صلّي عليه و حضر دفنه، و أنا أريك آية» فأخذ بيده فمضي به إلي قبر، و ضرب بيده عليه، و دعا اللّه تعالي فانشق القبر عن رجل أبيض الرأس و اللحية، فنفض التراب عن رأسه و وجهه، و هو يقول: يا أبا هاشم، تعرفني؟ قال: لا. قال:

أنا محمّد بن الحنفية، إنّ الإمام بعد الحسين بن علي: عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ هذا. ثمّ أدخل رأسه في القبر و انضمّ عليه القبر، فقال إسماعيل بن محمّد عند ذلك:

تجعفرت بسم اللّه و اللّه أكبر

و أيقنت أنّ اللّه يعفو و يغفر

و دنت بدين غير ما كنت دائنا

به و نهاني سيّد الناس جعفر

فقلت له هبني تهودت برهة

و إلّا فديني دين من يتنصر

و لست بغال ما حييت و راجعا

إلي ما عليه كنت أخفي و أظهر

و لا قائلا قولا لكيسان بعدها

و إن عاب جهّال مقالي و أكثروا

و القصيدة طويلة.

۳۲۳) عن داود بن كثير الرقي، قال: حجّ رجل من أصحابنا فدخل علي أبي عبد اللّه عليه السلام فقال له: فداك أبي و أمّي، إنّ أهلي قد توفيت، و بقيت وحيدا، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «أو كنت تحبها؟» قال: نعم. فقال: «ارجع إلي منزلك فإنّها سترجع إلي المنزل، و ترجع أنت و هي جالسة تأكل».

قال: فلمّا رجعت من حجّتي و دخلت المنزل وجدتها قاعدة تأكل، و بين يديها طبق فيه تمر و زبيب.

۳۲۴) عن محمّد بن راشد، عن أبيه قال: أتيت بعض آل محمّد لأستفتيه عن مسألة، فسألت عن أعلمهم، فهديت إلي محمّد بن عبد اللّه بن الحسن فاستفتيته في ذلك فقال: إنّي لست أدري ما هذا؟

فقال: أو ليس قد جاء عنكم أنّكم تقولون في أنفسكم أنّكم تدرون بالعلوم كلّها؟

قال: إنّ ذلك لا يعلمه إلّا الإمام، و لست بذلك. قلت له: فمن أين لي بذلك؟

قال: ائت جعفر بن محمّد عليهما السلام فإنّه عنده لا شك فيه.

فأتيته، فقيل لي: مات السيّد بن محمّد و هو في الجنازة، فأتيته و استفتيته فأفتاني في مسألتي، فلمّا أن قمت أخذ بثوبي فجذبني إلي نفسه فقال: «إنّكم معاشر أهل الحديث تركتم العلم».

فقلت له: يرحمك اللّه أنت إمام هذا الزمان؟ فقال: «نعم و اللّه، إنّي إمام هذا الزمان».

فقلت: علامة و دليل. فقال: «سلني عمّا بدا لك أخبرك به إن شاء اللّه.

فقلت: «إنّ أخا لي مات في هذه المقبرة فأمر أن يحيا. فقال لي: «ما أنت أهل لذلك، و لكن أخوك ما كان اسمه؟» فقلت: أحمد.

فقال: «يا أحمد، قم بإذن اللّه تعالي، و بإذن جعفر بن محمّد، فقام و اللّه و هو يقول: يا أخي اتبعه. و حلّفني بالطلاق و العتاق ألّا أخبر احدا.

۳۲۵) عن أبي الحسن عليّ بن محمّد التقي، عن أبيه محمّد، عن أبيه عليّ بن موسي عن أبيه موسي بن جعفر عليهما السلام، قال- في حديث طويل أنا أختصره- أنّ ملك الهند بعث بجارية رائقة الجمال إلي أبي جعفر بن محمّد عليهما السلام مع بعض ثقاته في تحف و هدايا كثيرة، و كتب إليه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم من ملك الهند إلي جعفر بن محمّد الطاهر من كلّ نجس.

أمّا بعد، هداني اللّه علي يدك فإنّي أهدي إليّ بعض عمالي جارية لم أر أحسن منها حسنا، و لا أجمل منها جمالا، و لا أعظم منها خطرا، و لا أعقل منها عقلا، و لا أكمل منها كمالا أن اتخذ منها ولدا يكون له الملك بعدي، فنظرت إليها فأعجبتني و أعجبني شأنها، فأقامت بين يدي يوما و ليلة أفكر فيها و في جلالتها، فلم أر أحدا يستأهلها غيرك، فبعثت بها إليك مع شي‌ء من الحلي و الحلل و الجواهر و الطيب، ثمّ جمعت من جميع وزرائي و عمّالي و أمنائي فاخترت منهم ألف رجل يصلحون للأمانة، و اخترت من الألف مائة، و من المائة عشرة، و من العشرة واحدا و هو ميزاب بن جنان لم أجد في مملكتي رجلا أعقل منه، و لا أشجع، فبعثت علي يده هذه الهدية، و هذه الجارية.

فلمّا وصل الرجل بما بعث معه إليه و دخل بعد دفع كثير و استشفاع قال له: «ارجع أيّها الخائن من حيث جئت بهديتك».

فقال: أبعد شقة بعيدة، و مشقة شديدة، و إقامة حول الباب لا تقبل هدية الملك؟! فقال: «ليس لك عندي جواب، و ما كنت بالذي أقبلها لأنّك خائن فيما أتيت به و ائتمنت عليه». فقال: و اللّه ما خنتك و لا خنت الملك. فقال عليه السلام: «فإن شهد عليك بالخيانة بعض ثيابك تقر بالإسلام؟» قال: أو تعفيني عن ذلك و تسأل بما أحييت من بعد؟

فأمر به فخلع من أعلاه فرو، ثمّ أمر به فبسط في ناحية، الدار، ثمّ قام عليه السلام فصلّي ركعتين و أطال الركوع و السجود، و دعا بما أحبّ ثمّ رفع رأسه و قد علاه نور و قال: «أيّها الفرو الطائع للّه تعالي تكلّم بما تعلم منه، وصف لنا ما جني» فانبسط الفرو ثمّ انقبض و انضم حتّي صار كالكبش البازل فسمعه من في المجالس و هو يقول: يا ابن رسول اللّه الصادق، بعث إليك ملك الهند هذا الرجل و ائتمنه علي هذه الجارية و ما معه من المال، و أوصاه بحفظهما و حياطتهما، فلم يزل علي ذلك حتّي صرنا إلي بعض الصحاري فأصابنا المطر حتّي ابتلّ جميع ما معنا، فأقمنا في ذلك الموضع شهرا كاملا حتّي طلعت الشمس و احتبس المطر، و علّقنا ما معنا علي الحجر و الأشجار، فنادي خادما كان مع الجارية يخدمها يقال له: بشير فقال: يا بشير، لو دخلت هذه المدينة فأتيتنا بما فيها من الطعام إلي أن تجفّ رواحلنا كنا قد أكلنا من طعام هذه المدينة. فدفع إليه دراهم كثيرة و دخل الخادم المدينة.

و أمر ميزاب هذه الجارية أن تخرج من قبّتها إلي مضرب قد نصب لها في الشمس و قال لها: لو خرجت إلي هذا المضرب و نظرت إلي هذه الأشجار و هذه المدينة التي قد أشرفنا عليها. فخرجت الجارية فإذا في الأرض و حل فكشفت عن ساقيها و سقط خمارها، فنظر الخائن إليها و إلي حسنها و جمالها فراودها عن نفسها فأجابته، فبسطني في الأرض و أفرش عليّ الجارية و فجر بها، و خانك، يا ابن رسول اللّه، هذا ما كان من قصته و قصتها، و أنا أسألك بالذي جمع لك خير الدنيا و الآخرة إلّا سألت اللّه تعالي ألّا يعذبني بالنار لفجورهما علي تنجيسهما إيّاي.

قال موسي عليه السلام: فبكي الصادق عليه السلام و بكيت و بكي من في المجالس و اصفرّت ألوانهم.

قال: ففزع: ميزاب و أخذته رعدة شديدة و خوف، فخرّ ساجدا للّه و قال: قد علمت أن جدّك كان بالمؤمنين رءوفا رحيما فارحمني رحمك اللّه، و ليكن لك أسوة بأخلاق جدّك فلم يعلم الملك بما كان حالي و قصّتي، و قد أخطأت.

فقال عليه السلام: «لا رحمتك أبدا و لا تعطفت عليك إلّا أن تقرّ بما جنيت» قال: فأقر الهنديّ بما أخبرت به الفروة.

قال: فلمّا لبسها و صارت في عنقه انضمت في حلقه و خنقته حتّي اسودّ وجهه، فقال الصادق عليها السلام: «أيّها الفرو، خل عنه» فقالت الفرو: أسألك بالذي (جعلك إماما) إلّا أذنت لي أن أقتله.

فقال: «خل عن النجس حتّي يرجع إلي صاحبه فيكون أولي به منا».

و في الحديث طول اقتصرنا منه علي موضع الحاجة، فمن أراد الجميع طلبه في موضعه فإنّه مشهور.

في بيان ظهور آياته فيما أخبر به من حديث النفس و فيه: ثمانية أحاديث

۳۲۶) عن حمران بن أعين، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام و أبو هارون المكفوف جالس بحذائه، إذ اختصم إليه رجلان، فنظر أبو عبد اللّه عليه السلام إلي أبي هارون و قال: «كذبت، إنّ كلامهما بين يدي ربّ العزة» قال: فمن أين علمت جعلت فداك؟! قال: «من الجاري الذي يجري منك مجري الدم و اللحم».

۳۲۷) معمّر الزيّات، قال: كنت أطوف بالبيت و أبو عبد اللّه عليه السلام في الطواف، فنظرت إليه و قلت في نفسي: هل طاعته مفروضة علي الناس، و اللّه ما هو بأطول الناس، و لا بأجمل الناس فما لبث أن مرّ بي و وضع يده بين كتفي ثمّ قال: «أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ فجازني ثمّ أتاني أصحابنا فقالوا:

ما الذي قال لك؟ قلت: نعم، كذا و كذا، و ما هو إلّا كما قلت في نفسي.

۳۲۸) عن هشام بن الأحمر، قال: دخلت علي أبي عبد اللّه عليه السلام و هو في ضيعته في يوم شديد الحر و العرق يسيل علي وجهه، و أنا أريد أن أسأله عن المفضّل بن عمر الجعفيّ فابتدأني، و قال: «نعم، الرجل و اللّه المفضل بن عمر الجعفي» حتّي أحصيت بضعا و ثلاثين مرة.

۳۲۹) عن خالد بن نجيح، قال: دخلت علي أبي عبد اللّه عليه السلام و عنده خلق، فقنعت رأسي و جلست في ناحية و قلت في نفسي: ويحكم ما أغفلكم، عند من تتكلمون؟ عند ربّ العالمين.

قال: فناداني: «ويحك يا خالد، أنا و اللّه عبد مخلوق ولي ربّ أعبده، و إن لم أعبده عذّبني و اللّه بالنار» فقلت: لا و اللّه لا أقول فيك أبدا إلّا قولك في نفسك.

۳۳۰) عن إسماعيل بن عبد العزيز، قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام: «ضع لي في المتوضأ ماء» فقمت فوضعت الماء، فدخل، فقلت في نفسي: أنا أقول فيه كذا و كذا و يدخل المتوضأ و يتوضأ؟! فلم يلبث أن خرج و قال: «يا إسماعيل بن عبد العزيز، لا ترفعوا البناء فوق طاقته، فينهدم، اجعلونا عبيدا مخلوقين و قولوا فينا ما شئتم».

قال إسماعيل: و كنت أقول فيه ما أقول فيه.

۳۳۱) عن شهاب بن عبد ربّه، قال: أتيت أبا عبد اللّه أسأله عن مسألة، فقال: «إن شئت فاسأل، و إن شئت أخبرتك فيما جئت له» فقلت له: أخبرني.

قال لي: «جئت لتسألني عن الجنب يغرف الماء من الحب بالكوز فتصيب يده الماء» فقلت: نعم. فقال: «ليس به بأس».

۳۳۲) عن عمر بن يزيد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام و هو مضطجع، و وجهه إلي الحائط، فقال لي: «يا عمر، اغمز رجلي» فقعدت أغمز رجله، فقلت في نفسي: اسأله عن عبد اللّه و موسي أيّهما الإمام؟ قال: فحوّل وجهه إليّ و قال: «إذن و اللّه لا أجيبك».

۳۳۳) عن زياد بن أبي الحلال، قال: اختلف الناس في جابر بن يزيد الجعفيّ و أحاديثه و أعاجيبه، فدخلت علي أبي عبد اللّه و أنا أريد أن أسأله فابتدأني من غير أن أسأله.

قال لي «رحم اللّه جابر بن يزيد الجعفي، فإنّه كان يصدّق علينا، و لعن اللّه المغيرة بن سعيد فإنّه كان يكذب علينا».

في بيان آياته من الاخبار بالغائبات و فيه: سبعة عشر حديثا

۳۳۴) عن بكير بن أعين قال: حبس عبد اللّه بن عباس بالكوفة، فحمّلني رسالة إلي أبي عبد اللّه عليه السلام يسأله الدعاء بتخليته، فلمّا أن كان في يوم عرفة علي الموقف قلت له: اذكر أمر مولاك عبد اللّه بن عباس، فرفع يده و حرّك شفتيه، ثمّ قال: «أطلق عنه».

قال بكير: فرجعت إلي الكوفة فسألت عن اليوم الذي خلّي عن عبد اللّه بن عباس، فوجدت تخليته في الوقت الذي دعا له أبو عبد اللّه عليه السلام بالتخلية.

۳۳۵) عن داود بن كثير، قال: دخلت علي أبي عبد اللّه عليه السلام فقلت: يا ابن رسول اللّه، أسألك عن شي‌ء يختلج في صدري.

فقال: «يا داود، كأنّي بك قد كتفت بخدعة، فتدخل في صندوق، و لا يطلق عنك إلّا بألف درهم».

قال داود: فأضلّني الشّيطان عمّا أردت سؤاله، فخرجت متفكّرا متحيّرا ممّا قال، فمررت ببعض سكك الكوفة فإذا جارية مليحة، فتعلقت بي و قالت: يا صاحب الحق، هل لك في الإلمام بنا فتفيدنا ببعض ما خصصت به دوننا؟ فقلت: ما أكره ذلك. فقالت لي: ادخل فدخلت. فإذا أنا بزوجها قد أقبل إليها، فقالت لي: ادخل الصندوق، فإنّي لا آمنه عليك إن رأي اجتماعنا. فدخلت الصندوق، فأقفلت علي، ثمّ قالت: قد وقعت موقع سوء، فإن افتديت نفسك بألف درهم و إلّا غمزت بك إلي السلطان. فأعطيتها ألف درهم و خلّت عنّي، فرجعت إلي أبي عبد اللّه عليه السلام، فلمّا بصر بي قال: «نجوت الآن فاحمد اللّه تعالي».

۳۳۶) عن يزيد بن خلف، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام و [قد] ذكر عنده زيد، و هو يومئذ يتردد في المدينة، يقول:

«كأنّي به قد خرج إلي العراق و يمكث يومين و يقتل في اليوم الثالث، ثمّ يدار برأسه في البلدان، و يؤتي به، و ينصب هاهنا علي قصبة» و أشار بيده.

قال: فسمعت أذني من أبي عبد اللّه عليه السلام، و رأت عيني أن أتي برأسه حتّي أقيم علي قصبة في الموضع الذي أشار إليه عليه السلام.

۳۳۷) و روي أنّ محمد بن عبد اللّه بن الحسن خاصم أبا عبد اللّه عليه السلام فقال: أنا و اللّه أسخي يدا منك، و أعلم و أشجع.

فقال عليه السلام: «أمّا قولك: أنا أسخي يدا منك، فو اللّه ما أمسيت قط و للّه عليّ حق في مالي، و لا أصبحت و للّه في مالي حق، و أمّا قولك: أنا أعلم منك، فإنّ أبي و أباك أمير المؤمنين عليه السلام أعتق ألف نسمة من كد يده، فسمّهم لي و إلّا أسميتهم لك بأسمائهم و أسماء آبائهم إلي آدم؛ و أمّا قولك: أنا أشجع منك فكأنّي أنظر إليك تقتل بالمدينة، و يقطع رأسك، و توضع علي جحر الزنابير فيسيل منه الدم إلي موضع كذا».

قال: فقام محمّد واكما واجما، و حكي ما جري بينهما أباه، فقال له أبوه: ما علمت يا بني أنّك صاحب جحر الزنابير إلي الآن.

۳۳۸) في حديث آخر عن صفوان بن يحيي قال: حكي محمّد بن جعفر بن محمّد بن الأشعث قال: أ تدري ما سبب دخولنا في هذا الأمر و معرفتنا به، و ما كان عندنا منه ذكر، و لا معرفة بشي‌ء ممّا عند الناس؟ قال: قلت: و ما ذاك؟

قال: إنّ أبا جعفر الدوانيقي قال لمحمد بن الأشعث: يا محمّد، ادع لي رجلا له عقل جيّد يؤدي عنّي. فقال: إنّي أصبت لك، هذا خالي فلان بن مهاجر. قال: فأتني به. قال: فأتيته، فقال له أبو جعفر:

يا ابن مهاجر خذ هذا المال و ائت المدينة، و ائت عبد اللّه بن الحسن بن الحسن و عدّة من أهل بيته، منهم جعفر بن محمّد، و قل لهم: إنّي رجل غريب من أهل خراسان، و بها شيعة من شيعتكم، وجّهوا إليكم بهذا المال. فادفع إلي كلّ واحد منهم علي شرط كذا و كذا، فإذا قبضوا المال فقل: إنّي رسول، أحب أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم.

فأخذ المال و أتي إلي المدينة- علي ساكنها أفضل الصلاة و السلام- و رجع إلي أبي جعفر الدوانيقي، فقال أبو جعفر ما وراءك؟

قال: أتيت القوم، و هذه خطوطهم بقبضهم، ما خلا أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد، فإنّي أتيته و هو في مسجد الرسول صلي الله عليه و آله يصلّي، و جلست خلفه، فقلت: ينصرف و أذكر ما ذكرت لأصحابه فعجل و انصرف، ثمّ التفت إليّ و قال: «يا هذا، اتق اللّه و لا تغر أهل بيت محمّد صلي الله عليه و آله فإنّهم قريبو العهد بدولة بني مروان، فكلهم محتاج».

قال: فقلت: و ما ذاك أصلحك اللّه؟ قال: «فادن رأسك منّي» فدنوت، فأخبرني بجميع ما جري بيني و بينك، حتّي كأنّه كان ثالثنا، قال: فقال له: يا ابن مهاجر، اعلم أنّه ليس من أهل بيت النبوة إلّا و فيهم محدّث، و إنّ جعفر بن محمّد محدّثنا اليوم.

فكانت هذه المقالة سبب مقالتنا بهذا الأمر.

۳۳۹) عن موسي بن عبد اللّه بن الحسن، قال: إنّ أبي لمّا أخذ في أمر محمّد بن عبد اللّه: «دعا إلي أمره أبا عبد اللّه عليه السلام، فدفعه عن ذلك و نصح له، فلم يرض منه بذلك- في كلام طويل- حتي قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «إنّك لتعلم أنّه الأحول الأكشف الأخضر، المقتول بسدّة أشجع عند بطن مسيلها» فقال: أبي ليس هو كذلك، و ليقومن بثأر أبي طالب.

فقال له: أبو عبد اللّه عليه السلام: «يغفر اللّه لك ما أخوفني أن يكون هذا البيت يلحق بصاحبنا: منتك نفسك في الخلافة ضلالا و اللّه لا يملك أكثر من حيطان المدينة و لا [من] الأمر بد، و إني لأراه أشأم سخلة أخرجتها أصلاب الرجال إلي أرحام النساء، و اللّه إنه لمقتول بسدّة أشجع بين دورها، و اللّه لكأنّي به صريعا مسلوبا ثوبه، بين رجليه لبنة، و لا ينفع هذا الغلام ما يسمع منّي».

قال موسي: يعنيني.

«فتخرجن معه فيهزم، ثمّ يقتل صاحبه،! ثمّ يمضي فخرج معه راية أخري، فيقتل كبشها و يسرق حليتها، فإن أطاعني فليطلب عند ذلك الأمان من بني العباس».

فقام أبي مغضبا يجرّ ثوبه، فلحقه أبو عبد اللّه عليه السلام فقال له: «أخبرك أنّي سمعت عمّك- و هو خالك- يذكر أنّك و بني أبيك ستقتلون فيه، و لوددت أنّي فديتك بولدي و بأحبّهم إلي». فما قبل أبي، و خرج مغضبا أسفا، فما أقمنا بعد ذلك إلّا عشرين ليلة حتّي قدمت رسل أبي جعفر، فأخذوا أبي و عمومتي و صفّدوا في الحديد، ثمّ حملوا في محامل عراة لا وطاء عليها، فقتل أكثرهم، ثمّ أتي محمّد بن عبد اللّه بن الحسن فأخبر أنّ أباه و عمومته قتلوا، فظهر و دعا الناس إلي نفسه، و كنت ثالث ثلاثة بايعوا، و استوثق الناس بيعته، و أتي بأبي عبد اللّه عليه السلام حتّي وقف بين يديه، فقال له عيسي بن زيد: أسلم تسلم. و طالت المحاورة بينهم، حتّي قال له: و الذي أكرم محمّدا صلي الله عليه و آله بالنبوة لأسجننك.

فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «أراني سأقول و أصدّق» فقال عيسي بن زيد: لو تكلمات لكسرت فكك.

فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «أما و اللّه لو يبرق بالسيف لكأنّي بك تطلب لنفسك جحرا تدخل فيه، و ما أنت من المذكورين عند اللقاء، و إنّي أظنك إذا صفّق خلفك طرت مثل الهيق النافر» فقال محمد بانتهار: احبسه و شدّد عليه و اغلظ عليه.

فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام: «أما و اللّه، لكأنّي بك خارجا من سدّة أشجع إلي بطن الوادي و قد حمل عليك فارس معلّم في يده طراد نصفها أبيض و نصفها أسود، علي فرس كميت أقرح، فيطعنك و لا يصنع فيك شيئا، و ضربت خيشوم فرسه فطرحته، و حمل آخر خارجا من زقاق أبي عمّار عليه غديرتان مضفورتان قد خرجتا من تحت بيضته، كثير شعر الشاربين، فهو و اللّه صاحبك، فلا رحم اللّه رمته» في كلام طويل.

فخرج عيسي بن موسي إلي المدينة و تحاربا، فمضي محمّد يوم القتال إلي أشجع فخرج إليه الفارس الذي قال أبو عبد اللّه عليه السلام من خلفه من سكّة هذيل، فطعنه فلم يصنع شيئا، فضرب خيشوم فرسه بالسيف، و خرج عليه حميد بن قحطبة من زقاق العماريين فطعنه طعنة نفذ السنان فيه، و انكسر الرمح، فصرعه، ثمّ نزل إليه فضربه حتّي أثخنه و قتله، و أخذ برأسه.

۳۴۰) عن الأزدي، قال: خرجنا نريد منزل أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السلام فلحقنا أبو بصير، فدخلنا علي أبي عبد اللّه عليه السلام، فرفع رأسه إلي أبي بصير و قال: «يا أبا محمّد، أ لا تعلم أنّه لا ينبغي للجنب أن يدخل بيوت الأنبياء؟!». فرجع أبو بصير و دخلنا.

۳۴۱) أخبرنا مهزّم قال: خرجت ممسيا من عند أبي عبد اللّه عليه السلام، فأتيت منزلي بالمدينة، فكانت أمّي عندي، فوقع بيني و بينها كلام، فأغلظت عليها بالكلام، فلمّا أن كان من الغد صلّيت الغداة، و أتيت منزل أبي عبد اللّه عليه السلام فدخلت عليه، فقال لي مبتدئا: «مالك و لوالدتك أغلظت في كلامها البارحة؟! أ ما علمت: أنّ بطنها كان منزلا قد سكنته، و أنّ حجرها مهد قد عمرته، و أنّ ثديها سقاء قد شربته؟!» قلت: بلي قال: «فلا تغلظ لها».

۳۴۲) عن الحارث بن حصيرة الأزدي، قال: مرّ رجل من أهل الكوفة إلي خراسان فدعا الناس إلي ولاية جعفر بن محمّد عليهما السلام، ففرقة أجابت و أطاعت، و فرقة أنكرت و جحدت، و فرقة وقفت و تورعت.

قال: فخرج من كلّ فرقة رجل فدخلوا علي أبي عبد اللّه عليه السلام، و كان المتكلم منهم الذي ذكرت أنّه تورع و وقف، و كان مع بعض القوم جارية، فخلا بها الرجل، فوقع عليها، فلمّا دخلوا علي أبي عبد اللّه عليه السلام قال: إنّه قدم علينا رجل من أهل الكوفة، فدعا الناس إلي ولايتك و طاعتك، فأجاب قوم، و أنكر قوم، و تورع منهم قوم، و توقفوا، فقال: «و من أي الثلاثة أنت؟» قال: أنا من الفرقة التي توقفت و تورعت. فقال: «و أين كان تورعك يوم كذا و كذا مع الجارية؟!» قال: فارتاب الرجل و سكت.

۳۴۳) عن عمّار السجستاني، قال: كان عبد اللّه بن النجاشي منقطعا إلي الحسن بن الحسن، و يقول بمقالة الزيدية، فقضي أن خرجت أنا إلي أبي عبد اللّه عليه السلام فلقيني بعد ذلك، فقال لي: استأذن لي علي صاحبك. فقلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: إنّه سألني الإذن عليك، فقال: «ائذن له» ما دعاك إلي ما صنعت يوم كذا؟! فدخل عليه، فقال عليه السلام: «أتذكر يوم مررت علي باب دار فسال ميزاب الدار، فقلت: إنّه قذر؛ فطرحت نفسك في النهر بثيابك و عليك منشفة، فاجتمع عليك الصبيان يضحكون منك، و يصيحون عليك؟».

قال عمّار: فالتفت إليّ و قال: ما دعاك إلي أن تخبر به أبا عبد اللّه؟ فقلت: لا و اللّه، ما أخبرته، و ها هو ذا قدّامي يسمع كلامي.

قال: فلمّا خرجت قال لي: يا عمّار هذا صاحبي دون غيره.

۳۴۴) عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «يا أبا محمّد، ما فعل أبو حمزة؟».

فقلت: خلّفته طائحا. فقال: «إذا رجعت إليه فاقرأه منّي السلام، و اعلمه أنّه يموت يوم كذا و كذا».

فقلت له: جعلت فداك، أ ليس من شيعتكم؟ قال: نعم، إنّ الرجل من شيعتنا إذا خاف اللّه فراقبه و توقّي الذنوب، فإذا فعل ذلك كان معنا في درجاتنا».

قال أبو بصير: فرجعت، فما لبث أبو حمزة أن مات في تلك الساعة، في ذلك اليوم.

۳۴۵) حنان بن سدير، قال: رأيت في المنام كأنّي دخلت علي رسول اللّه صلي الله عليه و آله و بين يديه طبق، عليه منديل، قد غطّي به، فكشف المنديل عن الطبق، فإذا فيه رطب، فجعل يأكل منه، فقلت:

أطعمني يا رسول اللّه. فناولني رطبة فأكلتها، حتّي ناولني ثمانية، فقلت: زدني يا رسول اللّه. فقال: حسبك.

فلمّا كان من الغد دخلت علي مولاي الصادق عليه السلام، و بين يديه طبق قد غطّي بمنديل كأنّه الذي رأيته في المنام، فكشف المنديل عنه، فإذا فيه رطب، فجعل يأكل منه، فقلت: يا ابن رسول اللّه، أطعمني فناولني رطبة، فأكلتها، حتّي ناولني ثماني، فقلت: زدني يا ابن رسول اللّه. فقال: «لو زادك جدّي لزدتك، و لكن حسبك».

۳۴۶) عن شعيب العقرقوفي قال: بعث معي رجل بألف درهم، و قال: إنّي أحبّ أن أعرف فضل أبي عبد اللّه عليه السلام علي أهل بيته.

قال: فخذ خمسة دراهم ستوقة، فاجعلها في الدراهم، و خذ من الدراهم خمسة فصيّرها في لبنة قميصك، فإنّك ستعرف ذلك.

قال: فأتيت بها أبا عبد اللّه عليه السلام، فنشرتها بين يديه، فأخذ الخمسة، و قال: «هاك خمستك، و هات خمستنا».

۳۴۷) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال حدّثني رجل من أهل جسر بابل قال: كان في القرية رجل يؤذيني، و يقول: يا رافضي. و يشتمني، و كان يلقب بقرد القرية، فحججت سنة من ذلك، فقال لي أبو عبد اللّه عليه السلام ابتداء: «قوما [قد] مات».

فقلت: جعلت فداك، متي؟! قال: «الساعة» فكتبت اليوم و الساعة.

فلمّا قدمت الكوفة تلقّاني أخي، فسألته عمن مات، و عمّن بقي، فقال: قوما قد مات فقلت- هو بالنبطية: قرد القرية- متي مات؟

فقال: يوم كذا، و وقت كذا. و كان في الوقت الذي أخبرني به أبو عبد اللّه عليه السلام.

۳۴۸) عن إبراهيم ابن أبي البلاد، قال: كنّا نزولا بالمدينة، و كانت جارية لصاحب المنزل تعجبني، و إنّي أتيت الباب فاستفتحت، ففتحت الجارية، فغمزت ثديها، فلمّا أن كان من الغد دخلت علي أبي عبد اللّه عليه السلام فقال لي: «يا إبراهيم، أين أقصي أثرك اليوم؟» فقلت: ما برحت من المسجد. فقال: «أ ما تعلم أنّ أمرنا هذا لا ينال إلا بالورع؟!».

۳۴۹) عن عمر بن يزيد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام، و هو وجع، فولّاني ظهره و وجهه إلي الحائط، فقلت في نفسي: ما ندري ما يصيبه في مرضه، فلو سألته عن الإمام بعده؛ و أنا أفكر إذ حوّل وجهه و قال: «إنّ الأمر ليس كما تظن، ليس عليّ من وجعي هذا بأس بحمد اللّه».

۳۵۰) عن أبي كهمش، قال: كنت بالمدينة نازلا في دار فيها وصيفة كانت تعجبني، فانصرفت ليلا ممسيا، فاستفتحت الباب، ففتحت لي، فمددت يدي، فقبضت علي ثديها، فلمّا كان من الغد دخلت علي أبي عبد اللّه عليه السلام فقال: «يا أبا كهمش، تب إلي اللّه ممّا صنعت البارحة».

في بيان آياته و معجزاته في معان شتّي و فيه: اثنا عشر حديثا

۳۵۱) أخبرنا سعد الاسكاف، عن سعد بن طريف قال:

كنا عند أبي عبد اللّه عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أهل الجبل بهدايا و ألطاف، و كان فيما أهدي إليه جراب فيه قديد و خبز، فنشره أبو عبد اللّه عليه السلام قدّامه، ثمّ قال: «خذ هذا القديد و اطعمه الكلب» فقال الرجل: و لم.

فقال: «إنّ هذا القديد ليس مذكّي» فقال الرجل لقد اشتريته من رجل مسلم و ذكر أنّه ذكي.

قال: فردّه أبو عبد اللّه عليه السلام في الجراب كما كان، ثمّ قال للرجل: «قم و ادخل البيت، وضعه في زاوية» ففعل الرجل، و قد تكلم أبو عبد اللّه عليه السلام بكلام لا أعرفه، و لا أدري ما هو، فسمع الرجل القديد و هو يقول: «يا عبد اللّه، ليس مثلي يأكله أولاد الأنبياء، إنّي لست بذكي» فحمل الرجل الجراب و خرج إلي أبي عبد اللّه عليه السلام، و أخبره بما سمع منه، فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام: «أ ما علمت يا هارون أنّا نعلم ما لا يعلمه الناس؟!» قال: بلي، جعلت فداك. و خرج الرجل، و خرجت أتبعه حتّي لقينا كلب، فألقاه إليه فأكله حتّي لم يبق منه شي‌ء.

۳۵۲) عن الحسن بن علي بن فضّال، قال: قال موسي بن عطية النيسابوري: اجتمع وفد خراسان من أقطارها، كبارها و علماؤها، و قصدوا داري، و اجتمع علماء الشيعة و اختاروا أبا لبابة و طهمان و جماعة شتي، و قالوا بأجمعهم: رضينا بكم أن تردوا المدينة، فتسألوا عن المستخلف فيها، لنقلّده أمرنا، فقد ذكر أنّ باقر العلم قد مضي، و لا ندري من نصبه اللّه بعده من آل الرسول من ولد علي و فاطمة عليهما السلام. و دفعوا إلينا مائة ألف درهم ذهبا و فضّة [و قالوا]: لتأتونا بالخبر و تعرّفونا الإمام، فتطالبوه بسيف ذي الفقار و القضيب و الخاتم و البردة و اللوح الذي فيه تثبت الأئمة من ولد علي و فاطمة، فإنّ ذلك لا يكون إلّا عند الإمام، فمن وجدتم ذلك عنده فسلّموا إليه المال.

فحملناه و تجهّزناه إلي المدينة و حللنا بمسجد الرسول صلي الله عليه و آله، فصلّينا ركعتين، و سألنا: من القائم بأمور الناس، و المستخلف فيها؟

فقالوا لنا: زيد بن علي، و ابن أخيه جعفر بن محمّد، فقصدنا زيدا في مسجده، و سلّمنا عليه، فردّ علينا السلام و قال: من أين أقبلتم؟ قلنا: أقبلنا من أرض خراسان لنعرف إمامنا، و من نقلده أمورنا. فقال:

قوموا. و مشي بين أيدينا حتّي دخل داره، فأخرج إلينا طعاما، فأكلنا، ثمّ قال: ما تريدون؟

فقلنا له: نريد أن ترينا ذا الفقار و القضيب و الخاتم و البرد و اللوح الذي فيه تثبت الأئمة عليهم السلام، فإنّ ذلك لا يكون إلّا عند الإمام.

قال: فدعا بجارية له، فأخرجت إليه سفطا، فاستخرج منه سيفا في أديم أحمر، عليه سجف أخضر، فقال: هذا ذو الفقار. و أخرج إلينا قضيبا، و دعا بدرع من فضّة، و استخرج منه خاتما و بردا، و لم يخرج اللوح الذي فيه تثبيت الأئمة عليهم السلام، فقال أبو لبابة من عنده: قوموا بنا حتّي نرجع إلي مولانا غدا فنستوفي ما نحتاج إليه، و نوفّيه ما عندنا و معنا.

فمضينا نريد جعفر بن محمّد عليهما السلام، فقيل لنا: إنّه مضي إلي حائط له، فما لبثنا إلّا ساعة حتّي أقبل و قال: «يا موسي بن عطية النيسابوري و يا أبا لبابة، و يا طهمان، و يا أيّها الوافدون من أرض خراسان، إليّ فأقبلوا».

ثمّ قال: «يا موسي، ما أسوأ ظنّك بربّك و بإمامك، لم جعلت في الفضّة التي معك فضة غيرها، و في الذهب ذهبا غيره؟ أردت أن تمتحن إمامك، و تعلم ما عنده في ذلك، و جملة المال مائة ألف درهم».

ثمّ قال: «يا موسي بن عطية، إنّ الأرض و من عليها للّه و لرسوله و للإمام من بعد رسوله، أتيت عمّي زيدا فأخرج إليكم من السفط ما رأيتم، و قمتم من عنده قاصدين إلي».

ثمّ قال: «يا موسي بن عطية، يا أيّها الوافدون من خراسان، أرسلكم أهل بلدكم لتعرفوا الإمام و تطالبوه بسيف اللّه ذي الفقار الذي فضّل به رسول اللّه صلي الله عليه و آله و نصر به أمير المؤمنين و أيّده، فأخرج إليكم زيد ما رأيتموه».

قال: «ثمّ أومي بيده إلي فص خاتم له، فقلعه، ثمّ قال:

«سبحان اللّه، الذي أودع الذخائر وليه و النائب عنه في خليقته، ليريهم قدرته، و يكون الحجّة عليهم حتي إذا عرضوا علي النار بعد المخالفة لأمره، فقال: أ ليس هذا بالحق؟ قالُوا بَلي وَ رَبِّنا. قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.

قال: ثمّ أخرج لنا من وسط الخاتم البردة و القضيب و اللوح الذي فيه تثبيت الأئمة عليهم السلام، ثمّ قال: «سبحان الذي سخّر للإمام كلّ شي‌ء و جعل له مقاليد السماوات و الأرض لينوب عن اللّه في خلقه و يقيم فيهم حدوده كما تقدم إليه ليثبت حجّة اللّه علي خلقه، فإن الإمام حجّة اللّه تعالي في خلقه». ثمّ قال: «ادخل الدار أنت و من معك بإخلاص و إيقان و إيمان».

قال: فدخلت أنا و من معي فقال: «يا موسي، تري النور الذي في زاوية البيت؟» فقلت: نعم. قال: «ائتني به» فأتيته و وضعته بين يديه و جئت بمروحة و نقر بها علي النور، و تكلّم بكلام خفي.

قال: فلم تزل الدنانير تخرج منه حتّي حالت بيني و بينه، ثمّ قال: «يا موسي بن عطية، اقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم لقد كفر الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ لم نرد مالكم لأنّا فقراء، و ما أردناه إلّا لنفرّقه علي أوليائنا من الفقراء، و ننتزع حق اللّه من الأغنياء، فإنّها عقدة فرضها اللّه عليكم، قال اللّه عز و جل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

و قال عز و جل: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.

قال: ثمّ رمق الدنانير بعينه فتبادرت إلي كو كان في المجالس.

ثمّ قال: «أحسنوا إلي إخوانكم المؤمنين، وصلوهم و لا تقطعوهم، فإنّكم إن وصلتموهم كنتم منّا و معنا و لنا لا علينا، و إن قطعتموهم انقطعت العصمة بيننا و بينكم لا موصلين و لا مفصلين» فردّ المال إلي أصحابه و أخذ الفضّة التي وضعت في الفضة، و الذهب الذي وضع في الذهب، و أمرهم أن يصلوا بذلك «أولياءنا و شيعتنا الفقراء، فإنّه الواصل إلينا و نحن المكافئون عليه».

قال: ثمّ قال: «يا موسي بن عطية، أراك أصلع، أدن منّي» فدنوت منه، فأمرّ يده علي رأسي، فرجع الشعر قططا، فقال: «يكون معك ذا حجّة».

فقال: «أدن منّي يا أبا لبابة» و كان في عينه كوكب، فتفل في عينه، فسقط ذلك الكوكب، و قال: «هاتان حجتان إذا سألكما سائل فقولا: إمامنا فعل ذلك بنا» و ودّعنا و ودّعناه، و هو إمامنا إلي يوم البعث، و رجعنا إلي بلدنا بالذهب و الفضّة.

۳۵۳) عن داود الرقي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام جالسا إذ دخل ابنه موسي عليه السلام و هو ينتفض، فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام: «جعلت فداك، كيف أصبحت؟» قال:

«أصبحت في كنف اللّه، متقلبا في نعم اللّه، أشتهي عنقود عنب جرشي، و رمّانة خضراء»، فقلت: يا سبحان اللّه في الشتاء!! فقال: «يا داود، [إن] اللّه قادر علي كلّ شي‌ء، أدخل البستان فأخرج إليه عنقود عنب جرشي و رمّانة خضراء».

قال داود: فلمّا أن دخلت البستان نظرت إلي شجرتين خضراوتين، فإذا رمّانة خضراء و عنقود عنب جرشي فاجتنيتهما و قلت:

آمنت باللّه و بسرّكم و علانيتكم، فأخرجته إلي موسي عليه السلام فقال: «يا داود، ادفعه إليه فإنّه و اللّه لأفضل من رزق مريم، و قد اختص به موسي من الأفق الأعلي».

۳۵۴) عن داود الرقيّ قال: خرجت مع أبي عبد اللّه عليه السلام حاجّا إلي مكّة، و نحن نتساير ذات يوم في أرض سبخة إذ دخل علينا وقت الصلاة فقال: «هلم بنا إلي هذا الجانب لنتطهّر و نصلّي»

فقلت: إنّها أرض سبخة لا ماء فيها! فقال: «اطع إمامك» فملت، و سرنا ما شاء اللّه، فإذا نحن بعين فوّارة، و ماء بارد عذب، و أشجار خضر، فنزلنا و تطهّرنا و صلّينا و شربنا و أروينا رواحلنا و ملأنا سقاءنا، و قمنا و مضينا.

فلمّا سرنا غير بعيد قال لي: «يا داود، هل تعرف الموضع الذي كنّا فيه؟» قلت: نعم، يا ابن رسول اللّه.

قال: «فاذهب و جئني بسيفي فقد علّقته علي الشجرة فوق العين و نسيته» فمضيت إليه فوجدت السيف معلقا علي الشجرة، و ما رأيت أثرا من العين، و لا من الأشجار الخضر، و إنّما هي أرض سبخة لا عهد للماء فيها.

۳۵۵) عن داود بن ظبيان، قال: كنّا عند أبي عبد اللّه عليه السلام أنا و المفضّل بن أبي المفضل و يونس بن ظبيان، فقال أحدهما لأبي عبد اللّه عليه السلام: أرني آية من الأرض. و قال الآخر: أرني آية من السماء. فقال: «يا أرض، انفرجي» فانفرجت مدّ البصر، فنظرت إلي خلق كثير في أسفل الأرض.

ثم قال: «يا سماء، انشقي» فانشقت.

قال: فلو شئت أن أجتذب السماء بيدي هاتين لفعلت، فقال:

«استشفّ و انظر» ثمّ تلا هذه الآية: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.

۳۵۶) عن الحسن بن عطية، قال: كان أبو عبد اللّه عليه السلام واقفا علي الصفا، فقال له عبّاد البصري: حديث يروي عنك.

قال: «و ما هو؟» قال: قلت: «إنّ حرمة المؤمن أعظم من حرمة هذه البنية».

قال: قلت ذلك، إنّ المؤمن لو قال لهذه الجبال: أقبلي، أقبلت».

قال: فنظرت إلي الجبال قد أقبلت، فقال لها: «علي رسلك، إنّي لم أردك».

۳۵۷) عن علي بن المبشر قال: لمّا قدم أبو عبد اللّه عليه السلام علي أبي جعفر أقام أبو جعفر مولي له علي رأسه و قال له: إذا دخل عليّ فاضرب عنقه. فلمّا دخل أبو عبد اللّه عليه السلام و نظر إلي أبي جعفر أسرّ شيئا فيما بينه و بين نفسه، لم ندر ما هو، ثمّ أظهر: «يا من يكفي خلقه كلّه و لا يكفيه أحد، اكفني» فصار أبو جعفر لا يبصر مولاه و لا مولاه يبصره، فقال أبو جعفر: يا جعفر بن محمّد، لقد عنّيتك في هذا الحرّ، فانصرف. و خرج أبو عبد اللّه عليه السلام من عنده، فقال لمولاه: ما منعك أن تفعل ما أمرتك به؟! فقال: لا و اللّه، ما أبصرته، و لقد جاء شي‌ء فحال بيني و بينه. فقال له أبو جعفر: و اللّه لئن حدّثت بهذا الحديث أحدا لأقتلك.

۳۵۸) عن أبي الصامت، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: أعطني شيئا أزداد به يقينا، و أنفي به الشك عن قلبي. فقال لي: «هات ما معك» و كان في كمي مفتاح، فناولته، فإذا المفتاح أسد، ففزعت منه، ثمّ قال: «نح وجهك عنّي» ففعلت، فعاد مفتاحا.

۳۵۹) عن داود الرقي، قال: دخل كثير النواء علي أبي عبد اللّه عليه السلام، و كان كبيرا، فسلّم، فأجابه و خرج، فلمّا خرج قال عليه السلام: «أما و اللّه، لئن كان أبو إسماعيل يقول ذلك لهو أعلم بذلك من غيره».

و كان معنا رجل من أهل خراسان من بلخ يكني بأبي عبد اللّه فتغيّر وجهه، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «لعلك ورعت ممّا سمعت». قال: قد كان ذلك.

قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «فهلا كان هذا الورع ليلة نهر بلخ» فقال: جعلت فداك، و ما كان بنهر بلخ؟! قال: «حيث دفع إليك فلان جاريته لتبيعها، فلمّا عبرت النهر افترعتها في أصل الشجرة».

فقال: لقد كان ذلك جعلت فداك، و لقد أتي لذلك أربعون سنة، و لقد تبت إلي اللّه من ذلك. قال رجل: لقد تاب اللّه عليك.

ثمّ إنّ أبا عبد اللّه عليه السلام أمر معتبا غلامه أن يسرج حماره فركب و خرجنا معه حتّي برزنا إلي الصحراء فاختال الحمار في مشيته- في حديث له طويل- فدنا منه أبو عبد اللّه فمضينا حتّي انتهينا إلي جب بعيد القعر، و ليس فيه ماء فقال البلخي: اسقنا من هذا الجب، فإنّ هذا جب بعيد القعر، و ليس فيه ماء. فدنا منه أبو عبد اللّه فقال: «أيّها الجب السامع المطيع لربه، اسقنا ممّا جعل اللّه فيك».

قال: فو اللّه لقد رأينا الماء يغلي غليانا حتّي ارتفع علي وجه الأرض، فشرب و شربنا.

فقال المفضّل و داود الرقي: جعلنا فداك، و ما هذا، إنّما هذا يشبه فيكم كشبه موسي بن عمران. فقال: «رحمكم اللّه».

ثمّ مضينا حتّي انتهينا إلي نخلة يابسة لا سعف لها، فقال البلخي: يا أبا عبد اللّه، أطعمنا من هذه النخلة. فدنا عليه السلام من النخلة فقال: «أيّتها النخلة اللينة، السامعة لربّها، المطيعة، أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك» قال المفضّل: فنثرت علينا رطبا كثيرا، و أكل و أكلنا معه.

و قال المفضّل و داود الرقي: جعلنا اللّه فداك، ما هذا إنما هو أشبه فيكم كشبه مريم. فقال لهم: «رحمكم اللّه».

ثمّ مضي و مضينا معه حتّي انتهينا إلي ظبي، فوقف الظبي قريبا منه، تنغم و تحرك ذنبه، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «أفعل إن شاء اللّه تعالي».

قال: ثمّ أقبل و قال: «هل علمتم ما قال الظبي؟!» فقلنا: اللّه و رسوله و ابن رسول اللّه صلي الله عليه و آله أعلم.

قال: «إنّه أتاني فأخبرني أنّ بعض أهل المدينة نصب لأنثاه الشرك فأخذها، و لها خشفان لم ينهضا و لم يقويا للرعي، فسألني أن أسألهم أن يخلو عنها، و ضمن أنّها إذا أرضعت خشفيها حتّي يقويا أن ترد عليهم، فاستحلفته، فقال: برئت من ولايتكم أهل البيت إن لم أوفّ، و أنا فاعل ذلك إن شاء اللّه».

فقال المفضّل و داود الرقي: يشبه فيكم ذلك كشبه سليمان بن داود. فقال لهم: «رحمكم اللّه».

و انصرف و انصرفنا معه، فلمّا انتهي إلي باب داره تلا هذه الآية: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلي ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ نحن و اللّه الناس الذين ذكرهم اللّه في هذا المكان، و نحن المحسودون».

ثمّ أقبل علينا فقال: «رحمكم اللّه اكتموا علينا و لا تذيعوا إلّا عند أهله، فإنّ المذيع علينا أشدّ مئونة من عدونا، انصرفوا رحمكم اللّه».

۳۶۰) عن سدير الصيرفي، قال: مرّ أبو عبد اللّه عليه السلام علي حمار له يريد المدينة، فمرّ بقطيع من الغنم، فتخلفت شاة من القطيع و اتبعت حماره، فتعبت الشاة، فحبس عليه السلام الحمار عليها حتّي دنت منه الشاة، فأومي برأسه نحوها، فقالت له: يا ابن رسول اللّه، أنصفني من راعيي هذا. قال: «ويحك، ما بالك تريدين الإنصاف من راعيك؟!» قالت: يا ابن رسول اللّه، يفجر بي. فوقف عليها حتّي دنا منه الراعي، ثمّ قال له: «ويلك تفجر بها!!».

قال: فالتفت الراعي إليه يقول: أمن الشياطين أنت، أو من الجن، أو من الملائكة، أو من النبيّين، أو من المرسلين؟ فقال:

«ويلك، ما أنا بشيطان، و لا جنّي، و لا ملك مقرّب، و لا نبي مرسل، و لكني ابن رسول اللّه صلي الله عليه و آله و إن تبت استغفرت لك، و إن أبيت دعوت اللّه عليك بالسخط و اللعنة في ساعتك هذه». فقال: يا ابن رسول اللّه، إنّي تائب عمّا كنت فيه، فاستغفر اللّه لي. فقال للشاة:

«أيّتها الشاة، ارجعي إلي قطيعك و مرعاك، فإنّه قد ضمن أن لا يعود إلي ما كان فيه إن شاء اللّه» فمرّت الشاة و هي تقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و أنّك حجّة اللّه علي خلقه، و لعن اللّه من ظلمكم و جحد ولايتكم.

۳۶۱) عن أبي سلمة السرّاج (و يونس بن ظبيان و حسين بن ثوير قالوا: كنا عند أبي عبد اللّه عليه السلام فقال لنا: «عندنا خزائن الأرض و مفاتيحها، و لو شاء أن أقول بإحدي رجلي: أخرجي ما فيك، لأخرجت».

و قال بإحدي رجليه، فإذا نحن بالأرض قد انفرجت، فنظرنا إلي سبائك من ذهب كثيرة، بعضها علي بعض، فقال لنا أبو عبد اللّه عليه السلام: «خذوها بأيديكم و انظروا» [قلنا]: قد أعطيتم ما أعطيتم و شيعتكم و عامّتكم فقراء؟!».

فقال: «سيجمع اللّه لهم الدنيا و الآخرة، و يدخلهم جنّات النعيم، و يدخل عدونا الجحيم».

۳۶۲) عن داود الرقي، قال: دخلت علي أبي عبد اللّه عليه السلام، فقلت له: جعلت فداك، كم عدد الطهارة؟ فقال: «ما أوجب اللّه تعالي فواحدة، و أضاف إليها رسول اللّه صلي الله عليه و آله واحدة، و من توضّأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له».

فبينا أنا معه في ذلك المكان إذ جاء داود بن زربي فأخذ زاوية [من البيت] فسأله عمّا سألت في عدد الطهارة، فقال له: «ثلاثا ثلاثا، من نقّص عنهن فلا صلاة له» فارتعدت فرائصي، و كاد أن يدخلني الشيطان- أعوذ باللّه منه- فأبصر أبو عبد اللّه عليه السلام إليّ و قد تغيّر لوني، فقال لي: «اسكن يا داود، هذا هو الكفر و ضرب الأعناق».

قال: فخرجنا من عنده، و كان ابن زربي إلي جوار بستان أبي جعفر المنصور، و كان ألقي إلي أبي جعفر أمر داود بن زربي، و أنّه رافضيّ يختلف إلي جعفر بن محمّد فقال أبو جعفر: إنّي أطّلع علي طهارته، فإن هو توضّأ وضوء جعفر بن محمّد فإني لأعرف طهارته، و حققت عليه القول فاقتله.

فاطّلع و داود يتهيّأ للصلاة من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثا ثلاثا كما أمره أبو عبد اللّه عليه السلام، فما أتمّ وضوءه حتّي بعث إليه أبو جعفر المنصور فدعاه.

قال داود: فلمّا دخلت عليه رحّب بي فقال: يا داود قيل فيك شي‌ء باطل، و ما أنت كذلك حتّي اطّلعت علي طهارتك، ليست طهارتك طهارة الرفضة. فجعلني في حلّ و أمر لي بمائة ألف درهم.

قال داود الرقّي: فالتقيت أنا و داود بن زربي عند أبي عبد اللّه عليه السلام فقال له داود بن زربي: جعلني اللّه فداك، حقنت دماءنا في دار الدنيا، و نرجو أن ندخل بحبّك الجنّة.

فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «فعل اللّه ذلك بك و بإخوانك من جميع المؤمنين».

قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «يا داود بن زربي، حدّث داود الرقيّ بما مرّ عليك، حتّي يسكن روعه».

فحدّثني بالأمر كلّه، ثمّ قال: «يا داود بن زربي، توضّأ مثني مثني، لا تزدن عليه، فإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك».

الباب العاشر في ذكر معجزات الامام موسي بن جعفر عليهما السلام

في ظهور آياته في إحياء الموتي و فيه: حديثان

۳۶۳) عن المغيرة بن عبد اللّه، قال: مر العبد الصالح عليه السلام بامرأة بمني، و هي تبكي، و صبيانها حولها يبكون، فدنا منها و قال عليه السلام لها: «ما يبكيك يا أمة اللّه؟» فقالت: يا عبد اللّه، إنّ لي صبيانا يتامي، و كانت لي بقرة كانت معيشتي و معيشة صبياني منها، و قد ماتت، و بقيت منقطعة بي و بولدي، و لا حيلة لنا.

فقال لها: «يا أمة اللّه، هل لك أن أحييها لك؟» فألهمت أن قالت: نعم يا عبد اللّه.

فتنحّي عليه السلام و صلّي ركعتين، ثمّ رفع يديه و قلب يمينه و حرّك شفتيه، ثمّ قام فمرّ بالبقرة فنخسها نخسا أو ضربها برجله، فاستوت البقرة علي الأرض قائمة، فلمّا نظرت المرأة إلي البقرة قد قامت فقالت: و صاحت عيسي بن مريم و ربّ الكعبة. فخالط موسي بن جعفر عليه السلام الناس و مضي.

۳۶۴) عن علي بن يقطين، قال: استدعي الرّشيد رجلا يبطل به أمر موسي بن جعفر عليهما السلام و يقطعه و يخجله في المجالس، فانتدب له رجل معزم فلمّا حضرت المائدة عمل ناموسا علي الخبز، فكان كلّما رام أبو الحسن عليه السلام تناول رغيفا من الخبز طار من بين يديه، و استفز هارون الفرح و الضحك لذلك، فلم يلبث أبو الحسن عليه السلام أن رفع رأسه إلي أسد مصوّر علي بعض الستور، فقال له: «يا أسد اللّه، خذ خذ عدوّ اللّه».

قال: فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع، فافترس ذلك المعزم، فخرّ هارون الرشيد و ندماؤه علي وجوههم مغشيا عليهم، و طارت عقولهم خوفا من هول ما رأوه، فلمّا أفاقوا، قال هارون لأبي الحسن عليه السلام: أسألك بحقّي عليك لمّا سألت الصورة أن تردّ الرجل. قال عليه السلام: «إن كانت عصا موسي ردّت ما ابتلعته من حبال القوم و عصيّهم، فإنّ هذه الصورة تردّ ما ابتلعته من هذا الرجل».

في بيان ظهور آياته و معجزاته من كلامه في المهد و فيه: حديث واحد

۳۶۵) عن يعقوب السرّاج، قال: دخلت علي أبي عبد اللّه عليه السلام، و هو واقف علي رأس أبي الحسن موسي عليه السلام و هو في المهد، فجعل يسارّه طويلا، فجلست حتّي فرغ فقمت إليه فقال لي: «أدن من مولاك فسلّم عليه». فدنوت و سلّمت عليه، فردّ عليّ بلسان فصيح، فقال: «اذهب فغير اسم ابنتك التي سمّيتها أمس، فإنّه اسم يبغضه اللّه عزّ و جل». و قد كانت ولدت لي بنت فسمّيتها باسم فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: «انته إلي أمره ترشد».

في بيان ظهور آياته من الإخبار عن آجال الناس و فيه: ستة أحاديث

۳۶۶) عن إسحاق بن عمّار، قال: كنت عند أبي الحسن الأول عليه السلام فدخل عليه رجل فقال له أبو الحسن عليه السلام:

«يا فلان، إنّك تموت إلي شهر، فأضمرت في نفسي كأنّه يعرف آجال الشيعة!» فقال: «يا إسحاق، ما تنكرون من ذلك؟ قد كان رشيد الهجري مستضعفا، و كان يعرف علم المنايا، فالإمام أولي بذلك منه».

ثمّ قال: «يا إسحاق، إنّك تموت إلي سنتين، و يفتقر أهلك و أهل بيتك، و تفلسون إفلاسا شديدا» و كان كما قال.

و في ذلك ثلاث آيات.

۳۶۷) عن خالد بن نجيح، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: «أفرغ فيما بينك و بين الناس في سنة أربع و سبعين و مائة حتّي يجيئك كتابي، فاخرج و انظر ما عندك و ابعث إلي، و لا تقبل من أحد شيئا». و خرج إلي المدينة، و بقي خالد بمكّة فبقي خالد بعد المدة خمسة عشر يوما ثمّ مات.

۳۶۸) و عنه، قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: إنّ أصحابنا قدموا من الكوفة فذكروا أنّ المفضل شديد الوجع، فادع اللّه له. فقال: «قد استراح» و كان هذا الكلام بعد موته بثلاثة أيّام.

۳۶۹) و عنه، قال: كنت بمكّة معه عليه السلام، فدخلت عليه، فقال: «من هاهنا من أصحابكم؟» فعددت عليه ثمانية أنفس، فأمر بخروج أربعة، و سكت عن أربعة، فما كان إلّا يومه من الغد حتّي مات أربعة، و خرج الأربعة فسلموا.

۳۷۰) عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: استقرض أبو الحسن عليه السلام من شهاب بن عبد ربه مالا، و كتب كتابا و وضعه علي يدي، و قال: إن حدث بي حدث فخرّقه.

قال عبد الرحمن: فخرجت إلي مكّة فلقيني أبو الحسن عليه السلام و أنا بمني، فقال لي: «يا عبد الرحمن، خرّق الكتاب» ففعلت، و قدمت الكوفة و سألت عن شهاب، فإذا هو قد مات في الوقت الذي أومأ إليّ في خرق الكتاب.

و في ذلك آيتان.

۳۷۱) عن الحسن بن علي الوشّاء، عن هشام، قال: أردت شراء جارية بمني، فكتبت إلي أبي الحسن عليه السلام أستشيره في ذلك، فأمسك و لم يخبر.

قال: فانني من الغد عند مولي الجارية إذ مرّ بي، و هي جالسة عند جوار تتحدّث مع جارية، فنظر إليها، ثمّ رجع إلي منزله و قال لي:

«لا بأس، إن لم يكن في عمرها قلّة» فأمسكت عن شرائها، فلم أخرج من مكّة حتّي ماتت.

في بيان ظهور آياته في إخباره عن حديث النفس و فيه: خمسة أحاديث

۳۷۲) عن خالد بن نجيح، قال: دخلت علي أبي الحسن الأول عليه السلام و هو في عرصة داره، و هو يومئذ بالرميلة، فلمّا نظرت إليه قلت في نفسي: بأبي و أمّي مظلوم مغصوب مضطهد، ثمّ دنوت فقبّلت ما بين عينيه، ثمّ جلست بين يديه، فالتفت إليّ و قال: «يا خالد، نحن أعلم بهذا الأمر، فلا تضمر هذا في نفسك» فقلت: و اللّه ما أردت بهذا شيئا.

فقال: «نحن أعلم بهذا الأمر من غيرنا، لو أردنا لزف إلينا، و إن لهؤلاء القوم مدة و غاية لا بدّ من الانتهاء إليها».

فقلت: لا أعود أضمر في نفسي شيئا بعد هذا. فقال: «لا تعد أبدا».

۳۷۳) عن هشام بن سالم، قال: لمّا قبض أبو عبد اللّه عليه السلام اختلف أصحابه من بعده، و مالوا إلي عبد اللّه بن جعفر، فتبين لهم منه أنّه ليس بصاحب الأمر بعد أبيه، فمالوا إلي محمّد بن جعفر فوجدوا فيه مثل ما وجدوا في عبد اللّه، فاغتمّوا لذلك غمّا شديدا، فدخلنا مسجد رسول اللّه صلي الله عليه و آله و صلّي كلّ واحد منّا ركعتين، ثمّ رفعنا أيدينا إلي السماء، باكية أعيننا، حيرة منّا في أمرنا، و نحن نقول: اللهمّ إلي من؟ إلي المرجئة أم إلي الخوارج أم إلي المعتزلة؟ فجاءنا مولي لأبي عبد اللّه، فدعانا إلي أبي الحسن موسي عليه السلام، فمضينا معه، فاستأذن لنا عليه، فأذن لنا، فدخلنا فلمّا بصر بنا قال من قبل أن نتكلم: «إلي، لا إلي الخوارج، و لا إلي المعتزلة، و لا إلي المرجئة» فعلمنا أنّه صاحب الأمر.

۳۷۴) عن علي بن يقطين، قال: أردت أن أكتب إلي أبي الحسن الأول عليه السلام: أ يتنور الرجل و هو جنب؟ فكتب إليّ أشياء ابتداء منه، أولها: «النورة تزيد الرجل نظافة، و لكن لا يجامع الرجل و هو مختضب، و لا يجامع امرأة مختضبة».

۳۷۵) عن أحمد بن عمر الحلّال: لمّا سمعت الأخرس بمكّة يذكر أبا الحسن عليه السلام اشتريت سكينا و قلت: و اللّه لأقتلنه إذا خرج من المسجد. فأقمت علي ذلك و جلست، فما شعرت إلّا برقعة من أبي الحسن عليه السلام قد طلعت فيها: «بحقّي عليك إلّا كففت عن الأخرس، فإنّ اللّه معي و هو حسبي».

۳۷۶) عن عثمان بن سعيد، عن أبي علي بن راشد، قال:

اجتمعت العصابة بنيسابور في أيّام أبي عبد اللّه عليه السلام فتذاكروا ما هم فيه من الانتظار للفرج، و قالوا: نحن نحمل في كلّ سنة إلي مولانا ما يجب علينا، و قد كثرت الكاذبة، و من يدّعي هذا الأمر، فينبغي لنا أن نختار رجلا ثقة نبعثه إلي الإمام، ليتعرف لنا الأمر.

فاختاروا رجلا يعرف بأبي جعفر محمّد بن إبراهيم النيسابوري و دفعوا إليه ما وجب عليهم في السنة من مال و ثياب، و كانت الدنانير ثلاثين ألف دينار، و الدراهم خمسين ألف درهم، و الثياب ألفي شقة، و أثواب مقاربات و مرتفعات.

و جاءت عجوز من عجائز الشيعة الفاضلات اسمها (شطيطة) و معها درهم صحيح، فيه درهم و دانقان، و شقّه من غزلها، خام تساوي أربعة دراهم، و قالت ما يستحق عليّ في مالي غير هذا، فادفعه إلي مولاي، فقال: يا امرأة، استحي من أبي عبد اللّه عليه السلام أن أحمل إليه درهما و شقّة بطانة. فقالت: «أ لا تفعل! إنّ اللّه لا يستحي من الحق، هذا الذي يستحق، فاحمل يا فلان فلئن ألقي اللّه عز و جل و ما له قبلي حقّ قلّ أم كثر، أحبّ إليّ من أن ألقاه و في رقبتي لجعفر بن محمّد حق».

قال: فعوجت الدرهم، و طرحته في كيس، فيه أربعمائة درهم لرجل يعرف بخلف بن موسي اللؤلوي، و طرحت الشقة في رزمة فيها ثلاثون ثوبا لأخوين بلخيين يعرفان بابني نوح بن إسماعيل، و جائت الشيعة بالجزء الذي فيه المسائل، و كان سبعين ورقة، و كلّ مسألة تحتها بياض، و قد أخذوا كلّ ورقتين فحزموها بحزائم ثلاثة، و ختموا علي كلّ حزام بخاتم، و قالوا: تحمل هذا الجزء معك، و تمضي إلي الإمام، فتدفع الجزء إليه، و تبيّته عنده ليلة، وعد عليه و خذه منه، فإن وجدت الخاتم بحاله لم يكسر و لم يتشعب فاكسر منها ختمه و انظر الجواب، فإن أجاب و لم يكسر الخواتيم فهو الإمام، فادفعه إليه و إلّا فرد أموالنا علينا.

قال أبو جعفر: فسرت حتّي وصلت إلي الكوفة، و بدأت بزيارة أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و وجدت علي باب المسجد شيخا مسنّا قد سقط حاجباه علي عينيه من الكبر، و قد تشنّج وجهه، متزرا ببرد، متشحا بآخر، و حوله جماعة يسألونه عن الحلال و الحرام، و هو يفتيهم علي مذهب أمير المؤمنين عليه السلام، فسألت من حضر عنده، فقالوا: أبو حمزة الثمالي. فسلّمت عليه، و جلست إليه، فسألني عن أمري، فعرّفته الحال، ففرح بي و جذبني إليه، و قبّل بين عيني و قال: لو تجدب الدنيا ما وصل إلي هؤلاء حقوقهم، و إنّك ستصل بحرمتهم إلي جوارهم.

فسررت بكلامه، و كان ذلك أول فائدة لقيتها بالعراق، و جلست معهم أتحدّث إذ فتح عينيه، و نظر إلي البرية، و قال: هل ترون ما أري؟ فقلنا: و أي شي‌ء رأيت.

قال: أري شخصا علي ناقة. فنظرنا إلي الموضع فرأينا رجلا علي جمل، فأقبل، فأناخ البعير، و سلّم علينا و جلس، فسأله الشيخ و قال: من أين أقبلت؟ قال: من يثرب. قال: ما وراءك؟ قال: مات جعفر بن محمّد عليهما السلام. فانقطع ظهري نصفين، و قلت لنفسي: إلي أين أمضي؟! فقال له أبو حمزة: إلي من أوصي؟ قال: إلي ثلاثة، أولهم أبو جعفر المنصور، و إلي ابنه عبد اللّه، و إلي ابنه موسي.

فضحك أبو حمزة، و التفت إليّ و قال: لا تغتم فقد عرفت الإمام. فقلت: و كيف أيّها الشيخ؟!

فقال: أمّا وصيته إلي أبي جعفر المنصور فستر علي الإمام، و أمّا وصيته إلي ابنه الأكبر و الأصغر فقد بيّن عن عوار الأكبر، و نص علي الأصغر. فقلت: و ما فقه ذلك؟ فقال: قول النبي صلي الله عليه و آله: «الإمامة في أكبر ولدك يا علي، ما لم يكن ذا عاهة» فلمّا رأيناه قد أوصي إلي الأكبر و الأصغر، علمنا أنّه قد بيّن عن عوار كبيره، و نصّ علي صغيره، فسر إلي موسي، فإنّه صاحب الأمر.

قال أبو جعفر: فودّعت أمير المؤمنين، و ودّعت أبا حمزة، و سرت إلي المدينة، و جعلت رحلي في بعض الخانات، و قصدت مسجد رسول اللّه صلي الله عليه و آله و زرته، و صلّيت، ثمّ خرجت و سألت أهل المدينة:

إلي من أوصي جعفر بن محمّد؟ فقالوا: إلي ابنه الأفطح عبد اللّه فقلت: هل يفتي؟ قالوا: نعم.

فقصدته و جئت إلي باب داره، فوجدت عليها من الغلمان ما لم يوجد علي باب دار أمير البلد، فأنكرت، ثمّ قلت: الإمام لا يقال له لم و كيف؛ فاستأذنت، فدخل الغلام، و خرج و قال: من أين أنت؟

فأنكرت و قلت: و اللّه ما هذا بصاحبي. ثمّ قلت: لعله من التقية، فقلت: قل: فلان الخراساني، فدخل و أذن لي، فدخلت، فإذا به جالس في الدست علي منصة عظيمة، و بين يديه غلمان قيام، فقلت في نفسي: ذا أعظم، الإمام يقعد في الدست؟! ثمّ قلت: هذا أيضا من الفضول الذي لا يحتاج إليه، يفعل الإمام ما يشاء، فسلّمت عليه، فأدناني و صافحني، و أجلسني بالقرب منه، و سألني فاحفي، ثمّ قال: في أي شي‌ء جئت؟ قلت: في مسائل أسأل عنها، و أريد الحج. فقال لي: اسأل عمّا تريد.

فقلت: كم في المائتين من الزكاة؟ قال: خمسة دراهم.

قلت: كم في المائة؟ قال: درهمان و نصف.

فقلت: حسن يا مولاي، أعيذك باللّه، ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء؟

قال: يكفيه من رأس الجوزاء، ثلاثة. فقلت: الرجل لا يحسن شيئا. فقمت و قلت: أنا أعود إلي سيدنا غدا. فقال: إن كان لك حاجة فإنّا لا نقصّر.

فانصرفت من عنده، و جئت إلي ضريح النبي (ص فانكببت علي قبره، و شكوت خيبة سفري، و قلت: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمّي، إلي من أمضي في هذه المسائل التي معي؟ إلي اليهود، أم إلي النصاري، أم إلي المجوس، أم إلي فقهاء النواصب؟ إلي أين يا رسول اللّه؟ فما زلت أبكي و أستغيث به، فإذا أنا بإنسان يحركني، فرفعت رأسي من فوق القبر، فرأيت عبدا أسود عليه قميص خلق، و علي رأسه عمامة خلق فقال لي: يا أبا جعفر النيسابوري، يقول لك مولاك موسي بن جعفر عليهما السلام: «لا إلي اليهود، و لا إلي النصاري، و لا إلي المجوس، و لا إلي أعدائنا من النواصب، إلي، فأنا حجّة اللّه، قد أجبتك عمّا في الجزو و بجميع ما تحتاج إليه منذ أمس، فجئني به، و بدرهم شطيطة الذي فيه درهم و دانقان، الذي في كيس أربعمائة درهم اللؤلوي، و شقتها التي في رزمة الأخوين البلخيين».

قال: فطار عقلي، و جئت إلي رحلي، ففتحت و أخذت الجزو و الكيس و الرزمة، فجئت إليه فوجدته في دار خراب، و بابه مهجور ما عليه أحد، و إذا بذلك الغلام قائم علي الباب، فلمّا رآني دخل بين يدي، و دخلت معه، فإذا بسيدنا عليه السلام جالس علي الحصير، و تحته شاذكونه يمانية، فلما رآني ضحك و قال: «لا تقنط، و لم تفزع؟

لا إلي اليهود، و لا إلي النصاري و المجوس، أنا حجّة اللّه و وليه، أ لم يعرفك أبو حمزة علي باب مسجد الكوفة جري أمري؟!».

قال: فأزاد ذلك في بصيرتي، و تحققت أمره. ثمّ قال لي: «هات الكيس» فدفعته إليه، فحلّه و أدخل يده فيه، و أخرج منه درهم شطيطة، و قال لي: هذا درهمها؟» فقلت: نعم. فأخذ الرزمة و حلّها و أخرج منها شقة قطن مقصورة، طولها خمسة و عشرون ذراعا، و قال لي: «اقرأ عليها السلام كثيرا، و قل لها: قد جعلت شقتك في أكفاني، و بعثت إليك بهذه من أكفاننا، من قطن قريتنا صريا، قرية فاطمة عليها السلام، و بذر قطن، كانت تزرعه بيدها الشريفة لأكفان ولدها، و غزل أختي حكيمة بنت أبي عبد اللّه عليه السلام و قصارة يده لكفنه، فاجعليها في كفنك».

ثمّ قال: «يا معتب جئني بكيس نفقة مئوناتنا» فجاء به، فطرح درهما فيه، و أخرج منه أربعين درهما، و قال: «اقرأها منّي السلام، و قل لها: «ستعيشين تسع عشرة ليلة من دخول أبي جعفر، و وصول هذا الكفن، و هذه الدراهم، فانفقي منها ستة عشر درهما، و اجعلي أربعة و عشرين صدقة عنك، و ما يلزم عليك، و أنا أتولي الصلاة عليك؛ فإذا رأيتني فاكتم، فإنّ ذلك أبقي لنفسك؛ و افكك هذه الخواتيم و انظر هل أجبناك أم لا؟ قبل أن تجي‌ء بدراهمهم كما أوصوك، فإنّك رسول».

فتأملت الخواتيم فوجدتها صحاحا، ففككت من وسطها واحدا فوجدت تحتها: ما يقول العالم عليه السلام في رجل قال: نذرت للّه عزّ و جل لأعتقن كلّ مملوك كان في ملكي قديما. و كان له جماعة من المماليك؟

تحته الجواب من موسي بن جعفر عليهما السلام: «من كان في ملكه قبل ستة أشهر، و الدليل علي صحة ذلك قوله تعالي: حَتَّي عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (و كان بين العرجون القديم و العرجون الجديد في النخلة) ستة أشهر».

و فككت الآخر، فوجدت فيه: ما يقول العالم عليه السلام في رجل قال: [و اللّه] أتصدّق بمال كثير، بما يتصدّق.

تحته الجواب بخطه عليه السلام: «إن كان الذي حلف بهذا اليمين من أرباب الدنانير تصدّق بأربعة و ثمانين دينارا، و إن كان من أرباب الدراهم تصدّق بأربعة و ثمانين درهما، و إن كان من أرباب الغنم فيتصدّق بأربعة و ثمانين غنما، و إن كان من أرباب البعير فباربعة و ثمانين بعيرا؛ و الدليل علي ذلك قوله تعالي: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فعددت مواطن رسول اللّه صلي الله عليه و آله قبل نزول الآية فكانت أربعة و ثمانين موطنا».

و كسرت الأخري فوجدت تحته: ما يقول العالم عليه السلام في رجل نبش قبرا و قطع رأس الميت و أخذ كفنه؟

الجواب تحته بخطه عليه السلام: «تقطع يده لأخذ الكفن من وراء الحرز، و يؤخذ منه مائة دينار لقطع رأس الميت، لأنّا جعلناه بمنزلة الجنين في بطن أمّه من قبل نفخ الروح فيه، فجعلنا في النطفة عشرين دينارا، و في العلقة عشرين دينارا، و في المضغة عشرين دينارا، و في اللحم عشرين دينارا، و في تمام الخلق عشرين دينارا، فلو نفخ فيه الروح لألزمناه ألف دينار، علي أن لا يأخذ ورثة الميت منها شيئا، بل يتصدق بها عنه، أو يحجّ، أو يغزي بها، لأنّها أصابته في جسمه بعد الموت».

قال أبو جعفر فمضيت من فوري إلي الخان و حملت المال و المتاع إليه، و أقمت معه و حج في تلك السنة فخرجت في جملته معادلا له في عماريّته في ذهابي يوما و في عماريّة أبيه يوما، و رجعت إلي خراسان فاستقبلني الناس، و شطيطة من جملتهم، فسلّموا علي، فأقبلت عليها من بينهم و أخبرتها بحضرتهم بما جري، و دفعت إليها الشقة و الدراهم، و كادت تنشق مرارتها من الفرح، و لم يدخل إلي المدينة من الشيعة إلّا حاسد أو متأسف علي منزلتها و دفعت الجزء إليهم، ففتحوا الخواتيم، فوجدوا الجوابات تحت مسائلهم.

و أقامت شطيطة تسعة عشر يوما، و ماتت رحمها اللّه، فتزاحمت الشيعة علي الصلاة عليها، فرأيت أبا الحسن عليه السلام علي نجيب، فنزل عنه و أخذ بخطامه، و وقف يصلّي عليها مع القوم، و حضر نزولها إلي قبرها و نثر في قبرها من تراب قبر أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام، فلما فرغ من أمرها ركب البعير و ألوي برأسه نحو البرية، و قال: «عرّف أصحابك و اقرأهم عنّي السلام، و قل لهم: إنّني و من جري مجراي من أهل البيت لا بد لنا من حضور جنائزكم في أي بلد كنتم، فاتقوا اللّه في أنفسكم و أحسنوا الأعمال لتعينونا علي خلاصكم، و فك رقابكم من النار».

قال أبو جعفر: فلما ولّي عليه السلام عرّفت الجماعة، فرأوه و قد بعد و النجيب يجري به، فكادت أنفسهم تسيل حزنا إذ لم يتمكنوا من النظر إليه.

و في ذلك عدة آيات، و كفي بها حجّة للمتأمل الذاكر.

في ظهور آياته في الإخبار بالمغيبات و فيه: ستة أحاديث

۳۷۷) عن الأصبغ بن موسي، قال: بعث معي رجل من أصحابنا إلي أبي الحسن موسي عليه السلام بمائة دينار، و كان معي بضاعة لنفسي، فلمّا دخلت المدينة صببت عليّ ماء، و غسلت بضاعتي و بضاعة الرجل، و ذررت عليها مسكا، ثمّ إني عددت بضاعة الرجل، فوجدتها تسعة و تسعين دينارا، فأخذت دينارا من دنانير لي أخري فغسلته و ذررت عليه مسكا، و أعدتها في الصرّة كما كانت، ثمّ دخلت عليه في الليل، فقلت له: جعلت فداك، إنّ معي شيئا أتقرّب به إلي اللّه. فقال: «هات».

فلمّا ناولته الصرّة قال: «فضها» ففضضتها، ثمّ قلت: إنّ فلانا مولاك بعث إليك معي بشي‌ء. فلمّا أن ناولته و نثرتها بين يديه أخرج ديناري من بينها، ثمّ قال: «إنّما بعث إلينا وزنا لا عددا».

۳۷۸) و لقد وجدت في بعض كتب أصحابنا رضي اللّه عنهم أنّه كان للرشيد باز أبيض، يحبه حبا شديدا، فطار في بعض متصيداته حتّي غاب عن أعينهم، فأمر الرشيد أن يضرب له قبّة، و نزل تحتها، و حلف أنّه لا يبرح من موضعه أو يجيئوا إليه بالباز، و أقام بالموضع، و أنفذ وجوه العسكر، و سرح الأمراء و الأقواد في طلبه علي مسيرة يوم أو يومين و ثلاثة.

فلمّا كان في اليوم الثاني آخر النهار نزل البازي عليه في يده حيوان يتحرك، و يلمع كما يلمع السيف في الشمس، فأخذه من يده بالرفق، و رجع إلي داره فطرحه في طست ذهب، و دعا بالأشراف و الأطباء و الحكماء و الفقهاء و القضاة و الحكّام، فقال: هل فيكم من رأي مثل هذه الصورة قط؟ فقالوا: ما رأينا مثلها قط، و لا ندري ما هي.

قال: كيف لنا بعلمها؟ فقال له ابن أكثم القاضي و أبو يوسف يعقوب القاضي: مالك غير إمام الروافض موسي بن جعفر تبعث و تحضر جماعة من الروافض، و تسأله عنها، فإن علم كانت معرفتها لنا فائدة، و إن لم يعلم افتضح عند أصحابه الذين عندهم أنّه يعلم الغيب، و ينظر في السماء إلي الملائكة.

فقال: هذا و تربة المهدي نعم الرأي و ارسلوا خلف أبي الحسن عليه السلام و سألوه أن يحضر المجالس الساعة و من عنده من أصحابه.

و بعثوا خلف فلان و فلان من أصحاب الروافض.

فحضر أبو الحسن عليه السلام و جماعة من الشيعة معه، فقال:

يا أبا الحسن، إنّما أحضرتك شوقا إليك. فقال: «دعني من شوقك، ألا إنّ اللّه تبارك خلق بين السماء و الأرض بحرا مكفوفا عذبا زلالا، كفّ الموج بعضه علي بعض من حواشيه لئلا يطغي خزنته فينزل منه مكيال فيهلك ما تحته، و طوله أربعة فراسخ في أربعة فراسخ من فراسخ الملائكة، الفرسخ مسيرة مائتي عام للراكب المجد يحفّ به الصافون المسبّحون من الملائكة الذين قال اللّه تعالي: وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ.

و خلق له سكانا أشخاصا علي عمل السمك صغارا و كبارا، فأكبر ما فيه من هذه الصورة شبر، و له رأس كرأس الآدمي، و له أنف و أذنان و عينان، و الذكور منها له سواد في وجهه مثل اللحي، و الإناث لها شعور علي رأسها مثل النساء، و لها أجساد مثل أجساد السمك، و فلوس مثل (فلوس السمك) و بطون مثل بطونها، و مواضع الأجنحة منها مثل أكف و أرجل مثل أيدي الناس، و أرجلهم، تلمع لمعانا عظيما لأنّها متبرّجة بالأنوار، تغشي الناظر إليها حتي يرد طرفه حسيرا.

غداؤها التقديس و التكبير و التهليل، فإذا قصّر أحدهما في التسبيح سلّط اللّه عليها البزاة البيض، فأكلتها و جعلت رزقها، و ما يحل لك أن تأخذ من هذا البازي رزقه الذي بعثه اللّه إليه ليأكله».

فقال الرشيد: أخرجوا الطست، فأخرجوه، فنظر إليها فما أخطأ ممّا قال أبو الحسن موسي عليه السلام شيئا، ثمّ انصرف، فطرحها الرشيد للبازي فقطعها و أكلها، فما نقط لها دم، و لا سقط منها شي‌ء.

فقال الرشيد لجماعة الهاشميين و من حضر: أ ترانا لو حدّثنا بهذا كنا نصدّق؟!

۳۷۹) عن عبد اللّه بن سنان، قال: حمل الرشيد في بعض الأيام إلي علي بن يقطين ثيابا أكرمه بها، و كان من جملتها درّاعة خزّ سوداء من لباس الملوك، مثقّلة بالذّهب، فأنفذ علي بن يقطين جلّ تلك الثياب إلي موسي بن جعفر عليهما السلام، و أنفذ من جملتها تلك الدرّاعة، و أضاف إليها مالا كان أعدّه علي رسم له فيما يحمله من خمس ماله.

فلمّا وصل ذلك إلي أبي الحسن عليه السلام قبل المال و الثياب و ردّ الدرّاعة علي يد الرسول إلي عليّ بن يقطين، و كتب إليه: «احتفظ بها، و لا تخرجها من يدك فسيكون لك بها شأن تحتاج معه إليها».

فارتاب عليّ بن يقطين بردّها إليه، و لم يدر ما سبب ذلك، و احتفظ بالدرّاعة، فلمّا كان بعد أيام تغير علي بن يقطين علي غلام له كان يختصّ به، فصرفه عن خدمته، و كان الغلام يعرف ميل علي بن يقطين إلي أبي الحسن عليه السلام، و يقف علي ما يحمله إليه في كلّ وقت من الأوقات من مال و ثياب و ألطاف و غير ذلك، فسعي به إلي الرشيد و قال: إنّه يقول بإمامة موسي بن جعفر عليهما السلام و يحمل إليه خمس ماله في كلّ سنة، و قد حمل إليه الدرّاعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا و كذا. فاستشاط الرشيد لذلك، و غضب غضبا شديدا، و قال: لأكشفن عن هذا الحال، فإن كان الأمر كما تقول أزهقت نفسه (و أمر في الحال) بإحضار علي بن يقطين.

فلمّا مثل بين يديه قال: ما فعلت بالدرّاعة التي كسوتك إيّاها، قال: هي عندي يا أمير المؤمنين في سفط مختوم، فيه طيب، قد احتفظت بها، و كلّما أصبحت فتحت السفط و نظرت إليها تبركا بها، و قبّلتها و رددتها إلي موضعها، و كلّما أمسيت صنعت مثل ذلك. فقال:

أحضرها الساعة؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين.

و استدعي بعض خدمه و قال له: امض إلي البيت في داري، و خذ مفتاحه من جاريتي، و افتحه، ثمّ افتح الصندوق الفلاني و جئني بالسفط الذي فيه بختمه. فلم يلبث الغلام أن جاء بالسفط مختوما، و وضع بين يدي الرّشيد، و أمر بكسر ختمه و فتحه.

فلمّا فتح نظر إلي الدرّاعة فيه بحالها مطوية مدفونة في الطيب، فسكن الرشيد من غضبه، ثمّ قال لعلي بن يقطين: أرددها إلي مكانها و انصرف راشدا، فلن أصدّق عليك بعدها ساعيا. و أمر أن يتبع بجائزة سنية، و تقدم بضرب الساعي به ألف سوط، فضرب نحو خمسمائة سوط، فمات في ذلك.

۳۸۰) عن محمّد بن إسماعيل، عن محمد بن المفضل، قال: اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرّجلين في الوضوء، أ هو من الأصابع إلي الكعبين، أم من الكعبين إلي الأصابع؟ فكتب علي بن يقطين إلي أبي الحسن موسي بن جعفر عليهما السلام: جعلت فداك، إنّ أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرّجلين، فإن رأيت أن تكتب لي بخطّك ما يكون عملي عليه فعلت إن شاء اللّه تعالي.

فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام: «فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، و الذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا، و تستنشق ثلاثا، و تغسل وجهك ثلاثا، و تخلّل شعر لحيتك، و تغسل يديك ثلاثا، و تمسح رأسك كلّه، و تمسح ظاهر أذنيك و باطنهما، و تغسل رجليك إلي الكعبين ثلاثا. و لا تخالف ذلك إلي غيره».

فلمّا وصل الكتاب إلي علي بن يقطين تعجّب ممّا رسم له فيه ممّا (أجمعت العصابة) علي خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال، و أنا ممتثل أمره. فكان يعمل في وضوئه علي هذا الحد، و يخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالا لأمر أبي الحسن عليه السلام.

و سعي بعليّ بن يقطين إلي الرشيد و قيل له: إنه رافضيّ مخالف لك. فقال الرّشيد لبعض خاصته: قد كثر عندي القول في علي بن يقطين و القذف له بخلافنا، و ميله إلي الرفض، و لست أري في خدمته لي تقصيرا، و قد امتحنته مرارا فما ظهرت منه علي شي‌ء يقذف به، و أحب أن أستبرئ أمره من حيث لا يشعر بذلك، فيتحرز منّي. فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ الرافضة تخالف الجماعة في الوضوء فتحققه و لا تري غسل الرجلين، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف علي وضوئه. فقال: أجل، إنّ هذا الوضوء يظهر به أمره.

ثمّ تركه مدة و ناطه بشي‌ء من الشغل في الدار حتّي دخل وقت الصلاة، و كان علي بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه و صلاته، فلمّا دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يري علي بن يقطين و لا يراه هو، فدعا بالماء فتمضمض ثلاثا، و استنشق ثلاثا، و غسل وجهه و خلل شعر لحيته، و غسل يديه إلي المرفقين ثلاثا، و مسح رأسه و أذنيه، و غسل رجليه، و الرشيد ينظر إليه، فلمّا رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتّي أشرف عليه بحيث يراه، ثمّ ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة. و صلحت حاله عنده.

ثمّ ورد عليه كتاب أبي الحسن عليه السلام: «ابتداء يا علي بن يقطين من الآن توضأ كما أمرك اللّه، اغسل وجهك مرة فريضة، و الأخري إسباغا، و اغسل يديك من المرفقين كذلك، و امسح بمقدّم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف عليك منه».

۳۸۱) عن مرازم، قال: حضرت باب الرشيد أنا و عبد الحميد الطائي و محمّد بن حكيم و أدخل عبد الحميد فما لبثنا أن طرح برأسه وحده، فتغيرت ألواننا و قلنا: قد وقع الأمر.

فلمّا دخلت عليه وجدته مغضبا، و السياف قائم بين يديه، و بيده سيف مصلت، و رأيت خلفه علويا، فعلمت أنّه قد فعل بنا ذلك، فقلت: اتق اللّه يا أمير المؤمنين في دمي، فإنّه لا يحل لك إلّا بحجّة، و لا تسمع فينا قول هذا الفاسق.

فقال العلوي: أ تفسقني و قد كنت بالمدينة تلقمني الفالوذج بيدك محبّة لي؟ فقال الرشيد بحيث لم يسمع هو: إذا عرفت حقّه. فقلت:

يا أمير المؤمنين، أنشدك اللّه إلّا قلت لهذا: أ لست كنت أبيع دارا بالمدينة لي فطلب منّي أن أبيعها منه، ثمّ إنه استشفع في ذلك بموسي بن جعفر عليه السلام فما قبلت و لا شفّعته فيه، و بعته من غيره؟ فسأله: أ كذلك؟ قال: نعم. فقال: قم، قبحك اللّه، تقول إنّه يقول بربوبية موسي بن جعفر عليهما السلام ثمّ تقول إنّه لم يقبل شفاعته في بيع دار منّي؟!

ثمّ أقبل عليّ و قال: ارجع راشدا. فخرجت و أخذت بيد صاحبي و قلت: امض، فقد خلّصنا اللّه تعالي، و رحم اللّه عبد الحميد، و حكيت له ما جري فقال لي: و ما منعك من قبول شفاعة أبي الحسن عليه السلام؟ فقلت له: هو أمرني بذلك، و قال لي: «إن استشفع بي إليك فلا تقبل شفاعتي».

۳۸۲) عن أبي خالد الزّبالي قال: ورد علينا أبو الحسن موسي بن جعفر عليهما السلام و قد حمله المهدي، فلمّا خرج ودعته و بكيت فقال: «ما يبكيك يا أبا خالد؟» فقلت: جعلت فداك، قد حملك هؤلاء و ما أدري ما يحدث. فقال: «أمّا في هذه المرّة فلا خوف عليّ منهم، و أنا عندك في يوم كذا، في شهر كذا، في ساعة كذا، فانتظرني عند أول الميل» و مضي.

قال: فلمّا كان من اليوم الذي وصفه لي خرجت إلي الميل، و جلست أنتظره حتّي اصفرت الشمس، و خفت أن يكون قد تأخر به عن الوقت، فقمت لأنصرف فإذا أنا بسواد قد أقبل، و مناديا ينادي من خلفي، فأتيته فإذا هو أبو الحسن موسي عليه السلام علي بغلته فقال ابتداء: يا أبا خالد، إنّ لي عودة إليهم، و لا أتخلّص من أيديهم.

في بيان ظهور آياته في معان شتي و فيه: أحد عشر حديثا

۳۸۳) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد الرافعي، قال: كان لي ابن عم يقال له (الحسين بن عبد اللّه) و كان زاهدا و من أعبد أهل زمانه، و كان يعظ السلطان، و ربما استقبله بكلام صعب فيما يعظه به، و يأمره بالمعروف، و كان السلطان يحتمله لصلاحه، و لم تزل هذه حالته حتّي كان ذات يوم فدخل أبو الحسن عليه السلام المسجد فرآه فأومي إليه و قال له: «يا أبا علي ما أحب إليّ ما أنت فيه و أسرني بك فيه، إلّا أنّه ليس لك معرفة، فاطلب المعرفة».

فقال: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، فما المعرفة؟ قال: «اذهب و تفقه و اطلب الحديث».

قال: فممّن؟ قال: «من مالك بن أنس، و من فقهاء المدينة». ثم أعرض علي الحديث فذهب و كتب حديثا كثيرا، ثمّ جاءه و قرأه عليه، فأسقطه كلّه، ثمّ قال: «اذهب في طلب المعرفة» و كان الرجل معنيا بدينه، فلم يزل يترصد أبا الحسن عليه السلام حتّي إذا خرج إلي ضيعة له تبعه فبلغه في الطريق و قال: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، إنّي احتجّ عليك بين يدي اللّه تعالي، دلني علي المعرفة.

فأخبره بأمر أمير المؤمنين عليه السلام، و أخبره بأمر غيره فقبل ذلك منه، ثمّ سأل عمّن كان بعد أمير المؤمنين قال: «الحسن و الحسين» حتّي عدّ إلي نفسه، ثمّ سكت.

قال: فمن في هذا اليوم؟ فقال: «إن أخبرتك تقبل؟» قال: بلي.

قال: «أنا هو» قال: فشي‌ء استدل به. قال: «اذهب إلي تلك الشجرة- و أشار إلي بعض أشجار أمّ غيلان- فقل لها: يقول لك موسي بن جعفر: أقبلي».

قال: فأتيتها و قلت لها ذلك، فرأيتها تخدّ الأرض خدّا حتّي وقفت بين يديه، ثمّ أشار إليها فرجعت، فأقر به، ثمّ لزم الصمت و العبادة، و كان لا يراه أحد بعد ذلك يتكلم، و كان قبل ذلك يري الرؤيا الحسنة، و يري له، ثمّ انقطعت عنه، فرأي أبا الحسن عليه السلام فيما يري النائم، فشكا إليه انقطاع الرؤيا، فقال: «لا تغتم، إنّ المؤمن إذا رسخ في الإيمان رفعت عنه الرؤيا».

۳۸۴) عن علي بن أبي حمزة البطائني، قال: خرج أبو الحسن موسي بن جعفر عليه السلام في بعض الأيّام من المدينة، إلي ضيعة له خارجة عنها، فصحبته، و كان عليه السلام راكبا بغلة، و أنا علي حمار لي، فلمّا صرنا في بعض الطريق اعترضنا أسد، فأحجمت خوفا، و أقدم أبو الحسن عليه السلام غير مكترث له، فرأيت الأسد يتذلل له و يهمهم، فوقف له أبو الحسن عليه السلام كالمصغي إلي همهمته، و وضع الأسد يده علي كفل بغلته، فدهمني من ذلك [فزع] و خفت خوفا عظيما، ثمّ تنحي الأسد إلي جانب الطريق، و حوّل أبو الحسن عليه السلام وجهه إلي القبلة و جعل يدعو و يحرك شفتيه بما لم أفهمه، ثمّ أومي إلي الأسد باليد أن امض، فهمهم الأسد همهمة طويلة، و أبو الحسن عليه السلام يقول: «آمين، آمين»، حتّي غاب عن أعيننا، و مضي أبو الحسن عليه السلام لوجهه و اتبعته.

فلمّا بعدنا عن الموضع لحقته، و قلت: جعلت فداك، ما شأن هذا الأسد؟! فلقد خفته و اللّه عليك، و عجبت من شأنه معك! فقال عليه السلام: «إنّه خرج إليّ يشكو عسر الولادة علي لبوته، و سألني أن أسأل اللّه تعالي أن يفرج عنها، ففعلت ذلك، و ألقي في روعي أنّها تلد ذكرا فخبّرته بذلك، فقال لي: امض في حفظ اللّه فلا سلّط اللّه عليك و لا علي أحد من ذريتك و شيعتك شيئا من السباع؛ فقلت: آمين، آمين».

۳۸۵) عن إسماعيل بن سلام و أبي حميد قالا: بعث إلينا علي بن يقطين و قال: اشتريا راحلتين، و تجنبا الطريق، و دفع إلينا مالا و كتبا حتّي توصلا ما معكما من المال و الكتاب إلي أبي الحسن عليه السلام، و لا يعلم بكما أحد.

قالا: فأتينا الكوفة و اشترينا راحلتين، و تزودنا زادا، و خرجنا نتجنب الطريق، حتّي إذا صرنا ببطن البرية شددنا راحلتينا، و وضعنا العلف لهما، و قعدنا نأكل، فبينما نحن كذلك إذ رأينا راكبا قد أقبل و معه شاكري، فلمّا قرب فإذا هو أبو الحسن عليه السلام فقمنا إليه و سلّمنا عليه، و دفعنا إليه الكتاب، و ما كان معنا، فأخرج من كمّه كتبا فناولها إيّانا و قال: «هذه جوابات كتبكم» فقلنا: زادنا قد فني، فلو أذنت لنا فدخلنا المدينة و زرنا رسول اللّه صلي الله عليه و آله و تزودنا زادا. فقال: «هاتوا ما معكما من الزاد».

فأخرجنا الزاد إليه فقلّبه بيده الشريفة و قال: «هذا يبلغكما الكوفة، و أمّا زيارة رسول اللّه صلي الله عليه و آله فقد زرتماه، إنّي صلّيت معهم الفجر، و أنا أريد أن أصلي معهم الظهر، انصرفا في حفظ اللّه».

۳۸۶) و وجدت في بعض كتب أصحابنا رضي اللّه عنهم أنّ إبراهيم الجمّال كان من الموحدين العارفين، فاستأذن علي أبي الحسن علي بن يقطين الوزير، و كان ممّن يوالي أهل البيت عليهم السلام، فحجب عليه، فحجّ في تلك السنة علي بن يقطين فاستأذن بالمدينة علي أبي إبراهيم موسي بن جعفر عليهما السلام فحجبه، فرآه ثاني يوم فقال: يا مولاي ما ذنبي؟ فقال عليه السلام: «حجبتك لأنّك حجبت أخاك إبراهيم الجمال مولاي» فقال: من لي بإبراهيم الجمّال و هذا الوقت؟ فقال عليه السلام: «إذا كان ليلا فامض إلي البقيع وحدك من غير أن يراك أحد من أصحابك، فاركب نجيبا هناك مسرجا».

فوافي البقيع، و ركب النجيب، و لم يلبث حتّي أناخه علي باب إبراهيم الجمّال، فقرع الباب و قال: أنا علي بن يقطين فقال من داخل الدار: و ما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي؟ فقال علي بن يقطين: يا هذا، إن أمري عظيم. فأبي أن يفتح عليه الباب، ثمّ أذن له.

فلمّا دخل عليه قال: إنّ المولي عليه السلام أبي أن يقبلني دون أن تغفر لي يا إبراهيم. فقال: يغفر اللّه لك. و علي بن يقطين يقول: اللهم اشهد لي. ثمّ انصرف و ركب النجيب و أناخه من ليلته بباب المولي عليه السلام بالمدينة، فأذن له، و دخل عليه فقبله.

۳۸۷) عن إسحاق بن أبي عبد اللّه، قال: كنت مع أبي الحسن موسي عليه السلام حين قدم من البصرة، فبينما نحن نسير في البطائح في هول أرياح إذ سايرنا قوم في السفينة، فسمعنا لهم جلبة، فقال عليه السلام: «ما هذا؟» فقيل: عروس تهدي إلي زوجها.

قال: ثمّ مكثنا ما شاء اللّه تعالي، فسمعنا صراخا و صيحة فقال عليه السلام: «ما هذا؟» فقيل: العروس أرادت تغرف ماء فوقع سوارها في الماء. فقال: (أحبسوا و قولوا لملاحهم يحبس فحبسنا و حبس) ملاحهم فجلس و وضع أبو الحسن عليه السلام صدره علي السفينة و تكلم بكلام خفي، و قال للملاح: «انزل» فنزل الملاح بفوطة، فلم يزل في الماء نصف ساعة و بعض ساعة فإذا هو بسوارها، فجاء به.

فلمّا أخرج الملّاح السوار قال له إسحاق أخوه: جعلت فداك، الدعاء الذي قلت أخبرنا به. فقال له: «أستره إلّا ممّن تثق به» ثم قال: «يا سابق كل فوت، و يا سامع كل صوت، و يا بارئ النفوس بعد الموت، يا كاسي العظام لحما بعد الموت، يا من لا تغشاه الظلمات الحندسية، و لا تتشابه عليه الأصوات المختلفة، و يا من لا يشغله شأن عن شأن، يا من له عند كل شي‌ء من خلقه سمع حاضر، و بصر نافذ، لا يغلطه كثرة المسائل، و لا يبرمه إلحاح الملحين، يا حي حين لا حي في ديمومة ملكه و بقائه، يا من سكن العلي و احتجب عن خلقه بنوره، يا من أشرق بنوره دياجي الظلم أسألك باسمك الواحد الأحد الفرد الوتر الصمد أن تصلّي علي محمّد و آل محمّد الطيبين الطاهرين».

۳۸۸) عن بشّار مولي السندي بن شاهك، قال: كنت من أشدّ الناس بغضا لآل محمّد فدعاني السندي يوما فقال: يا بشّار، إنّي أريد أن آتمنك علي ما ائتمنني هارون. قلت: إذا لا أبقي فيه غاية.

قال: هذا موسي بن جعفر قد دفعه إلي، و قد دفعته و وكلتك بحفظه، فجعلته في دار في جوف دور، و كنت أقفل عليه عدّة أقفال، فإذا مضيت في حاجة وكّلت امرأتي بالباب، لا تفارقه حتّي أرجع.

قال بشار: فحول اللّه ما كان في قلبي من البغض حبّا.

قال: فدعاني عليه السلام يوما فقال: «يا بشّار، احضر في سجن القنطرة و ادع لي هند بن الحجاج، و قل له: أبو الحسن يأمرك بالمصير إليه، فإنّه ينتهرك و يصيح عليك، فإذا فعل ذلك فقل: أنا قد قلت و أبلغت رسالته، فإن شئت فافعل، و إن شئت لا تفعل، و اتركه و انصرف».

قال: ففعلت ما أمرني، و أقفلت الأبواب كما كنت أقفل، و أقعدت امرأتي علي الباب، و قلت: لا تبرحي حتّي آتيك، و قصدت إلي سجن القنطرة، و دخلت علي هند بن الحجاج و قلت له: أبو الحسن عليه السلام يأمرك بالمصير إليه، فصاح عليّ و انتهرني، فقلت له: قد أبلغتك فإن شئت فافعل، و إن شئت لا تفعل، و انصرفت و تركته.

و جئت إلي أبي الحسن عليه السلام، فوجدت امرأتي قاعدة علي الباب، و الأبواب مغلقة، فلم أزل أفتح واحدا بعد واحد حتّي وصلت إليه، فأعلمته الخبر، فقال: «نعم قد جاءني و انصرف».

فخرجت إلي امرأتي فقلت لها: هل جاء أحد بعدي فدخل هذا الباب؟ فقالت: لا و اللّه، ما فارقت الباب، و لا فتحت الأقفال حتّي جئت.

۳۸۹) قال: و روي علي بن محمّد بن الحسن الأنباري أخو صندل، قال: بلغني من جهة أخري أنّه لمّا صار إليه هند بن الحجّاج قال له العبد الصالح عليه السلام عند انصرافه: «إن شئت رجعت إلي موضعك و لك الجنّة، و إن شئت انصرفت إلي منزلك» فقال: إلي موضعي، إلي السجن.

۳۹۰) عن إسحاق بن منصور، قال: سمعت موسي بن جعفر عليهما السلام يقول ناعيا إلي رجل من الشيعة نفسه، فقلت في نفسي: و إنّه ليعلم متّي يموت الرجل من شيعته؟! فالتفت إليّ و قال:

«اصنع ما أنت صانع، فإنّ عمرك قد فني، و قد بقي منه دون سنتين، و كذلك أخوك لا يمكث بعدك إلّا شهرا واحدا حتّي يموت، و كذلك عامّة أهل بيتك و يتشتت كلهم، و يتفرق جمعهم، و يشمت بهم أعداؤهم، و يصيرون رحمة لإخوانهم، إن كان هذا في صدرك».

فقلت: أستغفر اللّه ممّا عرض في صدري منكم.

فلم يستكمل منصور سنتين حتّي مات، و مات بعده بشهر أخوه، و مات أهل بيته، و أفلس بقيتهم و تفرّقوا حتّي احتاج من بقي منهم إلي الصّدقة.

۳۹۱) عن إسحاق بن عمّار قال: دخلت علي موسي بن جعفر عليهما السلام فجلست عنده، إذ استأذن عليه رجل خراساني فكلّمه بكلام لم أسمع بمثله، كأنّه كلام الطير.

قال إسحاق: فأجابه عليه السلام بمثل هذا الكلام و بلغته، إلي أن قضي وطره من مسائله و خرج من عنده، فقلت: ما سمعت بمثل هذا الكلام!

قال: «هذا كلام قوم من أهل الصين، و ليس كلّ كلام أهل الصين مثله ثمّ إنّه تعجب من كلامي بلغته» فقلت: هو موضع التعجب. قال: «أخبرك بما هو أعجب منه، إنّ الإمام يعلم منطق الطير و منطق كلّ ذي روح خلقه اللّه، و ما يخفي علي الإمام شي‌ء».

۳۹۲) عن علي بن أبي حمزة، قال: كنت عند موسي بن جعفر عليهما السلام إذ أتاه رجل من أهل الري يقال له (جندب) فسلّم عليه و جلس، فسأله أبو الحسن عليه السلام و أحسن السؤال، ثمّ قال له: «يا جندب، ما فعل أخوك؟» قال: بخير، و هو يقرئك السلام.

قال: «يا جندب، أعظم اللّه أجرك في أخيك» قال: ورد كتابه من الكوفة لثلاثة عشر يوما بالسلامة!

قال: «إنّه و اللّه مات بعد كتابه إليك بيومين، و دفع إلي امرأته مالا و قال: ليكن هذا المال عندك، فإذا قدم أخي فادفعيه إليه؛ و قد أودعته الأرض في البيت الذي كان يكون فيه، فإذا أتيتها فتلطّف لها و أطمعها في نفسك، فإنّها ستدفعه إليك».

قال علي بن أبي حمزة: و كان جندب رجلا جميلا. قال: فلقيت جندبا بعدها فقال: صدق أبو الحسن عليه السلام. فسألته عمّا قال له، فقال: صدق و اللّه سيدي، ما زاد و لا نقص، لا في الكتاب، و لا في المال.

۳۹۳) و عنه، قال: كان رجل من موالي أبي الحسن عليه السلام لي صديقا، قال: خرجت من منزلي يوما، فإذا أنا بامرأة حسناء جميلة و معها أخري فتبعتها، فقلت لها: تمتعيني نفسك؟ فالتفتت إليّ و قالت: إن كان لنا عندك حسن فليس فينا مطمع، و إن لم يكن لك زوجة فامض بنا. فقلت: ليس عندنا، فانطلقت معي حتّي صرنا إلي باب المنزل فدخلت، فلما أن خلعت فردة خفها، و بقي الخفّ الآخر تنزعها إذا بقارع يقرع الباب، فخرجت إليه، فإذا هو موفق، فقلت له: ما وراءك؟

فقال: خير، يقول لك أبو الحسن عليه السلام: «أخرج هذه المرأة من البيت، و لا تمسّها» فدخلت و قلت لها: البسي خفّيك يا هذه و اخرجي.

فلبست خفّيها و خرجت، فنظرت إلي الموفق بالباب، فقال: سد الباب فسددته، فو اللّه ما جازت غير بعيد، و أنا وراء الباب أسمع، حتّي أتاها رجل فقال لها: مالك خرجت سريعا؟ و ما لبثت إلّا قليلا.

قالت: إنّ رسول الساحر جاء فأمره أن يخرجني، فأخرجني. فسمعته يقول: آه له، فإذا القوم قد طمعوا في مال عندي.

فلمّا كان العشاء عدت إلي أبي الحسن عليه السلام فقال: «يا فلان تلك المرأة من أميّة، أهل بيت اللعنة، إنّهم كانوا بعثوها ليأخذوا ما بقي في بيتك و منزلك، فالحمد للّه الذي صرفها عنك».

ثمّ قال أبو الحسن عليه السلام: «تزوج بابنة فلان- و هو مولي لأبي أيّوب الأنصاري- فإن له ابنة قد جمعت كلّ ما تريد من أمر الدنيا و الآخرة». فتزوجتها فكانت كما قال عليه السلام.

الباب الحادي عشر في ذكر معجزات الامام أبي الحسن علي بن موسي الرضا عليهما السلام

في بيان ظهور آياته في الاستسقاء و فيه: حديث واحد

۳۹۴) عن أبي يعقوب يوسف بن محمد بن زياد و علي بن محمد بن سيار عن الحسن بن علي العسكري، عن أبيه علي بن محمّد عن أبيه محمّد بن علي التقي عليهم السلام، قال: «إن الرضا عليه السلام لمّا جعله المأمون ولي عهده، جعل بعض حاشية المأمون و المتعصبين علي الرضا عليه السلام يقولون: انظروا إلي الذي جاءنا من علي بن موسي الرضا ولي عهدنا فحبس اللّه عزّ و جل علينا المطر.

و اتصل ذلك بالمأمون فاشتدّ عليه، فقال للرضا عليه السلام: لو دعوت اللّه عزّ و جل أن يمطر للناس. فقال: نعم. قال: و متي تفعل ذلك؟

و كان ذلك يوم الجمعة، فقال: يوم الاثنين، فإنّ رسول اللّه صلي الله عليه و آله أتاني البارحة في منامي و معه أمير المؤمنين عليه السلام و قال: يا بني انتظر يوم الاثنين، و ابرز إلي الصحراء و استسق فإنّ اللّه عزّ و جل يسقيهم، و اخبرهم بما يريك اللّه ممّا لا يعلمون كي يزداد علمهم بفضلك و مكانك من ربّك عزّ و جل.

فلما كان يوم الاثنين عمد إلي الصحراء و خرج الخلائق ينظرون، فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثني عليه، ثمّ قال: اللهم يا رب، إنّك عظّمت حقنا أهل البيت و توسلوا فأرسل مطرا غير ضار، و ليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلي مستقرهم و منازلهم.

قال: فو الذي بعث محمدا صلي الله عليه و آله بالحق نبيا لقد هبت الرياح و الغيوم، و أرعدت و أبرقت، و تحرك الناس كأنّهم يريدون التنحي عن المطر، فقال الرضا عليه السلام. علي رسلكم أيّها الناس، فليس هذا الغيم لكم، إنّما هي لبلد كذا. فمضت السحابة و عبرت.

فجاءت سحابة أخري تشتمل علي رعد و برق، فتحرك الناس، فقال: علي رسلكم، فما هذه لكم إنّما هي لبلد كذا. فمضت، فما زال كذلك حتّي جاءت عشر سحائب و عبرت، و هو يقول: إنّما هي لكذا.

ثمّ أقبلت سحابة جارية، فقال: أيّها الناس هذه بعثها اللّه لكم، فاشكروا اللّه علي فضله عليكم، و قوموا إلي منازلكم و مقاركم فإنّها مسامتة لرؤوسكم، ممسكة عنكم، إلي أن تدخلوا مقارّكم، ثمّ يأتيكم من الخير ما يليق بكرم اللّه و جلاله.

و نزل عن المنبر و انصرف الناس، فما زالت السحابة ممسكة إلي أن قربوا من منازلهم، ثمّ جاءت بوابل مطر، فملأت الأودية و الحياض و الغدران و الفلوات، و جعل الناس يقولون: هنيئا لولد رسول اللّه صلي الله عليه و آله كنز آيات اللّه».

في بيان ظهور آياته و معجزاته فيما جعل الله تعالي الصورتين أسدين و فيه: حديث واحد

۳۹۵) و بالإسناد المتقدّم قال: «لما اتسق الأمر للرضا عليه السلام و طفق الناس يتذاكرون ذلك، قال للمأمون بعض المبغضين: يا أمير المؤمنين، أعيذك باللّه أن يكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم و الفضل العظيم من بيت ولد العبّاس إلي بيت ولد علي [لقد] أعنت علي نفسك و أهلك، و جئت بهذا الساحر ابن الساحر، و قد كان خاملا فأظهرته، و وضيعا فرفعته، و منسيا فذكرت به، و مستخفا فنوهت به، قد ملأ الدنيا مخرقة و تزويقا بهذا المطر الوارد بدعائه، فما أخوفنا أن يخرج هذا الأمر من ولد العبّاس إلي ولد علي، ما أخوفنا من أن يتوصل بالسحر إلي إزالة نعمتك و الوثوب سراعا إلي مملكتك، هل جني أحد علي نفسه و ملكه مثل ما جنيت؟

قال المأمون: جئنا بهذا الرجل و أردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاءه إلينا، و يعترف بالخلافة و الملك لنا، و ليعتقد المقرّون به أنّه ليس ممّا ادّعي في قليل و لا كثير، و أنّ هذا الأمر لنا من دونه، و قد خشينا إن تركناه علي تلك الحالة أن ينشق علينا منه (ما لا نسدّه)، و يأتي علينا ما لا نطيقه، فالآن إذ قد فعلناه، و أخطأنا في أمره بما أخطأنا، و أشرفنا من الهلاك (بالتنويه به) علي ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره، لكنا نحتاج أن نضع منه قليلا، حتّي نصوره عند الرعايا بصورة من لا يستحق هذا الأمر، ثم ندبر فيه.

فقال الرجل المدبّر: يا أمير المؤمنين، خوّلني مجادلته، فإنّي أفحمه و أصحابه، و أضع من قدره، و لو لا هيبتك في صدري لأريته منزلته؛ و نكشف للناس عن قصوره عما رشّحته له. فقال المأمون: ما شي‌ء أحبّ إليّ من هذا.

قال: فاجمع جماعة من وجوه أهل مملكتك، من القواد و القضاة و جملة الفقهاء لأبيّن نقصه بحضرتهم، فيكون تأخيرك له عن محله الذي أحللته فيه علي علم منهم بصواب فعلك.

قال: فجمع الخلق الفضلاء من رعيته في مجلس واحد واسع قعد لهم فيه، و أقعد الرضا عليه السلام في دسته التي جعلها له بين يديه، فانتدب هذا الحاجب المتضمن للموضع من الرضا عليه السلام و قال: إنّ الناس قد أخبروا عنك الحكايات و أسرفوا في وصفك، فيما أري أنّك إن وقفت عليه برئت إلي اللّه منه، و أنّك دعوت اللّه تعالي في المطر المعتاد مجيئه فجعلوا ذلك معجزة أوجبوا لك بها آية، و أنّه لا نظير لك في الدنيا، و هذا أمير المؤمنين- أدام اللّه تعالي مملكته- لا يوازن بأحد إلّا رجح عليه، و قد أحلّك المحل الذي قد عرفت، و ليس من حقّه عليك أن تسوغ الكذابين لك و عليه ما يكذبونه.

فقال الرضا عليه السلام: ما أدفع عباد اللّه عن التحدّث بنعم اللّه علي، و أمّا ذكرك صاحبك الذي أحلّني ما أحلّني، [فما أحلّني إلا] المحل الذي أحله ملك مصر يوسف الصدّيق عليه السلام، فكان حالهما ما قد عرفت. فغضب الحاجب عند ذلك و قال: يا علي بن موسي، لقد عدوت طورك، و تجاوزت قدرك، أن بعث اللّه بمطر مقدور في وقته، لا يتقدم و لا يتأخر؛ جعلته آية تستطيل بها، و صولة تصول بها، كأنّك جئت بمثل آية إبراهيم الخليل عليه السلام لمّا أخذ رءوس الطير بيده و دعا أعضاءها التي كان فرّقها علي الجبال فأتينه سعيا و نزلن علي الرءوس، و خفقن و طرن بإذن اللّه تعالي، فإن كنت صادقا فيما تزعم فأحي هذين السبعين و سلطهما علي، فإنّ ذلك حينئذ يكون آية معجزة، فأمّا المطر المعتاد فلست أنت أحق بأن يكون جاء بدعائك (دون دعاء) غيرك الذي دعا كما دعوت.

و كان الحاجب أشار إلي أسدين مصوّرين علي مسند المأمون الذي كان يستند إليه، و كانا متقابلين علي المسند، فغضب الرضا عليه السلام و صاح بالصورتين: دونكما الفاجر فافترساه في المجالس، و لا تبقيا له عينا و لا أثرا.

فوثبت الصورتان و القوم ينظرون متحيرين، فلمّا فرغا منه أقبلا علي الرضا عليه السلام و قالا: يا ولي اللّه في أرضه ما ذا تأمرنا أنفعل به ما فعلنا بهذا؟ يشيران إلي المأمون، فغشي علي المأمون منهما، فقال الرضا عليه السلام: قفا. فوقفا، ثمّ قال: صبّوا عليه ماء ورد و طيّبوه. ففعل ذلك به، و عاد الأسدان يقولان: أ تأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي افترسناه. قال: لا، فإنّ للّه عزّ و جل فيه تدبيرا ممضيه.

فقالا: فما ذا تأمرنا؟ فقال: عودا إلي مقركما كما كنتما.

فعادا إلي المسند، فصارا صورتين كما كانتا، فقال المأمون:

الحمد للّه الذي كفاني شرهما و شر حميد بن مهران. يعني الرجل المفترس، فقال للرضا عليه السلام: هذا الأمر لجدّكم صلي الله عليه و آله ثمّ لكم، و لو شئت لنزلت عنه لك».

في بيان ظهور آياته في قلب الحجر ذهبا و فيه: حديثان

۳۹۶) عن علي بن أسباط، قال: ذهبت إلي الرضا عليه السلام في يوم عرفة فقال لي: «اسرج لي حماري» فأسرجت له حماره، ثمّ خرج من المدينة إلي البقيع يزور فاطمة عليها السلام، فزار وزرت معه، فقلت: سيدي علي كم أسلّم؟ فقال لي: سلّم علي فاطمة الزهراء البتول، و علي الحسن و الحسين، و علي علي بن الحسين، و علي محمّد بن علي، و علي جعفر بن محمّد، و علي موسي بن جعفر عليهم أفضل الصلاة و أكمل التحيّات» فسلّمت علي ساداتي و رجعت.

فلمّا كان في بعض الطريق: قلت: يا سيدي إنّي معدم، و ليس عندي ما أنفقه في عيدي هذا. فحكّ الأرض بسوطه، ثمّ ضرب بيده، فتناول سبيكة ذهب، فيها مائة دينار، فقال لي: «خذها» فأخذتها فأنفقتها في أموري.

۳۹۷) و مثل ذلك ما رواه إبراهيم بن موسي، قال: ألححت علي أبي الحسن الرضا عليه السلام في شي‌ء طلبته منه لحاجتي، و كان يعدني، فخرج ذات يوم ليستقبل والي المدينة، و كنت معه، فجاء إلي قرب قصر فلان و نزل تحت شجرة و نزلت معه، و ليس معنا ثالث، فقلت له: جعلت فداك، هذا أوان ما وعدتني مرارا، و أنا معدم درهما فما سواه.

قال: فحكّ بسوطه الأرض حكّا شديدا، ثمّ ضرب بيده، فتناول سبيكة ذهب من موضع الحكّ، و قال: «خذها و انتفع بها، و اكتم عليّ ما رأيت، و الحمد للّه رب العالمين».

في بيان ظهور آياته من العلم بحديث النفس و فيه: سبعة أحاديث

۳۹۸) عن الحسن بن علي بن فضّال، قال: قال عبد اللّه بن المغيرة: كنت واقفيا، فحججت علي تلك الحالة، فلمّا صرت بمكة اختلج في صدري شي‌ء، فتعلّقت بالملتزم، ثمّ قلت: اللهمّ قد علمت طلبتي و إرادتي، فارشدني إلي خير الأديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا عليه السلام، فأتيت المدينة، فوقفت ببابه و قلت للغلام: قل لمولاك: رجل من أهل العراق بالباب.

فسمعت النداء: «ادخل يا عبد اللّه بن المغيرة» فدخلت، فلمّا نظر إليّ قال لي: «قد أجاب اللّه دعوتك و هداك لدينه» فقلت: أشهد أنّك حجّة اللّه و أمينه علي خلقه.

۳۹۹) عن أبان، عن معمّر بن خلّاد، قال: قال لي الريّان بن الصلت: أردت أن تستأذن لي علي أبي الحسن الرضا عليه السلام، فأسلّم عليه، و أحبّ أن يكسوني من ثيابه، و أن يهب لي من الدراهم التي ضربت باسمه.

فدخلت علي الرضا عليه السلام فقال مبتدئا: «إنّ الريّان بن الصلت يريد الدخول علينا، و الكسوة من ثيابنا، و العطية من دراهمنا»، فأذن له، فدخل و سلّم، فأعطاه ثوبين و ثلاثين من الدراهم (التي ضربت) باسمه.

۴۰۰) عن علي بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدّثني الريّان ابن الصلت قال: لمّا أردت الخروج إلي العراق عزمت علي توديع الرضا عليه السلام و قلت في نفسي: إذا ودّعته سألته قميصا من ثياب جسده الشريف، لأكفن فيه، و دراهم من ماله الحلال الطيّب، لأصوغ لبناتي منها خواتيم.

فلمّا ودّعته شغلني البكاء و الأسي علي مفارقته عن مساءلته، فلمّا خرجت من بين يديه صاح بي: «يا ريّان، ارجع» فرجعت، فقال لي:

«أ ما تحب أن أدفع إليك قميصا من ثياب جسدي تكفن فيه إذا فني أجلك أو ما تحبّ أن أدفع إليك دراهم تصوغ منها لبناتك خواتيم؟».

فقلت: يا سيدي قد كان في نفسي أن أسألك ذلك، فمنعني الغم لفراقك.

فرفع عليه السلام الوسادة و أخرج قميصا، فدفعه إلي، و رفع جانب المصلّي فأخرج دراهم، فدفعها إلي، و كانت ثلاثين درهما.

۴۰۱) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، قال: كنت شاكا في أبي الحسن الرضا عليه السلام، و كتبت إليه كتابا أسأله فيه الإذن عليه، و قد أضمرت في نفسي أن أسأله إذا دخلت عليه عن ثلاث آيات قد عقدت قلبي عليها.

قال: فأتاني جواب ما كتبت به إليه «عافانا اللّه و إياك، أمّا ما طلبت من الإذن عليّ فإنّ الدخول عليّ صعب، و هؤلاء قد ضيّقوا عليّ في ذلك الوقت فلست تقدر عليه الآن، و سيكون إن شاء اللّه» و كتب عليه السلام بجواب ما أردت أن أسأله من الآيات الثلاث في الكتاب، و لا و اللّه ما ذكرت له منهنّ شيئا، و لقد بقيت متعجبا بما ذكر هو في الكتاب، و لم أدر أنه جوابي إلا بعد ذلك، فوقفت علي معني ما كتب به.

۴۰۲) ابن أبي يحيي، قال: لمّا توفي أبو الحسن موسي عليه السلام وقفت فحججت تلك السنة، فإذا أنا بعلي بن موسي الرضا عليه السلام فأضمرت في نفسي أمرا فقلت: أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ فمرّ كالبرق الخاطف عليّ فقال: «أنا البشر الذي يجب عليك أن تتبعني».

فقلت: يا مولاي معذرة إلي اللّه تعالي و إليك. فقال: «مغفور لك إن شاء اللّه تعالي».

۴۰۳) و روي مالك بن نوبخت، عن جدّه أبي محمّد الغفاري، قال: لزمني دين ثقيل، فقلت: ما لقضاء ديني غير سيدي و مولاي أبي الحسن الرضا عليه السلام.

فلمّا أصبحت أتيت منزله، و استأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فقال لي: «ابتداء يا أبا محمّد، قد عرفنا حاجتك و علينا قضاء دينك».

فلمّا أمسينا أتي بطعام الإفطار، فأكلنا، فقال: «يا أبا محمّد، تبيت أو تنصرف؟» فقلت: يا سيدي، إن قضيت حاجتي بالانصراف أحبّ إلي.

قال: فتناول عليه السلام من تحت البساط قبضة و دفعها إلي، فخرجت و دنوت من السراج، فإذا هي دنانير حمر و صفر، فأول دينار وقع في يدي رأيت نقشه كان عليه: «يا أبا محمّد، الدنانير خمسون، ستة و عشرون منها لقضاء دينك، و أربعة و عشرون لنفقة بيتك».

فلمّا أصبحت فتشت الدنانير، فلم أجد ذلك الديا نار، و إذا هي لم تنقص شيئا.

و فيه ثلاث آيات.

۴۰۴) عن محمّد بن عيسي اليقطيني، قال: سمعت هشاما العباسي يقول: دخلت علي أبي الحسن الرضا عليه السلام يوما أريد أن أسأله أن يعوّذني من صداع أصابني، و أن يهب لي ثوبين من ثيابه أحرم فيهما، فلمّا دخلت سألته عن مسائل فأجابني، و نسيت حوائجي، فلمّا قمت لأخرج و أردت أن أودّعه قال لي: «اجلس» فجلست بين يديه، فوضع يده علي رأسي و عوّذني، ثمّ دعا بثوبين سعيديين علي عمل الموشي الذي كنت أطلبه، فدفعهما إلي.

في بيان ظهور آياته تجري مجري تلك و فيه: حديثان

۴۰۵) عن الحسن بن علي الوشّاء، قال: كنت كتبت مسائل كثيرة قبل أن أقطع علي الرضا عليه السلام، و جمعتها في كتاب ممّا روي عن آبائه عليهم السلام و غيره، و أردت أن أ تثبت في أمره و أختبره، فحملت الكتاب في كمي و صرت إلي منزله، و أردت أن أجد منه خلوة فأتلو له الكتاب، فجلست ناحية و أنا متفكر في طلب الإذن عليه، فإذا أنا بالغلام قد خرج من الدار و في يده كتاب، فقال: أيّكم الحسن بن علي الوشاء البغدادي؟ فقمت إليه و قلت: أنا الحسن بن علي، فما حاجتك؟ فقال: هذا الكتاب أمرني أن أدفعه إليك، فهاك. فأخذته و تنحيت ناحية، فقرأته، فإذا فيه و اللّه جواب مسألة مسألة، فعند ذلك قطعت عليه، و تركت الوقف.

۴۰۶) عن علي بن محمد الشيرواني، عن علي بن أحمد الوشّاء الكوفي، قال: خرجت من الكوفة إلي خراسان، فقالت لي ابنتي: خذ هذه الحلّة فبعها و اشتر لي بثمنها فيروزجا.

قال: فأخذتها و شددتها في بعض متاعي، و قدمت مرو، فنزلت في بعض الفنادق، فإذا غلمان علي بن موسي، المعروف بالرضا عليه السلام، قد جاءوا فقالوا: نريد حلّة نكفن فيها بعض غلماننا فقلت: ما هي عندي فمضوا ثمّ عادوا فقالوا: مولانا يقرئك السلام، و يقول:

«معك حلّة في السفط الفلاني، قد دفعتها إليك ابنتك و قالت: اشتر لي بثمنها فيروزجا، و هذا ثمنها» فدفعتها إليهم و قلت: و اللّه لأسألنه عن مسائل، فإن أجابني عنها فهو إمامي، و كتبتها و غدوت إلي بابه، فلم أصل إليه من كثرة الازدحام علي الباب. فبينا أنا جالس إذ خرج إليّ خادم فقال لي: يا علي بن محمد، هذه جوابات مسائلك التي معك.

فأخذتها فإذا هي جوابات مسائلي بعينها.

في بيان ظهور آياته في الإخبار بآجال الناس و فيه: خمسة أحاديث

۴۰۷) روي الحاكم بإسناده عن سعد بن سعد أنّه عليه السلام نظر إلي رجل فقال: «يا عبد اللّه، أوص بما تريد و استعد لما لا بد منه» فمات الرجل بعد ذلك بثلاثة أيّام.

۴۰۸) عن يحيي بن محمّد بن جعفر، قال: مرض أبي مرضا شديدا، فأتاه الرضا عليه السلام يعوده و عمّي إسحاق جالس يبكي، فالتفت إليّ و قال: «ما يبكي عمك؟» فقلت: يخاف عليه ممّا تري.

قال: «لا تغتم، فإنّ إسحاق سيموت قبله».

قال: فبرئ أبي محمّد، و مات إسحاق.

۴۰۹) عن الحسن بن بشّار، قال: قال لي الرضا عليه السلام: «إنّ عبد اللّه يقتل محمّدا» فقلت: عبد اللّه بن هارون يقتل محمد بن هارون؟! قال: «نعم، عبد اللّه الذي بخراسان، يقتل محمّد بن زبيدة الذي هو ببغداد» فقتله، و كان كما قال.

۴۱۰) عن موسي بن مهران، قال: قال لي الرضا عليه السلام و قد نظر إلي هرثمة بالمدينة فقال: «كأنّي به و قد حمل إلي مرو فضرب عنقه» فكان كما قال.

۴۱۱) عن الحسن بن علي الوشّاء، قال: كنت مع الرضا عليه السلام بمني فمرّ يحيي بن خالد مع قوم من آل برمك، فقال:

«مساكين، ما يدرون ما يحلّ بهم في هذه السنة».

ثمّ قال: «و أعجب من هذا هارون و أنا كهاتين». و ضمّ إصبعيه.

قال مسافر: فما عرفت معني الحديث حتّي دفنّاه معه.

في بيان آياته فيما أخبر به ممّا رآه في المنام و فيه: حديثان

۴۱۲) روي الحاكم أبو عبد اللّه النيسابوري بإسناده في كتابه (مفاخر الرضا عليه السلام) عن أبي حبيب النباجي قال: رأيت رسول اللّه صلي الله عليه و آله في المنام، و قد وافي النباج، و نزل في المسجد الذي ينزله الحاج في كل سنة، و كأني مضيت إليه، و سلّمت عليه، و وقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقا من خوص نخل المدينة، فيه تمر صيحاني، و كأنّه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني إيّاها، فعددته، فكان ثماني عشر، فتأوّلت أن أعيش بعد ذلك ثماني عشرة سنة، بعدد كل تمرة سنة.

فلمّا كان بعد عشرين يوما كنت في أرض لعمي بين يدي الزراعة إذ رآني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا عليه السلام من المدينة و نزوله ذلك المسجد، و رأيت الناس يسرعون إليه، فمضيت نحوه، فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي صلي الله عليه و آله، و تحته حصير مثل ما كان تحت النبي صلي الله عليه و آله، و بين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني، فسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام فناداني، و ناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده بعدد الذي ناولني رسول اللّه صلي الله عليه و آله، فقلت له: زدني يا ابن رسول اللّه، جعلني اللّه فداك. فقال لي: «لو زادك جدّي رسول اللّه لزدتك».

۴۱۳) عن أحمد بن علي بن الحسن الثعالبي، قال: حدّثني أبو أحمد عبد اللّه بن عبد الرحمن المعروف بالصفواني، قال: خرجت قافلة من خراسان إلي كرمان فقطع اللصوص عليهم الطريق، و أخذوا منهم رجلا اتهموه بكثرة المال و أقاموه في الثلج، و ملأوا فاه منه فانفسد فمه و لسانه حتّي لم يقدر علي التكلم، ثمّ انصرف إلي خراسان و سمع بخبر أبي الحسن الرضا عليه السلام بنيسابور، فرأي فيما يري النائم كأنّ قائلا يقول له: إنّ ابن رسول اللّه نازل بخراسان فاسأله عن علتك ليعمل لك الدواء فتنتفع به.

قال: فرأيت كأني قد قصدته و شكوت إليه ما كنت وقعت فيه، و أخبرته فقال لي: «خذ من الكمون و السعتر و الملح و دقه، و خذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا فإنّك تعافي» فانتبه الرجل من منامه و لم يفكر فيما كان رأي في المنام حتّي ورد باب نيسابور فقيل له: إنّ علي بن موسي الرضا عليه السلام قد ارتحل من نيسابور و هو برباط سعد، فوقع في نفسه أن يقصده و يصف له أمره، فدخل عليه فقال: يا ابن رسول اللّه، كان من أمري كيت و كيت، و قد انفسد فمي و لساني [و] لا أقدر علي الكلام إلّا بجاهد، فعلمني دواء أنتفع به.

فقال عليه السلام: «أ لم أعلمك؟! فاذهب و استعمل ما وصفت لك في المنام» فقال الرجل: يا ابن رسول اللّه، إن رأيت أن تعيده علي. فقال لي: «خذ من الكمون و السعتر و الملح فدقه، و خذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا تعافي» فقال الرجل: فاستعملت منه فعافاني اللّه تعالي.

في بيان آياته في الإخبار بالمغيبات و فيه: عشرة أحاديث

۴۱۴) عن الحسين بن موسي بن جعفر، قال: كنّا حول أبي الحسن الرضا عليه السلام و نحن شبان بني هاشم، إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي و هو رث الهيئة، فنظر بعضنا إلي بعض، و ضحكنا من هيئته، فقال الرضا عليه السلام: «سترونه عن قريب كثير المال و التبع» فما مضي إلّا شهر أو نحوه حتّي ولي المدينة و حسنت حاله، و هو يمرّ بنا و معه الخصيان و الحشم.

۴۱۵) عن عبد اللّه بن محمّد الهاشمي العلوي قال: دخلت علي المأمون فحدّثني مليا، ثمّ أخرج من كان عنده لمكاني، فلمّا خلا المجالس دعا بماء فغسلنا أيدينا، ثمّ أتي بطعام فطعمنا، ثمّ أمر بستارة فمدّت، ثمّ أقبل علي واحدة من الجواري و قال: يا بنت فلان، لما رثيت لنا من بطوس قاطنا. فأنشأت الجارية تقول شعرا:

سقيا لطوس و من أضحي به قطنا

من عترة المصطفي ابقي لنا حزنا

فبكي المأمون حتّي اخضلت لحيته من دموعه، ثمّ قال: يا عبد اللّه، أ يلومني أهل بيتي و أهل بيتك أن أنصب أبا الحسن علما، فو اللّه لأحدّثنك بحديث، فاكتمه علي.

جئته يوما فقلت له: جعلت فداك، آباؤك موسي بن جعفر و جعفر بن محمد و محمّد بن علي و علي بن الحسين و الحسين بن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليهم السلام كان عندهم علم ما كان و ما يكون إلي يوم القيامة، و أنت وصي القوم، و عندك علمهم، و هذه الزاهرية حظيتي و من لا أقدّم عليها أحدا من جواري، و قد حملت غير مرّة كل ذلك تسقط، و هي حبلي، أ فلا تعلمني شيئا أعلمها فتعالج به فلعلها تسلم؟

قال المأمون: فأطرق إطراقة ثم رفع رأسه و قال: «لا تخف من إسقاطها، فإنّها ستسلم و تلد لك غلاما أشبه الناس بأمّه، كأنّ وجهه الكوكب الدري، و قد زاد اللّه في خلقه مرتين». قلت: فما المرتان الزائدتان؟ قال: «فالأولي بيده اليمني خنصرة زائدة ليست بالمدلاة، و في رجله اليسري خنصرة زائدة ليست بالمدلاة».

فتعجبت من ذلك، و لم أزل أتوقع من الزاهرية حتّي إذا قرب أمرها جاءتني القيّمة علي الجواري و علي أمّهات الأولاد فقالت: يا سيدي، إن الزاهرية قد دنت ولادتها، فتأذن لي أن أدخل عليها القوابل؟ فأذنت لها في ذلك.

ثمّ قلت: إذا وضعت المولود فأتيني به ذكرا كان أو أنثي؛ فما شعرت إلّا و أنا بالقابلة قد أتتني بغلام مدرج في حريرة، فكشفت عن وجهه كأنّه الكوكب الدري، أشبه الناس بأمّه، فرددت الغلام علي القابلة، و قمت أسعي حافيا، و كان عليه السلام نزل معي في الدار، فإذا هو في بيت يصلّي، فلمّا أحسّ بي خفف صلاته، فسلّمت عليه، ثمّ جئت إلي موضع سجوده فقبّلته و قلت: يا سيدي أنت الداعي المطاع، و أنا من رعيتك، فأخرجت خاتمي و جعلته في أصبعه و قلت:

مرني بأمرك انتهي إلي ما تأمرني به، و اللّه إنّه لو فعل لفعلت، و لكن لعن اللّه حمزة و محمدا ابني جعفر فإنّهما قتلاه، و اللّه ما فعلت و لا أمرت و لا دسست، و قد أمرت بقاتليه فقاتلا سرّا. ثمّ بكي. و أبكاني؛ و كان حمزة و محمد من بني العباس.

۴۱۶) عن أبي هاشم الجعفري، قال: لمّا بعث المأمون رجاء بن الضحّاك لحمل أبي الحسن الرضا عليه السلام من المدينة إلي خراسان حمله علي طريق الأهواز، و لم يمرّ به علي طريق العراق و الكوفة، و كنت بالشرق من إيذج فبلغني ذلك، فسرت فلقيته و قد نزل به الرجاء بن الضحاك الأهواز، فسلّمت عليه و تعرفت إليه و انتسبت، و ذلك أول لقائي به و صحبتي إيّاه، فقال خيرا كثيرا، و رأيته قليلا، و ذلك زمن القيظ في الصيف، فقلت: يا سيدي و ابن ساداتي، ما تجشم بك هذا الصيف؟ فقال: «هيهات يا أبا هاشم، و لكن ادع لي طبيبا من أطباء هذه البلاد، أنعت له بقلة هاهنا عسي أن يعرفها».

فأتيته بطبيب، فنعت له بقلة فقال له الطبيب: لا أعرف علي وجه الأرض أحدا يعرف اسمها غيرك، فمن أين عرفتها؟ و ليست في هذه الأوطان، و لا في هذا الأوان، و لا في هذا الزمان!

قال: «فابغ لي قصب السّكّر» فقال الطبيب: هذا أدني من الأول، ما هذا بزمان قصب السكّر، و لا يكون إلّا في الشتاء.

قال: فقال له عليه السلام: «بل هما في أرضكم هذه، و زمانكم هذا، و هذا معك فأمضيا إلي شاذروان الماء فاعبراه فيرجع لكما جوخان، فاقصداه فتجدان هناك رجلا أسود في جوخان فقولا: أرنا منابت قصب السكر و منابت الحشيشة» عن أبي هاشم فقال: «يا أبا هاشم، دونك القوم».

فقمت معهما، فإذا أنا بالجوخان و الرجل الأسود هناك، فسألناه فأومي إلي ظهره، فإذا قصب السكّر، فأخذنا منه حاجتنا و رجعنا إلي الجوخان فلم نر صاحبه فيه، فانصرفنا إلي الرضا عليه السلام فحمد اللّه كثيرا، فقال لي الطبيب: من هذا؟! قلت: ويلك، ابن سيّد الأنبياء.

قال: أ فعنده من أقاليد النبوة شي‌ء؟ قلت: قد شهدت بعضها، و لكنه ليس بنبي.

قال: و هذا وصي نبي؟ قلت: أمّا هذا فنعم.

فبلغ ذلك رجاء بن الضحاك فقال لأصحابه: إن أخطأتم به طريق الكوفة و العراق فما أخطأتم هذا الموضع الذي قد أظهر فيه الأعاجيب، و لئن أقمتم بعد هذا لتمدّن إليه الرقاب. فارتحل به.

و قد ذكر الهاشمي المنصوري ذلك في دلائله عن عمّه أبي موسي، و ليس فيه ذكر أبي هاشم.

۴۱۷) عن أبي الصلت الهروي، قال: بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن الرضا عليه السلام إذ قال لي: «يا أبا الصلت، ادخل القبة التي فيها قبر هارون، فأتني بتراب من أربعة جوانبها».

قال: فمضيت و أتيته، فلمّا مثلت بين يديه قال لي: «ناولني هذا التراب الذي هو من عند قبره» فناولته، فأخذه و شمّه ثمّ رمي به و قال:

«سيحفر لي في هذا الموضع، فتظهر صخرة لو جمع لها كلّ معول بخراسان لم يتهيأ قلعها».

ثمّ قال: «سيحفر لي في هذا الموضع فأمرهم أن يحفروا لي سبع مراق إلي أسفل، و أن يشق في صخرة فإن أبوا إلّا أن يلحدوا فأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين و شبرا، فإنّ اللّه عزّ و جل سيوسعه لي ما شاء، فإذا فعلوا ذلك فإنّك تري عند رأسي نداوة، فتكلم بالكلام الذي أعلّمك فإنّه ينبع الماء حتّي يمتلئ اللّحد، و تري فيه حيتانا صغارا، ففتّت لها الخبز الّذي أعطيك فإنّها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شي‌ء خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتّي لا يبقي منها شي‌ء ثمّ تغيب، فإذا غابت فضع يدك علي الماء ثمّ تكلم بالكلام الّذي أعلّمك، فإنّه ينضب الماء و لا يبقي منه شي‌ء، و لا تفعل ذلك إلّا بحضرة المأمون».

ثمّ قال عليه السلام: «يا أبا الصلت، غدا أدخل إلي هذا الفاسق الفاجر، فإن أنا خرجت مكشوف الرأس فتكلم، أكلمك، و إن خرجت و أنا مغطي الرأس فلا تكلمني».

قال أبو الصلت: فلمّا أصبحنا من الغد لبس ثيابه، و جلس في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون فقال: أجب أمير المؤمنين، فلبس نعليه و رداءه، و أمرني أن أتبعه حتّي دخل علي المأمون و بين يديه طبق عليه عنب و أطباق فاكهة، و بيده عنقود عنب قد أكل بعضه و بقي بعضه، فلمّا بصر بالرضا عليه السلام وثب إليه، و عانقه و قبّل ما بين عينيه و أجلسه معه، ثمّ ناوله العنقود و قال: يا ابن بنت رسول اللّه، رأيت عنبا أحسن من هذا؟ فقال الرضا عليه السلام:

«ربما يكون في الجنة أحسن منه» فقال له: كل منه.

فقال له الرضا عليه السلام: «اعفني منه» فقال: لا بد من ذلك، و ما يمنعك منه؟ لعلك تتهمنا بشي‌ء؟

فتناول العنقود و أكل منه ثمّ ناوله، فأكل الرضا عليه السلام منه ثلاث حبّات ثمّ رماه و قام، فقال المأمون: إلي أين؟ قال: «إلي حيث وجهتني».

فخرج عليه السلام و هو مغطي الرأس، فلم أكلمه حتّي دخل الدار. و الحديث طويل.

فلمّا قبض عليه السلام أمر المأمون بحفر قبره، فحفرت الموضع فظهر كل شي‌ء علي ما وصف الرضا عليه السلام، و فعلت ما أمرني به، فلمّا رأي المأمون ما ظهر من الماء و الحيتان و غير ذلك قال: لم يزل الرضا عليه السلام يرينا من عجائبه في حياته حتّي أراناها بعد وفاته أيضا. فقال له وزير كان معه: أ تدري ما أخبرك به الرضا عليه السلام؟ قال: لا، قال: أخبرك بأن مثلكم يا بني العباس مع كثرتكم و طول مدّتكم مثل هذه الحيتان الصغار، حتّي إذا فنيت آجالكم و انقضت أيامكم، و ذهبت دياركم سلط اللّه تعالي عليكم رجلا منّا فأفناكم عن آخركم، قال: صدقت، و في الحديث طول.

۴۱۸) و روي هرثمة بن أعين ما يخالف بعضه ذلك، و هذا هو الأكثر و قد روي ذلك عن طريق العامّة أيضا.

۴۱۹) عن جعفر بن محمّد النوفلي، قال: أتيت الرضا عليه السلام و هو بقنطرة أربق، فسلّمت عليه، ثمّ جلست و قلت: جعلت فداك، إنّ أناسا يزعمون أنّ أباك حي، فقال: «كذبوا لعنهم اللّه، لو كان حيّا ما قسّم ميراثه، و لا نكح نساؤه، و لكنه و اللّه ذاق الموت كما ذاقه علي بن أبي طالب عليه السلام».

قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «عليك بابني محمد من بعدي، و أمّا أنا فإنّي غائب في وجه لا أرجع منه، فبورك قبر بطوس، و قبران ببغداد».

قلت: جعلت فداك، قد عرفنا واحدا، فمن الثاني؟ قال: «ستعرفونه».

ثمّ قال: «قبري و قبر هارون هكذا» و ضمّ اصبعيه.

۴۲۰) عن حمزة بن جعفر الأرجاني، قال: خرج هارون من المسجد الحرام من باب فقال عليه السلام- و هو يعني هارون-: «ما أبعد الدار و أقرب اللقاء يا طوس يا طوس، ستجمعني و إيّاه».

۴۲۱) عن أبي الحسن الطيّب، قال: لمّا توفي أبو الحسن موسي عليه السلام دخل أبو الحسن الرضا عليه السلام السوق فاشتري كلبا و ديكا و كبشا، فلمّا كتب صاحب الخبر بذلك إلي هارون الرشيد قال: أمنا جانبه.

و كتب إليه الزبيري: إنّ علي بن موسي الرضا قد فتح بابه و دعا إلي نفسه. فقال هارون الرشيد: وا عجباه، إنّ علي بن موسي قد اشتري كلبا و ديكا و كبشا، و يكتب فيه ما يكتب.

فقال المصنف لهذا الكتاب رحمه اللّه: إنّ هذا أمر عجيب حيث علم إن فعل ذلك لم يجد إلي قتله سبيلا، و لا إلي التشبث بذيله وسيلة.

۴۲۲) عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال: كان لي جار يشرب المسكر و ينتهك ما اللّه به أعلم.

قال: فذكرته للرضا عليه السلام، و كان له محبا، فقال: «يا أبا إسحاق، أ ما علمت أنّ ولي علي لم تزلّ له قدم إلّا و تثبت له أخري؟».

قال: فانصرفت، فإذا أنا بكتاب منه قد أتاني فيه حوائج له، فأمرني أن أشتريها بستين دينارا، فقلت في نفسي: و اللّه ما عودني أن يكتب إلي، إذ لم يكن عندي شي‌ء، و لا أعلم له عندي شيئا.

فلمّا كان من الليل إذا أنا برجل جاءني سكران، فدعاني من خلف الباب، فنزلت إليه فقال لي: اخرج. فقلت: لا أفعل، في هذه الساعة ما حاجتك؟ إذ أتيت قال: فأخرج يدك و خذ هذه الصرّة، و ابعث بها إلي مولاي لينفقها في الحاجة، و ما يقدر أن يتكلم من السكر، فأخذت ما أعطاني و انصرفت، فنظرت وزنها فإذا هي ستون دينارا فقلت: و هذا و اللّه مصداق ما قال لي في ولي علي، و في كتابه بحاجته. فاشتريت حوائجه، و كتبت إليه بفعل الرجل فكتب: «هذا من ذلك».

۴۲۳) عن الحسين بن عمر بن يزيد، قال: خرجت بعد مضي أبي الحسن موسي عليه السلام، فلمّا صرت قرب المدينة قلت لمقاتل بن مقاتل: غدا تدخل علي هذا الرجل؟ قال: و أي رجل؟

قلت: علي بن موسي قال: و اللّه لا تفلح أبدا، لم لا تقول: هو حجّة اللّه؟ قلت: و ما يدريك؟ قال: أشهد أنّ أباه قد مات، و أنّه حجة اللّه علي خلقه، و اللّه لا دخلت معك أبدا.

قال الحسين بن عمر: فلمّا كان من الغد مضيت فدخلت علي الرضا عليه السلام بالغداة فقال: «مرحبا بك يا حسين» ثمّ أقعدني و سألني عن سفري، و عليه قميص هاروني و إزار صغير فقلت له: ما فعل أبوك؟ فقال: «مضي».

فقلت له: جعلت فداك، أي مضي مضي؟ قال: «مضي مضي الموت».

فقلت له: من الإمام من بعده؟ قال: «أنا الذي من خالفني كفر».

قال: فلم أقبل منه، قال: «فأي شي‌ء لك علي أبي؟» قلت:

أنت أعلم.

قال: «لك عليه ألف دينار و هي عليّ حتي أقضيكها» قال: فلم أقطع عليه.

ثمّ قال: «يا حسين- بعد ما سكت هنيئة- رجل معك يقال له:

مقاتل بن مقاتل» قلت: جعلت فداك، هو من مواليك، فقال لي: «قل له: أصبت فالزم».

قلت: يا مولاي هذه آية، أشهد أنّ أباك قد مضي، و أنّك الإمام من بعده.

في بيان ظهور آياته في معان شتي و فيه: سبعة أحاديث

۴۲۴) عن محمد بن العلاء الجرجاني، قال: حججت فرأيت علي بن موسي الرضا عليه السلام يطوف بالبيت، فقلت له: جعلت فداك، هذا الحديث قد روي عن النبي صلي الله عليه و آله: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».

قال: فقال: «نعم، حدّثني أبي، عن جدّي، عن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».

قال: فقلت له: جعلت فداك، و من مات ميتة جاهلية. قال:

«مشرك».

قال: قلت: فمن إمام زماننا؟ فإنّي لا أعرفه. قال: «أنا هو».

فقلت له: ما علامة أستدل بها؟ قال: «تعالي إلي البيت». و قال للغلمان: «لا تحجبوه إذا جاء». قال: فأتيته من الغد، فسلّم عليّ و قرّبني، و جعل يناظرني، و بين يديه صبي، و بيده رطب يأكله، فنطق الصبي و قال: الحق حق مولاي، و هو الإمام.

قال محمّد بن العلاء: فتغير لوني و غشي علي، فحلّفني أشدّ الأيمان أن لا أخبر به أحدا حتّي يموت.

۴۲۵) عن أبي واسع محمّد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري، قال: سمعت جدّتي خديجة بنت حمدان قالت: لمّا دخل علي بن موسي الرضا عليه السلام نيسابور نزل محلة قرفي ناحية تعرف بلاد سناباد في دار لجدّتي تعرف پسنده لأنّ الرضا عليه السلام ارتضاها من بين الدور. و پسنده كلمة فارسية معناها: مرضي.

فلمّا نزل عليه السلام دارنا زرع لوزة في جانب من جوانب الدار، فنبتت و صارت شجرة، و أثمرت في سنته، فعلم الناس بذلك و كانوا يستشفون بلوز تلك الشجرة، فمن أصابته علّة يتبارك بالتناول من ذلك اللوز مستشفيا به فعوفي.

و من أصابه رمد جعل من ذلك اللوز علي عينيه عوفي.

و كانت الحامل إذا عسرت ولادتها تناولت من ذلك اللوز فتخف عليها الولادة و تضع من ساعتها، و كان إذا أخذ القولنج دابّة من دواب الناس أخذ من قضبان تلك الشجرة فأمرّه علي بطنها فتعافي، و يذهب عنها ريح القولنج ببركة الرضا عليه السلام.

فمضت الأيّام علي تلك الشجرة و يبست، فجاء جدّي حمدان فقطع أغصانها فعمي.

و روي في تلك الشجرة آيات كثيرة، ذكرها الحافظ أبو عبد اللّه في مؤلفه المسمي ب (مفاخر الرضا عليه السلام) و قد اقتصرنا هنا نحن علي هذا القدر.

۴۲۶) عن عيسي بن موسي العماني، قال: دخل الرضا عليه السلام علي المأمون فوجد فيه همّا فقال: «إنّي أري فيك همّا؟» قال المأمون: نعم، بالباب بدوي و أنّه قد دفع سبع شعرات يزعم أنّها من لحية رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و قد طلب الجائزة، فإن كان صادقا و منعت الجائزة فقد بخست شرفي، و إن كان كاذبا و أعطيته الجائزة فقد سخر بي، و ما أدري ما أعمل به؟

فقال الرضا عليه السلام: «عليّ بالشعر». فلمّا رآه شمّه و قال:

«هذه أربع من لحية رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و الباقي ليس من لحيته». فقال المأمون: من أين قلت هذا؟ فقال: «عليّ بالنار». فألقي الشعر في النار فاحترقت ثلاث شعرات، و بقيت الأربع التي أخرجها الرضا عليه السلام لم يكن للنار عليها سبيل، فقال المأمون: عليّ بالبدوي. فلمّا مثل بين يديه أمر بضرب رقبته، فقال البدوي: ما ذنبي؟ قال: تصدق عن الشعر. فقال: أربعة من لحية رسول اللّه صلي الله عليه و آله، و ثلاثة من لحيتي.

فتمكن الحسد في قلب المأمون.

۴۲۷) عن سهل بن زياد، عن علي بن محمد القاشاني، قال: أخبرني بعض أصحابنا أنّه حمل إلي أبي الحسن الرضا عليه السلام مالا خطيرا فلم أره يسرّ به.

قال: فاغتممت لذلك، و قلت في نفسي: قد حملت مثل هذا المال و لم يسرّ به.

قال: فقال: «يا غلام، عليّ بالطست و الماء». و قعد علي كرسي و قال للغلام بيده: «صبّ علي يدي الماء».

قال: فصبّ علي يده الماء، فجعل يسيل من بين أصابعه في الطست ذهبا، ثمّ التفت إليّ و قال لي: «من كان هكذا لا يبالي بالذي حملت».

۴۲۸) عن الحسن بن منصور، عن أخيه قال: دخلت علي الرضا عليه السلام في بيت داخل في جوف بيت [ليلا]، فرفع يده عليه السلام، فإذا بها ضياء عشرة مصابيح، فاستأذن عليه رجل فخلّي يده، ثمّ أذن له.

۴۲۹) عن أبي إسماعيل السندي، قال: سمعت بالسند أنّ للّه تعالي في العرب حجّة، فخرجت منها في الطلب، فدللت علي الرضا عليه السلام، فقصدته، فدخلت عليه و أنا لا أحسن من العربيّة كلمة، فسلّمت عليه بالسنديّة، فردّ عليّ بها، فجعلت أكلّمه بالسندية و هو يجيبني بها، فقلت له: إنّي سمعت بالسند أنّ للّه في العرب حجّة، فخرجت في الطلب. فقال: «أنا هو».

ثمّ قال: «فسل عمّا تريد» فسألته عمّا أردت، فلمّا أردت القيام من عنده قلت: إنّي لا أحسن من العربية شيئا، فادع اللّه أن يلهمنيها لأتكلم بها مع أهلها، فمسح بيده علي شفتي، فتكلمات بالعربيّة من وقتي ببركته.

۴۳۰) عن علي بن إبراهيم، عن بعض أصحابنا، قال: خرج الرضا عليه السلام من المدينة في السنة التي خرج فيها هارون، و هو يريد الحج، و انتهي إلي جبل عن يسار الطريق و أنت ذاهب إلي مكة، يقال له (فارع) فنظر إليه و قال: «باني فارع و هادمه يقطع إربا إربا» فلم أدر ما معني ذلك.

فلمّا وافي هارون نزل بذلك الموضع من الجبل، و صعد جعفر بن يحيي ذلك الموضع من الجبل، و أمر أن يا بني له فيه مجلس، فلمّا رجع من مكّة صعد إليه و أمر بهدمه، فلمّا انصرف إلي العراق قطع إربا إربا.

الباب الثاني عشر في بيان آيات أبي جعفر محمّد بن علي التقي عليهما السلام

في بيان ظهور آياته و معجزاته في إحياء الموتي و فيه: حديث واحد

۴۳۱) عن أحمد بن محمّد الحضرمي، قال: حجّ أبو جعفر عليه السلام فلمّا نزل زبالة فإذا هو بامرأة ضعيفة تبكي علي بقرة مطروحة علي قارعة الطريق، فسألها عن علّة بكائها فقامت المرأة إلي أبي جعفر عليه السلام و قالت: يا ابن رسول اللّه؛ إنّي امرأة ضعيفة لا أقدر علي شي‌ء، و كانت هذه البقرة كل مال أملكه، فقال لها أبو جعفر عليه السلام: «إن أحياها اللّه تبارك و تعالي لك فما تفعلين؟» قالت:

يا ابن رسول اللّه لأجددنّ للّه شكرا.

فصلّي أبو جعفر ركعتين و دعا بدعوات ثمّ ركض برجله البقرة، فقامت البقرة، و صاحت المرأة: عيسي بن مريم. فقال أبو جعفر عليه السلام: «لا تقولي هذا، بل عباد مكرمون، أوصياء الأنبياء».

في بيان ظهور آياته فيما كلم في المهد و فيه: حديث واحد

۴۳۲) عن علي بن عبيدة، عن حكيمة بنت موسي عليه السلام قالت: لمّا حضرت ولادة الخيزران أدخلني أبو الحسن الرضا عليه السلام و إيّاها بيتا، و أغلق علينا الباب و القابلة معنا.

فلمّا كان في جوف الليل انطفأ المصباح فاغتممت لذلك، فما كان بأسرع أن بدر أبو جعفر عليه السلام فأضاء البيت نورا فقلت لأمّه:

قد أغناك اللّه عن المصباح. فقعد في الطست و قبض عليه و علي جسده شي‌ء رقيق شبه التور.

فلما أن أصبحنا جاء الرضا عليه السلام فوضعه في المهد، و قال لي: «الزمي مهده».

قالت: فلما كان اليوم الثالث رفع بصره إلي السماء ثمّ لمح يمينا و شمالا، ثمّ قال: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله». فقمت رعدة فزعة، فأتيت الرضا عليه السلام فقلت له: رأيت عجبا! فقال: «و ما الذي رأيت؟» فقلت: هذا الصبي فعل الساعة كذا و كذا! قالت: فتبسم الرضا عليه السلام و قال: «ما ترين من عجائبه أكثر».

في بيان ظهور آياته في كمال عقله في سن الأطفال و فيه: حديث واحد

۴۳۳) عن الريّان بن شبيب، قال: لمّا أراد المأمون أن يزوج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن علي عليهما السلام، أنكر عليه بنو العباس- في حديث طويل- إلي أن قال لهم المأمون: إنّي اخترت أبا جعفر عليه السلام لتبرزه علي كافّة أهل الفضل في العلم و الفضل مع صغر سنّه و الأعجوبة فيه بذلك، و أنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرأي ما قد رأيت.

فقالوا: إنّ هذا الفتي و إن راقك منه هديه فإنّه صبي لا معرفة له و لا فقه، فامهله حتّي يتأدب و يتفقّه في الدين، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.

فقال لهم: و يحكم، إنني أعرف بهذا الفتي منكم، و إنّ أهل البيت علمهم من اللّه تعالي موادّه و الهامه، و هذا لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين و الأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوه. فرضوا بذلك و أتوا بيحيي بن أكثم القاضي، و هو يومئذ قاضي الزمان، فالتمسوا منه أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، و وعدوه بأموال نفيسة، و عادوا إلي المأمون و سألوه أن يختار يوما، فأجابهم إلي ذلك.

فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه، و حضر يحيي بن أكثم و أمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السلام دست و يجعل فيه مسورتان ففعل ذلك، و جلس المأمون في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام، و جلس يحيي بن أكثم بين يديه فقال للمأمون: أ تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر بن علي؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك. فأقبل إليه يحيي بن أكثم فقال له: أ تأذن لي، جعلت فداك في مسألة؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: «سل إن شئت»

قال: ما تقول في محرم قتل صيدا؟ فقال له أبو جعفر: «قتله في حل أو حرم؟ عالما كان المحرم أم جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟ حرّا كان المحرم أم عبدا؟ صغيرا كان المحرم أم كبيرا؟ مبتدئا بالقتل كان أم معيدا؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرّا علي ما فعل أو نادما؟ في الليل كان قتله أو نهارا؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج محرما؟».

فتحيّر يحيي بن أكثم، و بان في وجهه العجز و الانقطاع، و تلجلج حتّي عرف جماعة من أهل المجالس عجزه، فقال المأمون: الحمد للّه علي هذه النعمة و التوفيق و الرأي، ثمّ نظر إلي أهل بيته فقال لهم:

أ عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟

فلمّا تفرّق القوم و بقي الخاصّة قال المأمون لأبي جعفر عليه السلام: إن رأيت، جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيد لنعلمه و نستفيده،

فقال أبو جعفر عليه السلام: «نعم، إنّ المحرم إذا قتل صيدا في الحل و كان الصّيد من ذوات الطير، و كان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، و إذا قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن، و إذا قتله في الحرم فعليه الحمل و قيمة الفرخ، و إن كان من الوحش و كان حمار وحش فعليه بقرة، و إن كان نعامة فعليه بدنة، و إن كان ظبيا فعليه شاة، و إن قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة، و إذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه، و كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة، و جزاء الصيد علي العالم و الجاهل سواء، و في العمد المأثم و هو موضوع عنه في الخطأ، و الكفّارة علي الحر في نفسه، و علي السيّد في عبده، و الصغير لا كفّارة عليه، و هي علي الكبير واجبة، و النادم يسقط عنه بندمه عقاب الآخرة، و المصرّ يجب عليه عقاب الآخرة» فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر، أحسن اللّه إليك.

و في الحديث طول قد اقتصرنا علي هذا القدر.

في بيان ظهور آياته في كلام العصا في يده و فيه: حديث واحد

۴۳۴) عن محمّد بن أبي العلاء قال: سمعت يحيي بن أكثم قاضي القضاة يقول: بعد ما جاهدت به و ناظرته غير مرّة و حاورته في ذلك، و لاطفته و أهديت له طرائف، و كنت أسأله عن علوم آل محمّد صلي الله عليه و آله قال: «أخبرك بشرط أن تكتم عليّ ما دمت حيا، ثمّ شأنك به إذا مت».

فبينا أنا ذات يوم بالمدينة فدخلت المسجد أطوف بقبر رسول اللّه صلي الله عليه و آله فرأيت محمّد بن علي الرضا عليه السلام يطوف بالقبر الشريف، فناظرته في مسائل عندي فأخرجها إلي، فقلت له: إنّي و اللّه أريد أن أسألك عن مسألة، و إنّي و اللّه لأستحي من ذلك، فقال لي:

«إني أخبرك بها قبل أن تخبرني و تسألني عنها، تريد أن تسألني عن الإمام». فقلت: هو و اللّه هذا. فقال: «أنا هو». فقلت: علامة، و كان في يده عصاه، فنطقت و قالت: إنّ مولاي إمام هذا الزمان، و هو الحجّة عليهم.

في بيان ظهور آياته في قطع المسافة و فيه: حديثان

۴۳۵) عن محمّد بن قتيبة، عن مؤدب كان لأبي جعفر عليه السلام قال: إنّه كان بين يديّ يوما يقرأ في اللوح إذ رمي اللوح من يده و قام فزعا و هو يقول: «إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، مضي و اللّه، مات أبي عليه السلام» فقلت: من أين علمت هذا؟ فقال: «دخلني من إجلال اللّه و عظمته شي‌ء لا أعهده». فقلت: و قد مضي؟!

قال: «دع عنك هذا، ائذن لي أن أدخل البيت و أخرج إليك، و استعرضني باي القرآن إن شئت سأفسر لك و تحفظه» فدخل البيت، فقمت و دخلت في طلبه اشفاقا منّي عليه، فسألت عنه فقيل: دخل هذا البيت و ردّ الباب دونه، و قال: «لا تأذنوا عليّ لأحد حتّي أخرج إليكم» فخرج متغيرا و هو يقول: «إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، مضي و اللّه أبي» فقلت: جعلت فداك، قد مضي؟! فقال: «نعم، و تولّيت غسله و تكفينه، و ما كان ذلك ليلي منه غيري».

ثمّ قال لي: «دع عنك و استعرضني آي القرآن إن شئت أفسر لك تحفظه». فقلت: الأعراف؛ فاستعاذ باللّه من الشيطان الرجيم ثمّ قرأ: «بسم اللّه الرحمن الرحيم وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ».

فقلت: المص فقال: «هذا أول السورة» و هذا ناسخ، و هذا منسوخ، و هذا محكم و هذا متشابه، و هذا خاص و هذا عام، و هذا ما غلط به الكتّاب، و هذا ما اشتبه عليه الناس.

يقول المصنف رضي اللّه عنه: إنّه كان بالمدينة و أبوه بطوس.

و روي ذلك أبو الصلت الهروي، و قال: لمّا مضي الرضا عليه السلام، و أغلقنا الباب دخل علينا فتي و الباب مغلق من صفته كذا و كذا، و القصة مشهورة.

۴۳۶) عن علي بن خالد قال: كنت بالعسكر فبلغني أنّ هناك رجلا محبوسا أتي به من ناحية الشام مكبولا، فقالوا: إنّه تنبؤ حق.

قال: فأتيت الباب و استأذنت البواب حتّي وصلت إليه فإذا رجل له فهم و عقل، فقلت له: يا هذا ما قصتك؟

قال: إني كنت رجلا بالشام أعبد اللّه تعالي في الموضع الذي يقال أنّه نصب فيه رأس الحسين عليه السلام، فبينما أنا ذات ليلة مقبل علي المحراب أذكر اللّه تعالي إذ رأيت شخصا بين يدي، فنظرت إليه فقال لي: «قم» فقمت معه، فمشي بي قليلا فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: «تعرف هذا المسجد؟» فقلت: نعم، هذا مسجد الكوفة.

قال: فصلّي و صلّيت معه، ثمّ خرج و خرجت معه، و مشي بي قليلا، فإذا أنا بمكّة، فطاف بالبيت فطفت معه، ثمّ خرج فمشي قليلا، فإذا أنا بالموضع الذي كنت أعبد اللّه فيه بالشام، و غاب الشخص عن عيني، فبقيت متعجبا متهولا مما رأيت.

فلما كان في العام المقبل رأيت ذلك الشخص فاستبشرت به، و دعاني فأجبته، ففعل كما فعل في العام الماضي، فلمّا أراد مفارقتي بالشام قلت له: سألتك بالذي أقدرك علي ما رأيت منك إلّا أخبرتني من أنت؟ فأطرق طويلا ثمّ نظر إليّ و قال: «أنا محمّد بن علي بن موسي».

و تراقي الخبر إلي محمّد بن عبد الملك الزيّات فبعث إليّ و كبلني في الحديد، و حملني إلي العراق و حبست كما تري و ادّعي عليّ المحال، فقلت له: فارفع قصتك إلي محمّد بن عبد الملك؟ فقال: افعل.

فكتبت عنه قصة شرحت أمره فيها، و رفعتها إلي محمّد بن عبد الملك فوقع في ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلي الكوفة و من الكوفة إلي المدينة و منها إلي مكّة و منها إلي الشام أن يخرجك من حبسك هذا.

قال علي بن خالد: فغمني ذلك من أمره، و رققت له، و انصرفت محزونا عليه، فلمّا كان من الغد باكرت الحبس لأعلمه بالحال و آمره بالصبر و الرضي فوجدت الجند و أصحاب الحرس و صاحب السجن و خلقا عظيما من الناس يهرعون، فسألت عن حالهم فقيل لي: المحمول من الشام المتنبئ افتقد البارحة فلا يدري أخسفت به الأرض، أم اختطفه الطير.

و كان علي بن خالد زيديا فقال بالإمامة لما رأي ذلك و حسن اعتقاده.

في بيان ظهور آياته مع الشجرة و فيه: حديث واحد

۴۳۷) عن الريان بن شبيب، قال: لمّا توجّه أبو جعفر عليه السلام من بغداد منصرفا من عند المأمون، و معه أمّ الفضل قاصدا بها إلي المدينة، صار إلي شارع باب الكوفة، و معه الناس يشيعونه، فانتهي إلي دار المسيب عند غروب الشمس، فنزل و دخل المسجد، و كان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل النبقة، و قام عليه السلام فصلّي بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الأولي منها الْحَمْدُ و إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ و في الثانية الْحَمْدُ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قنت قبل ركوعه فيها و صلّي الثالثة و تشهّد و سلّم، ثمّ جلس هنيهة يذكر اللّه تعالي عز و جل اسمه و قام من غير أن يعقّب، و صلّي النوافل أربع ركعات و عقّب بعدها، و سجد سجدتي الشكر، ثمّ خرج.

فلمّا انتهي إلي النبقة رآها الناس و قد حملت حملا حسنا، فتعجبوا من ذلك، و أكلوا منها، فوجدوه نبقا حلوا لا عجم له، و ودعوه و مضي عليه السلام في وقته إلي المدينة.

في بيان ظهور آياته من العلم بحديث النفس و فيه: أربعة أحاديث

۴۳۸) عن محمد بن عيسي، قال: دخلت علي أبي جعفر عليه السلام بالمدينة و هو نازل في دار بزيع فسلّمت عليه، و قلت في نفسي: أستعطفه علي زكريا بن آدم؛ ثمّ رجعت إلي نفسي و قلت: من أنا فأعترض في هذا أو شبهه بمولاي؟! هو أعلم بما يصنع. فقال لي بأعلي صوته: «علي مثل أبي يحيي لا تعجل، و قد كان من خدمته لأبي ما كان».

۴۳۹) عن علي بن أسباط، قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام و هو يقول: «إنّ اللّه تبارك و تعالي احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ في النبوة، قال اللّه تعالي: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، و قال: حَتَّي إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فقد يجوز أن يؤتي الحكم و هو صبي.

و يجوز أن يؤتاه و هو ابن أربعين سنة.

۴۴۰) عن أبي هاشم الجعفري، قال: سألني جمّال أن أكلّم أبا جعفر ليدخله في بعض أموره.

قال: فدخلت عليه لأكلمه، فوجدته يأكل مع جماعة، فلم يمكنني كلامه، فقال: «يا أبا هاشم، كل من هذا الذي بين يدي» ثمّ قال ابتداء منه من غير مسألة: «يا غلام، انظر إلي الجمّال الذي أتانا به أبو هاشم.

۴۴۱) عن علي بن مهزيار، قال: حدّثني محمد بن الفرج أنّه قال: ليتني إذا دخلت علي أبي جعفر عليه السلام كساني ثوبين قطوانين ممّا لبسه أحرم فيهما.

قال: فدخلت عليه بشرف و عليه رداء قطواني يلبسه، فأخذه و حوّله من هذا العاتق إلي الآخر، ثمّ إنّه أخذ من ظهره و بدنه إلي آخر يلبسه خلفه، فقال: «أحرم فيهما، بارك اللّه لك».

في بيان ظهور آياته من العلم بالآجال و فيه: ثلاثة أحاديث

۴۴۲) عن إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال: كتب أبو جعفر الثاني عليه السلام، إليّ كتابا و أمرني أن لا أفكّه حتّي يموت يحيي بن عمران.

قال: فمكث الكتاب عندي سنتين، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه يحيي بن عمران فككته فإذا فيه: «قم بما كان يقوم به» أو نحوه من هذا الأمر.

قال محمد بن عيسي: و حدّثني يحيي و إسحاق ابنا سليمان بن داود أنّ إبراهيم بن محمّد أقرأهم هذا الكتاب في المقبرة يوم مات يحيي بن عمران.

و كان إبراهيم يقول: كنت لا أخاف الموت ما كان يحيي بن عمران في الحياة.

۴۴۳) عن أمية بن علي، قال: كنت بالمدينة، و كنت أختلف إلي أبي جعفر، و أبو الحسن الرضا عليهما السلام بخراسان، و كان أهل بيته و عمومة أبيه يأتونه و يسلّمون عليه، فدعا يوما بجارية فقال لها:

«قولي لهم تهيّأوا للمأتم». فلمّا تفرقوا قالوا: أ لا سألناه مأتم من؟

فلمّا كان من الغد فعل مثل ذلك، فقالوا، مأتم من؟ قال: «مأتم خير من علي ظهرها» فأتانا خبر أبي الحسن عليه السلام بعد ذلك بأيّام، فإذا هو قد مات في ذلك اليوم.

۴۴۴) عن محمّد بن القاسم، عن أبيه، و روي أيضا غيره قال: لمّا خرج من المدينة في المرّة الأخيرة قال: «ما أطيبك يا طيبة، فلست بعائد إليك».

في بيان ظهور آياته في الإخبار بالغائبات و فيه: ثمانية أحاديث

۴۴۵) عن محمد بن أبي القاسم، قال: و رواه عامّة أهل المدينة أنّ الرضا عليه السلام كتب في أحمال له تحمل إليه من المتاع و غير ذلك، فلمّا توجهت و كان يوما من الأيّام أرسل أبو جعفر عليه السلام رسلا يردّونها فلم يدر لم ذلك، ثمّ حسب ذلك اليوم في ذلك الشهر، فوجد يوم مات فيه الرضا عليه السلام.

۴۴۶) عن محمّد بن القاسم، عن أبيه و عن غير واحد من أصحابنا أنّه قد سمع عمر بن الفرج أنّه قال: سمعت من أبي جعفر عليه السلام شيئا لو رآه محمّد أخي لكفر. فقلت: و ما هو أصلحك اللّه؟

قال: إنّي كنت معه يوما بالمدينة إذ قرب الطعام فقال: «أمسكوا» فقلت: فداك، أبي قد جاءكم الغيب.

فقال: «عليّ بالخبّاز» فجي‌ء به فعاتبه و قال: «من أمرك أن تسمّني في هذا الطعام؟» فقال له: جعلت فداك فلان، ثمّ أمر بالطعام فرفع و أتي بغيره.

۴۴۷) و عنه، عن أبيه قال: حدّثني بعض المدينيين أنّهم كانوا يدخلون علي أبي جعفر عليه السلام و هو نازل في قصر أحمد بن يوسف يقولون له: يا أبا جعفر، جعلنا فداك، قد تهيأنا و تجهزنا و لا نراك تهم بذلك؟! قال لهم: «لستم بخارجين حتّي تغترفوا الماء بأيديكم من هذه الأبواب التي ترونها». فتعجّبوا من ذلك أن يأتي الماء من تلك المكثرة، فما خرجوا حتّي اغترفوا بأيديهم منها.

۴۴۸) و عنه، عن أبيه و عن بعض المدينيين، قال: لمّا وجّه المأمون إليه و هو بتكريت متوجها إلي الروم، و صار في بعض الطريق في حميم الحر و لا مطر و لا و حل و لا ماء يري و لا حوض، قال لبعض غلمانه: «اعقد ذنب برذوني» فتعجّب الناس و وقفوا حتّي عقد الغلام ذنب برذونه، ثمّ مضي، و مضي الناس معه، و عمر بن الفرج مستهزئ متعجب.

قال: فما مضوا إلا ميلا أو ميلين و إذا هم بماء قد فاض من نهر فطبق الأرض أجمع فمضي و الناس وقوف حتّي شدّوا أذناب دوابهم.

قال أبي: قال عمر بن الفرج: و اللّه لو رأي أخي هذا لكفر اليوم أشدّه و أشدّه.

۴۴۹) و عنه، عن أبيه، و رواه عامّة أصحابنا، قال: إنّ رجلا خراسانيا أتي أبا جعفر عليه السلام بالمدينة فسلّم عليه، و قال: السلام عليك يا ابن رسول اللّه. و كان واقفيا، فقال له: «سلام» و أعادها الرجل فقال: «سلام» فسلّم الرجل بالإمامة، قال: قلت في نفسي: كيف علم أنّي غير مؤتم به و أنّي واقف عنه؟!

قال: ثمّ بكي و قال: جعلت فداك هذه كذا و كذا دينارا فاقبضها، فقال له أبو جعفر عليه السلام: «قد قبلتها؛ فضمّها إليك». فقال: إنّي خلفت صاحبتي و معها ما يكفيها و يفضل عنها. فقال: «ضمّها إليك فإنّك ستحتاج إليها» مرارا.

قال الرجل: ففعلت و رجعت، فإذا طرّار قد أتي منزلي فدخله و لم يترك شيئا إلّا أخذه، فكانت تلك الدنانير هي التي تحمّلت بها إلي موضعي.

۴۵۰) عن الحسن بن أبي عثمان الهمداني، قال: دخل أناس من أصحابنا من أهل الري علي أبي جعفر عليه السلام، و فيهم رجل من الزيدية، فسألناه مسألة، فقال أبو جعفر عليه السلام لغلامه:

«خذ بيد هذا الرجل فأخرجه» فقال الزيدي: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله طيبا مباركا، و أنّك حجّة اللّه.

۴۵۱) عن أبي هاشم الجعفري، قال: دخلت علي أبي جعفر عليه السلام و معي ثلاث رقاع معينة، و اشتبهت عليّ فاغتممت، فتناول إحداهن و قال: «هذه رقعة ريان بن شبيب» ثمّ تناول الثانية و قال: «هذه رقعة محمّد بن حمزة». و تناول الثالثة و قال: «هذه رقعة فلان» فبهتّ فنظر إليّ و تبسّم عليه السلام.

۴۵۲) و عنه قال: أعطاني عليه السلام ثلاثمائة دينار في صرّة، و أمرني أن أحملها إلي بعض بني عمه، و قال: «أما إنه سيقول لك: دلني علي حريف أشتري بها منه متاعا فدله عليه».

فأتيته بالدنانير فقال: يا أبا هاشم، دلني علي حريف يشتري لي بها متاعا. ففعلت.

في ظهور آياته في معان شتي و فيه: اثنا عشر حديثا

۴۵۳) عن العبّاس بن السندي الهمداني، عن بكير قال:

قلت لأبي جعفر عليه السلام: عمّتي تشتكي من ريح بها. فقال:

«ائتني بها».

فأتيته بها فدخلت عليه فقال لها: «ما تشتكين؟» قالت: ركبتي جعلت فداك، فمسح بيده الشريفة علي ركبتيها من وراء الثياب، و تكلّم بكلام، فخرجت و لم تجد من الوجع شيئا.

۴۵۴) عن أبي هاشم الجعفري، قال: دخلت معه بستانا ذات يوم فقلت له: جعلت فداك، إنّي مولع بأكل الطين فادع اللّه تعالي لي، فسكت ثمّ قال بعد أيّام: «يا أبا هاشم، قد أذهب اللّه عنك أكل الطين».

قال أبو هاشم: فما شي‌ء أبغض إليّ منه.

۴۵۵) عن علي بن أسباط، قال: خرجت مع أبي جعفر عليه السلام من الكوفة و هو راكب علي حمار، فمر بقطيع غنم، فتركت شاة الغنم وعدت إليه و هي ترغو فاحتبس عليه السلام، و أمرني أن أدعو الراعي إليه، ففعلت، فقال أبو جعفر عليه السلام: «أيّها الراعي، إنّ هذه الشاة تشكوك و تزعم أن لها رجلين و أنك تحيف عليها بالحلب، فإذا رجعت إلي صاحبها بالعشي لم يجد معها لبنا، فإن كففت من ظلمها، و إلّا دعوت اللّه تعالي أن يبتر عمرك».

فقال الراعي: إنّي أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و أنّك وصيه، أسألك لما أخبرتني من أين علمت هذا الشأن؟

فقال أبو جعفر عليه السلام: «نحن خزّان اللّه علي علمه و غيبه و حكمته، و أوصياء أنبيائه، و عباد مكرمون».

۴۵۶) عن محمّد بن الفرج، قال: كتب إليّ أبو جعفر عليه السلام: «احمل إليّ الخمس، فإني لست آخذ منكم سوي عامي هذا» فقبض عليه السلام في تلك السنة.

۴۵۷) عن يوسف بن زياد، عن الحسن بن علي، عن أبيه، قال: جاء رجل إلي محمّد بن علي بن موسي عليهم السلام فقال: يا ابن رسول اللّه، إنّ أبي قد مات، و كان له ألف دينار، ففاجأه الموت، و لست أقف علي ماله، ولي عيال كثيرة، و أنا من مواليكم فاغنني.

فقال أبو جعفر عليه السلام: «إذا صلّيت العشاء الآخرة فصلّ علي محمّد و آل محمّد مائة مرّة، فإنّ أباك يأتيك و يخبرك بأمر المال».

ففعل الرجل ذلك فأتاه أبوه في منامه فقال: يا بني مالي في موضع كذا فخذه. فذهب الرجل فأخذ الألف دينار و أبوه واقف فقال يا بني اذهب إلي ابن رسول اللّه صلي الله عليه و آله فأخبره بأنّي قد دللتك عليه، فإنّه كان أمرني بذلك، فجاء الرجل و أخبره بالمال و قال: الحمد للّه الذي أكرمك و اصطفاك.

۴۵۸) عن أبي الصلت الهروي، قال: حضرت مجلس الإمام محمّد بن علي بن موسي عليهم السلام، و عنده جماعة من الشيعة و غيرهم، فقام إليه رجل و قال: يا سيدي، جعلت فداك. فقال عليه السلام: «لا تقصّر و اجلس».

ثمّ قام إليه آخر فقال: يا مولاي، جعلت فداك. فقال: «إن لم تجد أحدا فارم بها في الماء، فإنّها تصل إليه».

قال: فجلس الرجل، فلمّا انصرف من كان في المجالس قلت له: جعلت فداك، رأيت عجبا! قال: «نعم، تسألني عن الرجلين؟» قلت: نعم يا سيدي.

قال: «أمّا الأول فإنّه قام يسألني عن الملّاح يقصّر في السفينة؟

قلت: لا، لأنّ السفينة بمنزلة بيته ليس بخارج منها؛ و الآخر قام يسألني عن الزكاة إن لم يصب أحدا من شيعتنا فإلي من يدفعه؟ فقلت له: إن لم تصب لها أحدا فارم بها في الماء، فإنّها تصل إلي أهلها»

۴۵۹) عن صالح بن عطية الأضخم قال: حججت فشكوت إلي أبي جعفر عليه السلام الوحدة، فقال لي: «إنّك لا تخرج من الحرم حتّي تشتري جارية ترزق منها ابنا». فقلت: تشير إليّ؟ قال: «نعم» و ركب إلي النخّاس و نظر إلي جارية فقال: «اشترها» فاشتريتها، فولدت محمّدا.

۴۶۰) عن عمران بن محمد الأشعري قال: دخلت علي أبي جعفر عليه السلام فقضيت حوائجي و قلت له: إنّ أم الحسين تقرئك السلام و تسألك ثوبا من ثيابك تجعله كفنا لها. قال: «قد استغنت عن ذلك». فخرجت و لست أدري ما معني ذلك، حتي أتي الخبر بأنّها قد ماتت قبل ذلك بثلاثة عشر يوما، أو أربعة عشر يوما.

۴۶۱) عن ابن أورمة قال: إنّ المعتصم دعا جماعة من وزرائه و قال: اشهدوا لي علي محمّد بن علي بن موسي الرضا زورا و اكتبوا بأنّه أراد أن يخرج.

ثمّ دعاه فقال: إنّك أردت أن تخرج علي. فقال: «و اللّه ما فعلت شيئا من ذلك».

قال: إنّ فلانا و فلانا شهدوا عليك. و أحضروا فقالوا: نعم، هذه الكتاب أخذناها من بعض غلمانك.

قال: و كان جالسا في [بهو] فرفع أبو جعفر عليه السلام يده و قال: «اللهم إن كانوا كذبوا عليّ فخذهم».

قال: فنظرنا إلي ذلك البهو يرجف و يذهب و يجي‌ء، و كلما قام واحد وقع، فقال المعتصم: يا ابن رسول اللّه، تبت ممّا قلت، فادع ربّك أن يسكّنه. فقال: «اللهم سكّنه، و إنّك تعلم بأنّهم أعداؤك و أعدائي».

۴۶۲) عن محمّد بن ميمون، قال: كنت مع الرضا عليه السلام بمكّة قبل خروجه إلي خراسان، قال: فقلت له: إنّي أريد أن أتقدّم إلي المدينة، فاكتب معي كتابا إلي أبي جعفر عليه السلام، فتبسّم و كتب، و حضرت إلي المدينة، و قد كان ذهب بصري، فأخرج الخادم أبا جعفر عليه السلام إلينا فحمله من المهد، فتناول الكتاب و قال لموفق الخادم: «فضّه و انشره» ففضه و نشره بين يديه، فنظر فيه، ثمّ قال: «يا محمد، ما حال بصرك؟» قلت: يا ابن رسول اللّه، اعتلت عيناي فذهب بصري كما تري.

قال: فمدّ يده و مسح بها علي عيني، فعاد بصري إليّ كأصحّ ما كان، فقبّلت يده و رجله، و انصرفت من عنده و أنا بصير، و المنّة اللّه.

۴۶۳) عن محمد بن عمر بن واقد الرازي قال: دخلت علي أبي جعفر محمّد الجواد بن الرضا عليهم السلام و معي أخي به بهق شديد، فشكا إليه ذلك البهق، فقال: «عافاك اللّه مما تشكو» فخرجنا من عنده و قد عوفي، فما عاد إليه ذلك البهق إلي أن مات.

قال محمّد بن عمر: و كان يصيبني وجع في خاصرتي في كل أسبوع، فيشتد ذلك بي أياما، فسألته أن يدعو لي بزواله عنّي، فقال:

«و أنت، فعافاك اللّه» فما عاد إلي هذه الغاية.

۴۶۴) عن إسماعيل بن عباس الهاشمي، قال: جئت إلي أبي جعفر عليه السلام يوم عيد فشكوت إليه ضيق المعاش فرفع المصلّي، فأخذ من التراب سبيكة من ذهب فأعطانيها، فخرجت بها إلي السوق فكان فيها ستة عشر مثقالا من الذهب.

الباب الثالث عشر في آيات أبي الحسن علي النقي عليه السلام

في بيان ظهور آياته في إحياء الموتي و فيه: حديث واحد

۴۶۵) عن محمّد بن حمدان، عن إبراهيم بن بلطون، عن أبيه قال: كنت أحجب المتوكل، فأهدي له خمسون غلاما من الخزر، فأمرني أن أتسلمهم و أحسن إليهم، فلمّا تمّت سنة كاملة كنت واقفا بين يديه إذ دخل عليه أبو الحسن علي بن محمّد النقي عليهما السلام، فلمّا أخذ مجلسه أمرني أن أخرج الغلمان من بيوتهم، فأخرجتهم، فلمّا بصروا بأبي الحسن عليه السلام سجدوا له بأجمعهم، فلم يتمالك المتوكل أن قام يجرّ رجليه حتّي تواري خلف الستر، ثمّ نهض أبو الحسن عليه السلام.

فلمّا علم المتوكل بذلك خرج إليّ و قال: ويلك يا بلطون، ما هذا الذي فعل هؤلاء الغلمان؟ فقلت: لا و اللّه، ما أدري. قال: سلهم.

فسألتهم عمّا فعلوا فقالوا: هذا رجل يأتينا كل سنة فيعرض علينا الدين، و يقيم عندنا عشرة أيّام، و هو وصي نبي المسلمين.

فأمرني بذبحهم، فذبحتهم عن آخرهم.

فلمّا كان وقت العتمة صرت إلي أبي الحسن عليه السلام، فإذا خادم علي الباب فنظر إلي، فلمّا بصر بي قال: «ادخل» فدخلت، فإذا هو- عليه السلام- جالس فقال: «يا بلطون ما صنع القوم؟» فقلت:

يا ابن رسول اللّه ذبحوا و اللّه عن آخرهم، فقال لي: «كلهم؟» فقلت:

إي و اللّه.

فقال عليه السلام: «أ تحب أن تراهم؟» قلت: نعم، يا ابن رسول اللّه. فأومأ بيده أن ادخل الستر، فدخلت فإذا أنا بالقوم قعود و بين أيديهم فاكهة يأكلون.

في بيان ظهور آياته مع الماء و الشجر و فيه: حديث واحد

۴۶۶) عن يحيي بن هرثمة، قال: أنا صحبت أبا الحسن عليه السلام من المدينة إلي سرّ من رأي في خلافة المتوكل، فلمّا صرنا ببعض الطريق عطشنا عطشا شديدا، فتكلمنا، و تكلم الناس في ذلك، فقال أبو الحسن عليه السلام: «الآن نصير إلي ماء عذب فنشربه».

فما سرنا إلّا قليلا حتّي صرنا إلي تحت شجرة ينبع منها ماء عذب بارد، فنزلنا عليه و ارتوينا و حملنا معنا و ارتحلنا، و كنت علّقت سيفي علي الشجرة فنسيته.

فلمّا صرت غير بعيد في بعض الطريق ذكرته، فقلت لغلامي:

ارجع حتّي تأتيني بالسيف، فمرّ الغلام ركضا، فوجد السيف و حمله و رجع متحيرا، فسألته عن ذلك فقال لي: إنّي رجعت إلي الشجرة، فوجدت السيف معلقا عليها، و لا عين و لا ماء و لا شجر، فعرفت الخبر، فصرت إلي أبي الحسن عليه السلام فأخبرته بذلك، فقال:

«احلف أن لا تذكر ذلك لأحد» فقلت: نعم.

في بيان معجزاته في الحجر و الرمل و فيه: ثلاثة أحاديث

۴۶۷) عن أبي هاشم الجعفري، قال: خرجت مع أبي الحسن عليه السلام إلي سرّ من رأي نتلقي بعض القادمين فأبطئوا، فطرح لأبي الحسن عليه السلام غاشية السرج فجلس عليها، فنزلت عن دابّتي و جلست بين يديه و هو يحدّثني، فشكوت إليه قصور يدي، فأهوي بيده إلي رمل كان عليه جالسا و ناولني منه كفّا و قال: «اتسع بهذا يا أبا هاشم، و اكتم ما رأيت» فجئت به معي، و رجعنا فأبصرته فإذا هو يتقد كالنيران ذهبا أحمر.

فدعوت صائغا إلي منزلي، و قلت له: اسبك لي هذا فسبكه و قال لي: ما رأيت ذهبا أجود منه، و هو كهيئة الرمل، فمن أين لك هذا؟

فما رأيت أعجب منه! قلت: هذا شي‌ء كان عندنا قديما تدّخره لنا عجائزنا علي طول الأيّام.

۴۶۸) و عنه قال: حججت سنة حج فيها بغا، فلمّا صرت إلي المدينة إلي باب أبي الحسن عليه السلام وجدته راكبا في استقبال بغا، فسلّمت عليه فقال: «امض بنا إذا شئت». فمضيت معه حتّي خرجنا من المدينة، فلمّا أصحرنا التفت إلي غلامه و قال: «اذهب فانظر في أوائل العسكر». ثمّ قال: «انزل بنا يا أبا هاشم».

قال: فنزلت و في نفسي أن أسأله شيئا و أنا أستحيي منه، و أقدّم و أؤخر.

قال: فعمل بسوطه في الأرض خاتم سليمان، فنظرت فإذا في آخر الأحرف مكتوب: «خذ» و في الآخر «اكتم» و في الآخر «اعذر» ثمّ اقتلعه بسوطه و ناولنيه فنظرت، فإذا بنقرة صافية فيها أربعمائة مثقال، فقلت: بأبي أنت و أمّي، لقد كنت شديد الحاجة إليها، و أردت كلامك و أقدّم و أؤخر، و اللّه أعلم حيث يجعل رسالته، ثمّ ركبنا.

۴۶۹) و عنه قال: دخلت علي أبي الحسن عليه السلام فكلّمني بالهندية، فلم أحسن أن أردّ عليه، و كان بين يديه ركوة ملأي حصا، فتناول حصاة واحدة فوضعها في فيه مليا، ثمّ رمي بها إليّ فوضعتها في فمي، فو اللّه ما رجعت من عنده حتي تكلّمت بثلاث و سبعين لسانا، أولها الهندية.

في بيان ظهور آياته في الإعلام عن آجال الناس و فيه: سبعة أحاديث

۴۷۰) عن حسين الأسباطي، قال: قدمت علي أبي الحسن علي عليه السلام بالمدينة فقال: «ما خبر الواثق عندك؟» قلت: جعلت فداك، خلّفته في عافية، أنا من أقرب الناس عهدا به منذ عشرة أيام، فقال: «إنّ الناس يقولون إنّه مات». فعلمت أنّه يعني نفسه.

ثمّ قال: «ما فعل جعفر؟» قلت: تركته أسوأ الناس حالا في السجن، قال: فقال: «أما إنّه صاحب الأمر».

فقال: «ما فعل ابن الزيّات؟» قلت: الناس معه و الأمر أمره، قال: «أما إنّه شؤم عليه».

ثمّ سكت و قال: «لا بد أن تجري مقادير اللّه و أحكامه» فأخبر أن مات الواثق، و قعد المتوكل جعفر، و قتل ابن الزيّات، قلت: متي جعلت فداك؟ قال: «بعد خروجك بستة أيام».

۴۷۱) عن محمّد بن الفرج الرّخّجي، قال إنّ أبا الحسن عليه السلام كتب إلي: «يا محمّد، اجمع أمرك، و خذ حذرك».

قال: فأنا في جمع أمري لست أدري ما الّذي أراد حتّي ورد عليّ رسول، و حملني من وطني مصفدا بالحديد، و ضرب علي كلّ ما أملك.

فمكثت في السجن ثماني سنين، ثمّ ورد عليّ الكتاب منه و أنا في السجن: «يا محمد بن الفرج، لا تنزل في ناحية الجانب الغربي».

فقرأت الكتاب، فقلت في نفسي. يكتب إليّ أبو الحسن عليه السلام بهذا و أنا في السجن؟! إنّ هذا لعجب.

فما مكثت إلّا أيّاما يسيرة حتّي أفرج عنّي، و خليت قيودي، و خلّي سبيلي، فكتبت إليه بعد خروجي أسأله أن يسأل اللّه تعالي أن يردّ عليّ ضيعتي، فكتب إلي: «سوف تعود إليك، و ترد عليك، و ما يضرّك أن لا تردّ عليك».

قال علي بن محمد النوفلي: فلمّا شخص محمّد بن الفرج الرّخّجي إلي العسكر كتب له بردّ ضيعته، فلم يصل الكتاب حتّي مات.

۴۷۲) عن أبي يعقوب قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام مع أحمد بن الخصيب يتسايران، و قد قصر أبو الحسن عليه السلام عنه، فقال له ابن الخصيب: سر جعلت فداك. فقال له أبو الحسن عليه السلام: «أنت المتقدم» فما لبثنا إلّا أربعة أيام حتّي وقع الدّهق علي ساق ابن الخصيب و قتل.

۴۷۳) عن الحسن بن محمّد بن جمهور، قال: كان لي صديق مؤدب ولد بغا أو وصيف- الشكّ منّي- فقال لي: قال الأمير [عند] منصرفه من دار الخلافة: حبس أمير المؤمنين هذا الذي يقولون له ابن الرضا اليوم و دفعه إلي علي بن كركر، فسمعته يقول: «أنا أكرم علي اللّه من ناقة صالح تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ليس يفصح بالآية و لا بالكلام، أيّ شي‌ء هذا؟

قال: قلت: أعزك اللّه تعالي توعدك أنظر ما يكون بعد ثلاثة أيّام.

فلمّا كان من الغد أطلقه و اعتذر إليه، فلمّا كان اليوم الثالث وثب عليه باغر و بغلون أوتامش و جماعة معهم، فقتلوه و أقعدوا المنتصر ولده خليفة.

۴۷۴) عن سعيد بن سهل البصري الملقّب بالملاح قال: حدث لبعض أولاد الخلفاء وليمة، فدعانا مع أبي الحسن عليه السلام، فدخلنا فلمّا رأوه أنصتوا إجلالا له، و جعل شابّ في المجالس لا يوقّره، و جعل يلعب و يضحك، فأقبل عليه و قال: «يا هذا، أ تضحك مل‌ء فمك و تذهل عن ذكر اللّه تعالي و أنت بعد ثلاثة أيّام من أهل القبور؟!» فقلنا. هذا دليل حتي ننتظر ما يكون.

قال: فأمسك الفتي و كفّ عمّا هو فيه، و طعمنا و خرجنا، فلمّا كان بعد يوم اعتلّ الفتي و مات في اليوم الثالث من أول النهار، و دفن في آخره.

۴۷۵) و عنه، قال: اجتمعنا أيضا في وليمة لبعض أهل سرّ من رأي و أبو الحسن عليه السلام معنا، فجعل رجل يلعب، و يمزح و لا يري له إجلالا فأقبل علي جعفر و قال: «إنّه لا يأكل من هذا الطعام، و سوف يرد عليه من خبر أهله ما ينغص عيشه» فقدّمت المائدة فقال: ليس بعد هذا خبر و قد بطل قوله، فو اللّه لقد غسل الرجل يده و أهوي إلي الطعام فإذا غلامه قد دخل من باب البيت يبكي و قال له:

الحق أمّك فقد وقعت من فوق البيت و هي إلي الموت أقرب.

فقال جعفر: قلت: و اللّه لا وقفت بعد هذا، و قطعت عليه أنّه الإمام.

۴۷۶) عن أبي يعقوب قال: رأيت محمّد بن الفرج قبل موته بالعسكر في عشية من العشايا و قد استقبل أبا الحسن عليه السلام، فنظر إليه نظرا شافيا، و اعتلّ محمّد بن الفرج من الغد، فدخلت عليه عائدا بعد أيّام من علته، فحدّثني أنّ أبا الحسن عليه السلام أنفذ إليه بثوب و رأيته مدرجا تحت رأسه. قال: و كفّن و اللّه فيه.

في ظهور آياته من الإخبار بالغائبات و فيه: ستة أحاديث

۴۷۷) عن المنتصر بن المتوكل قال: زرع والدي الآس في بستان و أكثر منه، فلمّا استوي الآس كلّه و حسن، أمر الفراشين أن يفرشوا له علي دكان في وسط البستان و أنا قائم علي رأسه، فرفع رأسه إليّ و قال: يا رافضي، سل ربّك الأسود عن هذا الأصل الأصفر ماله من بين ما بقي من هذا البستان قد اصفرّ، فإنّك تزعم أنّه يعلم الغيب؟

فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّه ليس يعلم الغيب.

فأصبحت [و غدوت] إلي أبي الحسن عليه السلام من الغد و أخبرته بالأمر، فقال: «يا بني، امض أنت و احفر الأصل الأصفر فإن تحته جمجمة نخرة، و اصفراره لبخارها و نتنها».

قال: ففعلت ذلك فوجدته كما قال عليه السلام، ثمّ قال لي: «يا بني لا تخبرن أحدا بهذا الأمر إلّا لمن يحدّثك بمثله».

۴۷۸) عن أبي هاشم الجعفري، قال: كنت بالمدينة حين مرّ بها بغا أيّام الواثق في طلب الأعراب، فقال أبو الحسن عليه السلام:

«اخرجوا بنا حتّي ننظر إلي لغة هذا التركي». فمر بنا تركي و كلّمه أبو الحسن عليه السلام بالتركية، فنزل عن فرسه و قبّل حافر دابته.

قال: فحلف التركي و قلت له: ما قال الرجل لك؟ قال: هذا نبي؟ فقلت: هذا ليس نبيّا.

قال: دعاني باسم سميت به في صغري في بلاد الترك، و ما علمه أحد إلي الساعة.

۴۷۹) عن الحسن بن محمد بن جمهور العمي، قال:

سمعت من سعيد الصغير الحاجب قال: دخلت علي سعيد بن صالح الحاجب فقلت: يا أبا عثمان قد صرت من أصحابك، و كان سعيد يتشيع. فقال: هيهات، قلت: بلي و اللّه. فقال: و كيف ذلك؟

قلت: بعثني المتوكل و أمرني أن أكبس علي علي بن محمّد بن الرضا عليهم السلام فأنظر ما فعل، ففعلت ذلك فوجدته يصلّي، فبقيت قائما حتّي فرغ، فلما انفتل من صلاته أقبل عليّ و قال: «يا سعيد لا يكفّ عنّي جعفر- أي المتوكّل الملعون- حتّي يقطع إربا إربا! اذهب و اعزب» و أشار بيده الشريفة، فخرجت مرعوبا، و دخلني من هيبته ما لا أحسن أن أصفه، فلمّا رجعت إلي المتوكل سمعت الصيحة و الواعية، فسألت عنه فقيل: قتل المتوكل، فرجعنا و قلت بها.

۴۸۰) عن عبد اللّه بن طاهر، قال: خرجت إلي سر من رأي لأمر من الأمور أحضرني المتوكل، فأقمت مدة ثمّ ودعت و عزمت علي الانحدار إلي بغداد، فكتبت إلي أبي الحسن عليه السلام أستأذنه في ذلك و أودعه، فكتب لي: «فإنك بعد ثلاث يحتاج إليك و يحدث أمران».

فانحدرت و استحسنته، فخرجت إلي الصيد و نسيت ما أشار إلي أبو الحسن عليه السلام، فعدلت إلي المطيرة و قد صرت إلي مصري و أنا جالس مع خاصتي (إذ ثمانية فوارس) يقولون. أجب أمير المؤمنين المنتصر، فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: قتل المتوكل، و جلس المنتصر، و استوزر أحمد بن محمد بن الخصيب، فقمت من فوري راجعا.

۴۸۱) عن الطيب بن محمد بن الحسن بن شمون قال: ركب المتوكل ذات يوم و خلفه الناس و ركب آل أبي طالب إلي أبي الحسن عليه السلام ليركبوا بركوبه فخرج في يوم صائف شديد الحر، و السماء صافية ما فيها غيم، و هو عليه السلام معقود ذنب الدابة بسرج جلود طويل و عليه ممطر و برنس، فقال زيد بن موسي بن جعفر لجماعة آل أبي طالب: انظروا إلي هذا الرجل يخرج مثل هذا اليوم كأنه وسط الشتاء، قال: فساروا جميعا فما جاوزوا الجسر و لا خرجوا عنه حتي تغيمت السماء و أرخت عزاليها كأفواه القرب، و ابتلت ثياب الناس، فدنا منه زيد بن موسي بن جعفر و قال: يا سيدي، أنت قد علمت أنّ السماء قد تمطر فهلا أعلمتنا فقد هلكنا و عطبنا.

۴۸۲) عن موسي بن جعفر البغدادي قال: كانت لي حاجة أحببت أن اكتب إلي العسكري عليه السلام، فسألت محمد بن علي بن مهزيار أن يكتب في كتابه إليه بحاجتي فإني كتبت إليه كتابا و لم أذكر فيه حاجتي، بل بيضت موضعها، فورد الكتاب في حاجتي مفسرا في كتاب لمحمد بن إبراهيم الحمصي.

في ظهور آياته في معان شتي و فيه: سبعة عشر حديثا

۴۸۳) عن صالح بن سعيد قال: دخلت علي أبي الحسن عليه السلام في يوم وروده سر من رأي و هو في خان الصعاليك، فقلت له: جعلت فداك في كل الأمور، أرادوا إطفاء نورك و النقص بك حتي أنزلوك في هذا الخان الأشنع خان الصعاليك.

فقال «هاهنا أنت يا ابن سعيد» ثم أومأ بيده الشريفة فإذا أنا بروضات أنيقات، و أنهار جاريات، و جنّات فيها خيرات عطرات، و ولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون، فحار بصري، و كثر عجبي فقال لي: «حيث كنا فهذا لنا عتيد يا ابن سعيد، لسنا في خان الصعاليك».

۴۸۴) عن محمّد بن الحسن الأشتر العلوي الحسيني، قال:

كنت مع أبي علي باب المتوكل، و أنا صبي، في جمع من الناس في ما بين طالبي إلي عباسي إلي جعفري إلي غير ذلك، إذ جاء أبو الحسن علي بن محمّد عليه السلام فترجل الناس كلّهم، حتي دخل فقال بعضهم لبعض: لم نترجل لهذا الغلام؟ فما هو بأشرفنا و لا بأكبرنا سنا و لا بأعلمنا! فقالوا: و اللّه لا ترجلنا له. فقال أبو هاشم الجعفري:

و اللّه لتترجّلن له [علي] صغره إذا رأيتموه. فما هو إلّا أن طلع و بصروا به حتّي ترجل له الناس كلّهم، فقال لهم أبو هاشم: أ لستم زعمتم أنّكم لا تترجلون له؟ فقالوا: ما ملكنا أنفسنا حتّي ترجلنا.

۴۸۵) عن الحسن بن محمّد بن علي، قال: جاء رجل إلي علي بن محمّد بن علي بن موسي عليهم السلام و هو يبكي و ترتعد فرائصه فقال: يا ابن رسول اللّه، إن فلانا- يعني الوالي- أخذ ابني و اتهمه بموالاتك، فسلّمه إلي حاجب من حجّابه، و أمره أن يذهب به إلي موضع كذا فيرميه من أعلي جبل هناك ثمّ يدفنه في أصل الجبل.

فقال عليه السلام: «فما تشاء؟» فقال: ما يشاء الوالد الشفيق لولده.

قال: «اذهب فإنّ ابنك يأتيك غدا إذا أمسيت و يخبرك بالعجب من أمره». فانصرف الرجل فرحا.

فلمّا كان عند ساعة من آخر النهار غدا إذا هو بابنه قد طلع عليه في أحسن صورة فسرّه و قال: ما خبرك يا بني؟ فقال: يا أبت، إن فلانا- يعني الحاجب- صار بي إلي أصل ذلك الجبل، فأمسي عنده إلي هذا الوقت يريد أن يبيت هناك ثمّ يصعدني من غد إلي أعلي الجبل و يدهدهني لبئر حفر لي قبرا في هذه الساعة، فجعلت أبكي و قوم موكّلون بي يحفظونني، فأتاني جماعة عشرة لم أر أحسن منهم وجوها، و أنظف منهم ثيابا، و أطيب منهم روائح، و الموكّلون بي لا يرونهم فقالوا لي: ما هذا البكاء و الجزع و التطاول و التضرع؟ فقلت:

أ لا ترون قبرا محفورا، و جبلا شاهقا، و موكّلين لا يرحمون يريدون أن يدهدهوني منه و يدفنوني فيه؟ قالوا: بلي، أ رأيت لو جعلنا الطالب مثل المطلوب فدهدهناه من الجبل و دفناه في القبر، أ تحرر نفسك فتكون لقبر رسول اللّه صلي الله عليه و آله خادما؟ قلت: بلي و اللّه. فمضوا إليه- يعني الحاجب- فتناولوه و جرّوه و هو يستغيث و لا يسمع به أصحابه و لا يشعرون به، ثمّ صعدوا به إلي الجبل و دهدهوه منه، فلم يصل إلي الأرض حتّي تقطّعت أوصاله، فجاء أصحابه و ضجّوا عليه بالبكاء و اشتغلوا عنّي، فقمت و تناولني العشرة، فطاروا بي إليك في هذه الساعة، و هم وقوف ينتظرونني ليمضوا بي إلي قبر رسول اللّه صلي الله عليه و آله لأكون خادما. و مضي.

فجاء الرجل إلي علي بن محمّد عليه السلام فأخبره، ثمّ لم يلبث إلّا قليلا حتّي جاء الخبر بأنّ قوما أخذوا ذلك الحاجب فدهدهوه من ذلك الجبل فدفنه أصحابه في ذلك القبر، و هرب ذلك الرجل الذي كان أراد أن يدفنه في ذلك القبر، فجعل علي بن محمد عليه السلام يقول للرجل: «إنهم لا يعلمون ما نعلم» و يضحك.

۴۸۶) عن أبي الهيثم عبد اللّه بن عبد الرحمن الصالحي، قال: إن أبا هاشم الجعفري شكا إلي مولانا أبي الحسن عليه السلام ما يلقي من الشوق إليه إذا انحدر من عندنا إلي بغداد، فقال له: ادع اللّه تعالي يا سيدي، فإنّي لا أستطيع ركوب الماء خوف الإصعاد و الإبطاء عنك، فسرت إليك علي الظهر و مالي مركوب سوي برذوني هذا علي ضعفه، فادع اللّه تعالي أن يقويني علي زيارتك، علي وجه الأرض، فقال: «قوّاك اللّه يا أبا هاشم، و قوّي برذونك».

قال: فكان أبو هاشم يصلي الفجر ببغداد، و يسير علي البرذون، فيدرك الزوال من يومه ذلك في عسكر سر من رأي، و يعود من يومه إلي بغداد إذا سار علي ذلك البرذون، و كان هذا من أعجب الدلائل التي شوهدت.

۴۸۷) عن علي بن مهزيار، قال: إنّه صار إلي سر من رأي، و كانت زينب الكذابة ظهرت و زعمت أنّها زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام، فأحضرها المتوكل و سألها فانتسبت إلي علي بن أبي طالب و فاطمة، فقال لجلسائه: كيف بنا بصحة أمر هذه، و عند من نجده؟ فقال الفتح بن خاقان: ابعث إلي ابن الرضا فاحضره حتّي يخبرك بحقيقة أمرها.

فأحضر عليه السلام فرحّب به المتوكل و أجلسه معه علي سريره، فقال: إنّ هذه تدعي كذا، فما عندك؟ فقال: «المحنة في هذا قريبة، إنّ اللّه تعالي حرّم لحم جميع من ولدته فاطمة و علي و الحسن و الحسين عليهم السلام علي السباع، فألقوها للسباع، فإن كانت صادقة لم تتعرض لها، و إن كانت كاذبة أكلتها».

فعرض عليها فكذبت نفسها، و ركبت حمارها في طريق سر من رأي تنادي علي نفسها و جاريتها علي حمار آخر بأنّها زينب الكذّابة، و ليس بينها و بين رسول اللّه صلي الله عليه و آله و علي و فاطمة صلوات اللّه عليهم قرابة، ثمّ دخلت الشام.

فلمّا أن كان بعد ذلك بأيّام ذكر عند المتوكل أبو الحسن عليه السلام، و ما قال في زينب، فقال علي بن الجهم: يا أمير المؤمنين، لو جرّبت قوله علي نفسه فعرفت حقيقة قوله. فقال: أفعل، ثمّ تقدّم إلي قوام السباع فأمرهم أن يجوعوها ثلاثة و يحضروها القصر فترسل في صحنه فنزل و قعد هو في المنظر، و أغلق أبواب الدرجة، و بعث إلي أبي الحسن عليه السلام فأحضر، و أمره أن يدخل من باب القصر، فدخل، فلمّا صار في الصحن. أمر بغلق الباب، و خلّي بينه و بين السباع في الصحن.

قال علي بن يحيي: و أنا في الجماعة و ابن حمدون، فلمّا حضر عليه السلام و عليه سواد و شقة فدخل و أغلق الباب و السباع قد أصمّت الآذان من زئيرها، فلمّا مشي في الصحن يريد الدرجة مشت إليه السباع و قد سكنت، و لم نسمع لها حسا حتّي تمسحت به، و دارت حوله، و هو يمسح رءوسها بكمّه، ثمّ ضرب بصدورها الأرض، فما مشت و لا زأرت حتّي صعد الدرجة، و قام المتوكّل و دخل، فارتفع أبو الحسن عليه السلام و قعد طويلا، ثمّ قام فانحدر، ففعلت السباع به كفعلها في الأول، و فعل هو بها كفعله الأول، فلم تزل رابضة حتّي خرج من الباب الذي دخل منه، و ركب و انصرف، و أتبعه المتوكّل بمال جزيل صلة له.

و قال علي بن الجهم: فقمت و قلت يا أمير المؤمنين، أنت إمام فافعل كما فعل ابن عمّك. فقال: و اللّه لئن بلغني ذلك من أحد من الناس لأضربن عنقه و عنق هذه العصابة كلّهم. فو اللّه ما تحدّثنا بذلك حتّي قتل.

۴۸۸) و قد ذكر الحديث أبو عبد اللّه الحافظ النيسابوري في كتابه الموسوم بالمفاخر، و نسبه إلي جدّه الرضا عليه السلام، و هو أنّه قد دخل علي المأمون و عنده زينب الكذّابة، و كانت تزعم أنّها زينب بنت علي بن أبي طالب، و أنّ عليا قد دعا لها بالبقاء إلي يوم القيامة، فقال المأمون للرضا عليه السلام سلم: علي أختك.

فقال: «و اللّه ما هي بأختي و لا ولدها علي بن أبي طالب». فقالت زينب: ما هو أخي و لا ولده علي بن أبي طالب. فقال المأمون للرضا عليه السلام: ما مصداق قولك هذا؟؟

فقال: «إنا أهل بيت لحومنا محرّمة علي السباع، فاطرحها إلي السباع، فإنّ تك صادقة فإنّ السباع تعفي لحمها». قالت زينب:

ابتدئ بالشيخ. قال المأمون: لقد أنصفت. فقال له: أجل.

ففتحت بركة السباع فنزل الرضا عليه السلام إليها، فلمّا رأته بصبصت و أومأت إليه بالسجود، فصلّي فيما بينها ركعتين و خرج منها.

فأمر المأمون زينب أن تنزل فأبت، و طرحت للسباغ فأكلتها.

قال المصنف رحمه اللّه و رضي عنه: إنّي وجدت في تمام هذه الرواية أنّ بين السباع كان سبعا ضعيفا و مريضا، فهمهم شيئا في أذنه فأشار عليه السلام إلي أعظم السباع بشي‌ء فوضع رأسه له، فلمّا خرج قيل له: ما قلت لذلك السبع الضعيف؟ و ما قلت للآخر؟ قال: «إنّه شكا إليّ و قال: إنّي ضعيف، فإذا طرح علينا فريسة لم أقدر علي مؤاكلتها، فأشر إلي الكبير بأمري، فأشرت إليه فقبل».

قال: فذبحت بقرة و ألقيت إلي السباع، فجاء الأسد و وقف عليها و منع السباع أن تأكلها حتّي شبع الضعيف، ثمّ ترك السباع حتّي أكلوها.

و قال المصنف رحمه اللّه: و أقول أيضا إنّه غير ممتنع أن يكون ذلك غير الآخر؛ و أنّ ما نسب في أمر أبي الحسن عليه السلام في زينب الكذّابة غير منسوب إليها، و إنّما فعل ذلك المتوكل ابتداء، و تعرض لأمر آخر، لأنّه كان مشغوفا بإيذاء أهل البيت عليهم السلام.

۴۸۹) عن محمّد بن الفرج، قال: قال لي علي بن محمّد عليهما السلام: «إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها وضع الكتاب تحت مصلّاك، ودعه ساعة، ثمّ أخرجه و انظر إليه».

قال محمّد: ففعلت، فوجدت جواب ما سألت عنه موقعا في الكتاب.

۴۹۰) عن شاهواه، عن عبد اللّه بن سليمان الخلال قال:

كنت رويت عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في أبي جعفر عليه السلام روايات تدل عليه، فلمّا مضي أبو جعفر عليه السلام قلقت لذلك و بقيت متحيرا لا أتقدّم و لا أتأخر، و خفت أن أكتب إليه في ذلك، و لا أدري ما يكون، و كتبت إليه أسأله الدعاء أن يفرّج اللّه عنا في أسباب من قبل السلطان. كنا نغتم بها من علمائنا، فرجع الجواب بالدعاء و ردّ علينا الغلمان، و كتب في آخر الكتاب: «أردت أن تسأل عن الخلف بعد مضي أبي جعفر عليه السلام، فقلقت لذلك، وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّي يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ صاحبك بعدي أبو محمد ابني، عنده ما تحتاجون إليه، يقدّم اللّه ما يشاء و يؤخر «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، قد كتبت بما فيه بيان و إقناع لذي عقل يقظان».

۴۹۱) عن إسحاق الجلاب، قال: اشتريت لأبي الحسن عليه السلام غنما كثيرة، فأدخلني في إصطبل داره إلي موضع واسع لا أعرفه، فجعلت أفرق تلك الغنم فيمن أمرني به، فبعثت إلي أبي محمّد و إلي والدته و غيرهما، ممّن أمرني ثمّ استأذنته في الانصراف إلي بغداد إلي والدي، و كان ذلك يوم التروية، فقال: «تقيم غدا عندنا ثمّ تنصرف» فأقمت.

فلما كان يوم عرفة أقمت عنده و بت ليلة الأضحي في رواق له، فلمّا كان في السحر أتاني و قال: «يا إسحاق، قم» فقمت و فتحت عيني، فإذا أنا علي (باب بغداد)، فدخلت علي والدي و أتاني أصحابي فقلت لهم: عرّفت بالعسكر، و خرجت ببغداد إلي يوم العيد.

۴۹۲) عن زيد بن علي بن الحسين بن زيد قال: مرضت فدخل عليّ الطبيب ليلا، و وصف لي دواء بليل آخذه كذا و كذا يوما، فلم يمكنني [تحصيله من الليل] فلم يخرج الطبيب من الباب حتّي ورد علي صرة بقارورة فيها ذلك الدواء بعينه، فقال لي: أبو الحسن يقرئك السلام و يقول لك: «خذ الدواء و استعمله كذا و كذا يوما» قال: فأخذته فبرئت.

قال محمّد بن علي قال زيد بن علي: أين الغلاة عن هذا الحديث.

۴۹۳) عن جماعة من أهل أصفهان، منهم العياشي محمّد بن النضر، و أبو جعفر بن محمّد بن علوية قالوا: كان بأصفهان رجل يقال له: عبد الرحمن، و كان شيعيا، قيل له: ما السبب الذي أوجب عليك القول بإمامة عليّ النقي عليه السلام دون غيره من أهل زمانه؟

قال: شاهدت ما أوجب ذلك علي، و ذلك أنّي كنت رجلا فقيرا و كان لي لسان و جرأة، فأخرجني أهل أصفهان سنة من السنين مع قوم آخرين إلي باب المتوكل متظلمين، فأتينا باب المتوكل يوما، إذ خرج الأمر بإحضار علي بن محمد النقي عليه السلام، بعض من حضر:

من هذا الرجل الذي أمر بإحضاره؟ فقيل: هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، (ثمّ قيل: و يقدّر أنّ المتوكل يحضره للقتل).

فقلت: لا أبرح من هاهنا حتّي أنظر إلي هذا الرجل أي رجل هو.

قال: فأقبل راكبا، و قد قام الناس يمنة الطريق و يسرتها صفّين، ينظرون إليه، فلمّا رأيته وقع حبّه في قلبي، فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع اللّه عنه شرّ المتوكّل، فأقبل يسير بين الناس و هو ينظر إلي عرف دابته، لا ينظر يمنة و لا يسرة، و أنا دائم الدّعاء له.

فلمّا صار إليّ أقبل بوجهه عليّ و قال: «قد استجاب اللّه دعاءك، و طوّل عمرك، و كثر مالك و ولدك». فارتعدت و وقفت بين أصحابي يسألوني و هم يقولون: ما شأنك؟! فقلت: خيرا، و لم أخبرهم بذلك.

فانصرفنا بعد ذلك إلي أصفهان، ففتح اللّه عليّ وجوها من المال حتّي اليوم، أغلق بابي علي مائة ألف ألف درهم، سوي مالي خارج الدار، و رزقت عشرة من الأولاد، و قد بلغت الآن من العمر نيفا و سبعين سنة، و أنا أقول بإمامة هذا الذي علم ما في قلبي و استجاب اللّه دعاءه في.

۴۹۴) عن يحيي بن هرثمة، قال: دعاني المتوكل و قال: اختر ثلاثمائة ممّن تريد و اخرجوا إلي الكوفة، و خلّفوا أثقالكم فيها، و اخرجوا علي طريق البادية إلي المدينة، و أحضروا علي بن محمّد النقي إلي عندي مكرّما معظّما مبجلا.

قال: فقمت و خرجنا، و كان في أصحابي قائد من الشراة، و كان لي كاتب متشيّع، و أنا علي مذهب الحشوية، و كان ذلك الشاري يناظر الكاتب، و كنت أسمع إلي مناظرتهما لقطع الطريق.

فلمّا صرنا وسط الطريق قال الشاري للكاتب: أ ليس من قول صاحبكم عليّ بن أبي طالب «ليس في الأرض بقعة إلّا و هي قبر، أو سيكون قبرا»؟ فانظر إلي هذه البرية أين من يموت فيها حتّي يملأها اللّه قبورا كما تزعمون؟

قال: فقلت للكاتب: أ هذا من قولكم؟ قال: نعم. قلت:

صدق، أين من يموت في هذه البرية العظيمة حتّي تمتلئ قبورا؟

و تضاحكنا ساعة إذ انخذل الكاتب في أيدينا.

قال: و سرنا حتّي دخلنا المدينة، فقصدت بيت أبي الحسن عليّ بن محمد بن الرضا عليهم السلام، فدخلت عليه فقرأ كتاب المتوكّل فقال: «انزلوا، و ليس من جهتي خلاف».

قال: فلما حضرت إليه من الغد، و كنا في تموز أشدّ ما يكون من الحر، فإذا بين يديه خياط و هو يقطع من ثياب غلاظ- خفاتين- له و لغلمانه، ثمّ قال للخياط: «اجمع عليها جماعة من الخياطين، و اعمد علي الفراغ منها يومك هذا و بكّر بها إليّ في هذا الوقت».

ثم نظر إليّ و قال: «يا يحيي، اقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم، و اعمل علي الرحيل غدا في هذا الوقت».

قال: فخرجنا و إنّما بيننا و بين العراق مسيرة عشرة أيام، فما يصنع بهذه الثياب؟! ثمّ قلت في نفسي: هذا رجل لم يسافر، و هو يقدّر أنّ كلّ سفر يحتاج فيه إلي هذه الثياب، و العجب من الرّافضة حيث يقولون بإمامة هذا مع فهمه. فعدت إليه في الغد في ذلك الوقت، فإذا الثياب قد أحضرت، فقال لغلمانه: «ادخلوا، و خذوا لنا معكم لبابيد و برانس» ثمّ قال: «ارحل يا يحيي» فقلت في نفسي:

هذا أعجب من الأوّل، أ يخاف أن يلحقنا الشّتاء في الطّريق حتّي يأخذ معه اللبابيد و البرانس».

فخرجت و أنا أستصغر فهمه حتّي إذا وصلنا إلي مواضع المناظرة في القبور ارتفعت سحابة، و اسودّت و أرعدت و أبرقت حتّي إذا صارت علي رءوسنا أرسلت بردا من الصخور، و قد شدّ علي نفسه و غلمانه الخفاتين، و لبسوا اللبابيد و البرانس و قال لغلمانه: «ارفعوا إلي يحيي لبادة، و إلي الكاتب برنسا» و تجمعنا و البرد يأخذنا حتّي قتل من أصحابي ثمانون رجلا، و زالت، و رجع الحرّ كما كان.

فقال لي: «يا يحيي، أنزل من بقي من أصحابك ليدفن من مات، فهكذا يملأ اللّه هذه البرية قبورا».

قال: فرميت نفسي عن الدابّة و اعتذرت إليه، و قبّلت ركابه و رجله، و قلت: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و أنّكم خلفاء اللّه في أرضه، و قد كنت كافرا، و إني الآن أسلمت علي يديك يا مولاي.

قال: فتشيعت، و لزمت خدمته إلي أن مضي.

۴۹۵) عن هبة اللّه بن أبي منصور الموصلي، قال: كان بديار ربيعة كاتب لنا نصراني و كان من أهل كفرتوثا يسمّي (يوسف بن يعقوب) و كان بينه و بين والدي صداقة.

قال: فوافي و نزل عند والدي فقال: ما شأنك قدمت في هذا الوقت؟ قال: قد دعيت إلي حضرة المتوكل، و لا أدري ما يراد مني، إلّا أنّي قد اشتريت نفسي من اللّه تعالي بمائة دينار قد حملتها لعلي بن محمّد بن الرضا عليهم السلام معي، فقال له والدي: وفقت في هذا.

قال: و خرج إلي حضرة المتوكل و انصرف إلينا بعد أيّام قلائل فرحا مستبشرا، فقال له أبي: حدّثني بحديثك.

قال: سرت إلي سر من رأي و ما دخلتها قط، فنزلت في دار و قلت: يجب أن أوصل المائة دينار إلي أبي الحسن بن الرضا عليه السلام قبل مصيري إلي باب المتوكل، و قبل أن يعرف أحد قدومي.

قال: فعرفت أن المتوكّل قد منعه من الركوب، و أنّه ملازم لداره، فقلت: كيف أصنع؟ رجل نصراني يسأل عن دار ابن الرضا، لا آمن أن ينذر بي فيكون ذلك زيادة فيما أحاذره.

قال: فتفكّرت ساعة في ذلك، فوقع في قلبي أن أركب حماري و أخرج من البلد، و لا أمنعه من حيث يريد، لعلي أقف علي معرفة داره من غير أن أسأل أحدا.

قال: فجعلت الدراهم في كاغدة و جعلتها في كمي، و ركبت فكان الحمار يخرق الشوارع و الأسواق يمرّ حيث يشاء، إلي أن صرت إلي باب دار، فوقف الحمار، فجاهدت أن يزول فلم يزل، فقلت للغلام: سل لمن هذه الدار؟ فقيل: هذه دار ابن الرضا عليه السلام.

فقلت: اللّه أكبر، دلالة و اللّه مقنعة.

قال: فإذا خادم أسود قد خرج فقال: أنت يوسف بن يعقوب؟

قلت: نعم. قال: انزل، فنزلت، فأقعدني في الدهليز، و دخل، فقلت في نفسي: و هذه دلالة أخري، من أين يعرف هذا الخادم اسمي و ليس في هذا البلد أحد يعرفني و لا دخلته قط؟!

قال: فخرج الخادم و قال: المائة دينار الّتي في كمك في الكاغذ هاتها. فناولته إيّاها و قلت: هذه ثالثة، ثمّ رجع إليّ و قال: ادخل، فدخلت إليه و هو في مجلسه وحده، فقال: «يا يوسف، أ ما بان لك؟» فقلت: يا مولاي، قد بان من البراهين ما فيه كفاية لمن اكتفي. فقال:

«هيهات هيهات، أما إنّك لا تسلم و لكن سيسلم ولدك فلان، و هو من شيعتنا، يا يوسف، إنّ أقواما يزعمون أنّ ولايتنا لا تنفع أمثالك، كذبوا و اللّه، إنّها لتنفع أمثالك، امض فيما وافيت فإنّك ستري ما تحبّ».

قال: فمضيت إلي باب المتوكّل فقلت كلما أردت و انصرفت.

قال هبة اللّه: فلقيت ابنه بعد هذا و هو مسلم حسن التشيع، فأخبرني أنّ أباه مات علي النصرانيّة، و أنّه أسلم بعد موت والده، و كان يقول: أنا بشارة مولاي عليه السلام.

۴۹۶) عن أبي هاشم الجعفري، قال: ظهر برجل من أهل سر من رأي من البرص ما ينغص عليه عيشه، فجلس يوما إلي أبي عليّ الفهري، فشكا إليه حاله فقال له: لو تعرّضت يوما لأبي الحسن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام فتسأله أن يدعو لك رجوت أن يزول عنك.

فجلس له يوما في الطريق وقت منصرفه من دار المتوكّل، فلمّا رآه قام ليدنو منه فيسأله ذلك، فقال: «تنحّ عافاك اللّه» ثلاث مرات، فابتعد الرجل و لم يجسر أن يدنو منه، و انصرف، فلقي الفهريّ فعرّفه الحال و ما قال: قال: قد دعا لك قبل أن تسأله، فامض فإنّك ستعافي، فانصرف الرجل إلي بيته فبات ليله، فلمّا أصبح لم ير علي بدنه شيئا من ذلك.

۴۹۷) عن زرافة حاجب المتوكل، قال: وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند إلي المتوكل يلعب لعب الحقة و لم ير مثله، و كان المتوكّل لعّابا، فأراد أن يخجل علي بن محمد بن الرضا عليه السلام فقال لذلك الرّجل: إن أخجلته أعطيتك ألف دينار.

قال: تقدّم بان يخبز رقاقا خفافا و اجعلها علي المائدة و أقعدني إلي جنبه، فقعدوا و أحضر علي بن محمد عليهما السلام للطعام، و جعل له مسورة عن يساره، و كان عليها صورة أسد، و جلس اللاعب إلي جنب المسورة، فمد علي بن محمد عليه السلام يده إلي رقاقة فطيّرها ذلك الرجل في الهواء و مدّ يده إلي أخري، فطيّرها ذلك الرجل، و مد يده إلي أخري فطيرها فتضاحك الجميع.

فضرب علي بن محمد عليهما السلام يده المباركة الشريفة علي تلك الصورة التي في المسورة و قال: «خذيه». فابتلعت الرجل، و عادت كما كانت إلي المسورة.

فتحير الجميع و نهض أبو الحسن عليّ بن محمد عليهما السلام فقال له المتوكل: سألتك إلّا جلست و رددته. فقال: «و اللّه لا تراه بعدها، أتسلط أعداء اللّه علي أولياء اللّه؟!». و خرج من عنده، فلم ير الرجل بعد ذلك.

۴۹۸) عن أبي العباس فضل بن أحمد بن إسرائيل الكاتب، قال: كنّا مع المعتز، و كان أبي كاتبه، فدخلنا الدار و المتوكل علي سريره قاعد، فسلّم المعتزّ و وقف و وقفت خلفه، و كان عهدي به إذا دخل عليه رحّب به و أمره بالقعود و نظرت إلي وجهه يتغير ساعة بعد ساعة، و يقبل علي الفتح بن خاقان و يقول: هذا الّذي يقول فيه ما يقول. و يرد عليه القول، و الفتح مقبل عليه يسكنه و يقول: مكذوب عليه يا أمير المؤمنين. و هو يتلظي و يقول: و اللّه لأقتلنّ هذا المرائي الزنديق، و هو الذي يدّعي الكذب، و يطعن في دولتي.

ثمّ قال: جئني بأربعة من الخزر و أجلاف لا يفقهون. فجي‌ء بهم، و دفع إليهم أربعة أسياف، و أمرهم أن يرطنوا بألسنتهم إذا دخل أبو الحسن، و أن يقبلوا عليه بأسيافهم فيخبطوه و يقتلوه، و هو يقول:

و اللّه لأحرقنّه بعد القتل. و أنا منتصب قائم خلفه من وراء الستر، فما علمت إلّا بأبي الحسن عليه السلام قد دخل، و قد بادر الناس قدّامه فقالوا: جاء و التفتّ ورائي و هو غير مكترث و لا جازع، فلمّا بصر به المتوكل رمي بنفسه من السرير إليه و هو بسيفه فانكبّ عليه يقبّل بين عينيه، و احتمل يده بيده، و هو يقول: يا سيدي، يا ابن رسول اللّه، و يا خير خلق اللّه، يا ابن عمي، يا مولاي، يا أبا الحسن. و أبو الحسن يقول: «أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من هذا». فقال: ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت؟ قال: «جاءني رسولك» فقال المتوكل: كذب ابن الفاعلة، ارجع يا سيدي من حيث جئت، يا فتح، يا عبد اللّه، يا معتز، شيّعوا سيدي و سيدكم.

فلمّا بصر به الخزر خرّوا سجّدا مذعنين، فلمّا خرج دعاهم المتوكل ثمّ أمر الترجمان أن يخبره بما يقولون، ثمّ قال لهم: لم لا تفعلوا ما أمرتكم به؟ قالوا: لشدّة هيبته، و رأينا حوله أكثر من مائة سيف لم نقدر أن ننالهم، فمنعنا ذلك عمّا أمرنا به، و امتلأت قلوبنا رعبا من ذلك. فقال المتوكل: هذا صاحبكم، و ضحك في وجه الفتح، و ضحك الفتح في وجهه و قال: الحمد للّه الذي بيّض وجهه و أرانا حجّته.

قال المصنف رحمه اللّه: و أظن أنّ القصة التي ذكرتها قبل و أسندتها إلي جماعة أهل أصفهان و تشيّع عبد الرحمن الأصفهاني، و الخبر عمّا رواه من الأخبار عمّا في قلبه و الدعاء له، و إجابة الدعاء كان في ذلك اليوم، و لا أبعد أن يكون من أمر المتوكل بقتله من الغلمان الخزرية و إحياء أبي الحسن عليه السلام إيّاهم، هؤلاء الذين خرّوا له سجّدا في ذلك اليوم، و اللّه أعلم.

۴۹۹) و أمّا حديث المخالي فمشهور، و ذلك أنّ الخليفة أمر العسكر و هم تسعون ألف فارس من الأتراك السّاكنين بسرّمن‌رأي أن يملأ كلّ واحد منهم مخلاة فرسه من الطين الأحمر، و يجعلوا بعضه علي بعض في وسط برية واسعة هناك، ففعلوا.

فلمّا صار مثل جبل عظيم صعد فوقه و استدعي أبا الحسن عليه السلام و استصعده و قال: استحضرك للنظارة، و قد كان أمرهم أن يلبسوا التجافيف و يحملوا الأسلحة، و قد عرضوا بأحسن زينة، و أتمّ عدة، و أعظم هيبة، و كان غرضه أن يكسر كلّ من يخرج عليه، و كان خوفه من أبي الحسن عليه السلام أن يأمر أحدا من أهل بيته أن يخرج علي الخليفة.

فقال له أبو الحسن عليه السلام: «و هل أعرض عليك عسكري؟» فقال: نعم.

فدعا اللّه سبحانه، فإذا بين السماء و الأرض من المشرق إلي المغرب ملائكة مدججون، فغشي علي المتوكل، فلمّا أفاق قال له أبو الحسن عليه السلام: «نحن لا ننافسكم في الدنيا، نحن مشتغلون بأمر الآخرة، و لا عليك ممّا تظن».

الباب الرابع عشر في ذكر آيات أبي محمّد الحسن بن علي العسكري

في بيان ظهور آياته عليه السلام في الحصي و فيه: حديث واحد

۵۰۰) عن أبي هاشم الجعفري، قال: كنت عند أبي محمّد الحسن عليه السلام فاستؤذن لرجل من أهل اليمن، فدخل رجل طويل جسيم جميل و سيم، فسلّم عليه بالولاية، فردّ عليه بالقبول، و أمره بالجلوس فجلس ملاصقا بي، فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا؟

فقال أبو محمّد عليه السلام: «هذا من ولد الأعرابية صاحبة الحصاة التي طبع فيها آبائي بخواتيمهم فانطبعت، فقد جاء بها معه يريد أن نطبع فيها».

ثمّ قال: هاتها فأخرج حصاة من جانب منها موضع أملس، فأخذها ثمّ أخرج خاتمه، فطبع فيها فانطبع، و كأنّي أقرأ نقش خاتمه الساعة «الحسن بن علي» فقلت لليماني: أ رأيته قبل هذا؟

قال: لا و اللّه، و إنّي منذ دهر لحريص علي رؤيته حتّي كان الساعة أتاني شابّ لست أراه فقال لي: قم فادخل، فدخلت، ثمّ نهض اليماني و هو يقول: رحمة اللّه و بركاته عليكم أهل البيت، ذرّية بعضها من بعض، أشهد أنّ حقّك لواجب كوجوب حقّ أمير المؤمنين عليه السلام و الأئمة من بعده، و إليك انتهت الحكمة و الإمامة، و إنّك وليّ اللّه، لا عذر لأحد في الجهل بك.

فسألته عن اسمه فقال: اسمي مهجع بن الصلت بن عاقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم، و هي الأعرابية اليمانية صاحبة الحصاة الّتي ختم فيها أمير المؤمنين عليه السلام.

و هذه أم غانم صاحبة الحصاة غير تلك صاحبة الحصاة المشهورة، و هي أم الندي بنت جعفر حبابة الوالبية الأسدية، من أسد ابن خزيمة بن مدركة، من بني سعد بن بكر بن زيد مناة.

و أمّا صاحبة الحصاة الأولي فهي أم مسلم، و قيل: أم أسلم، جاءت النبي صلي الله عليه و آله منزل أم سلمة فسألتها عن النبي صلي الله عليه و آله فقالت: خرج صلي الله عليه و آله في بعض الحوائج، الساعة يجي‌ء، فانتظرته عند أمّ سلمة رضي اللّه عنها حتّي جاء صلي الله عليه و آله، فقالت أم مسلم: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه، إني قد قرأت الكتاب و علمت أن لكل نبي وصيا، فموسي كان له وصي في حياته و وصي بعد وفاته، و كذلك عيسي فمن وصيّك يا رسول اللّه؟ فقال لها: «يا أم مسلم، وصيي في حياتي و بعد مماتي واحد» ثمّ ضرب بيده إلي حصاة فجعلها كهيئة الدقيق، ثمّ عجنها و ختمها بخاتمه، ثمّ قال لها: «يا أمّ سلمة، من فعل بعدي مثل فعلي فهو وصيي في حياتي و بعد مماتي».

فخرجت من عنده و أتت أمير المؤمنين عليه السلام فقالت: بأبي أنت و أمي، أنت وصي رسول اللّه صلي الله عليه و آله؟ فقال: «نعم يا أم مسلم» ثمّ ضرب بيده إلي الحصاة فجعلها كهيئة الدقيق ثمّ عجنها و ختمها بخاتمه، ثمّ قال: «يا أم مسلم، من فعل [مثل] فعلي هذا فهو وصيي».

فأتت الحسن عليه السلام و هو غلام فقالت له: سيدي، أنت وصي أبيك؟ فقال: «نعم يا أم سلمة» و ضرب بيده إلي الحصاة ففعل بها كفعلهما.

فخرجت من عنده حتّي أتت الحسين عليه السلام و هي مستصغرة له، فقالت: بأبي أنت و أمّي، أنت وصي أخيك؟ فقال: «نعم يا أم مسلم» و فعل مثل فعل أخيه.

ثمّ لحقت بعلي بن الحسين عليه السلام بعد قتل الحسين عليه السلام في منصرفه، فسألته: أنت وصي أبيك؟ فقال: «نعم» ثمّ فعل كفعلهم عليهم السلام.

و قد أنشد في قصة اليماني و الحصاة، و هو شعر:

بدرت إلي مولانا يطبع الحصي

له اللّه أصفي بالدليل و أخلصا

و أعطاه آيات الإمامة كلها

كموسي و فلق البحر و السيد و العصا

و ما قمّص اللّه النبيّين حجة

و معجزة إلّا الوصيّين قمصا

في بيان ظهور آياته عليه السلام من الاخبار بحديث النفس و فيه: أربعة عشر حديثا

۵۰۱) عن أبي هاشم الجعفري، قال: سمعت أبا محمّد عليه السلام يقول: «إنّ في الجنّة بابا يقال له: المعروف، و لا يدخله إلّا أهل المعروف». فحمدت اللّه تعالي في نفسي، و فرحت بما أتكلف من حوائج الناس، فنظر عليه السلام إليّ فقال: «نعم دم علي ما أنت عليه، فإنّ أهل المعروف في دنياهم هم أهل المعروف في الآخرة، جعلك اللّه منهم يا أبا هاشم و رحمك».

۵۰۲) و عنه قال: سأل محمّد بن صالح الأرمني: عرّفني عن قول اللّه عزّ و جل، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ فقال عليه السلام: «للّه الأمر من قبل أن يأمر، و من بعد أن يأمر بما يشاء». فقلت في نفسي: هذا تأويل قوله تعالي: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.

فأقبل عليّ و قال: «كما هو أسررت في نفسك أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» فقلت: أشهد أنّك حجّة اللّه و ابن حجّته علي عباده.

۵۰۳) و عنه قال: دخلت علي أبي محمد عليه السلام و أنا أريد أن أسأله ما أصوغ به خاتما أتبارك به، فجلست و نسيت ما جئت له، فلمّا ودّعته و نهضت رمي إليّ خاتما و قال: «أردت فضّة فأعطيناك خاتما، و ربحت الفص و الكري، هنأك اللّه يا أبا هاشم» فتعجبت من ذلك و قلت: يا سيدي، أشهد أنّك ولي اللّه، و إمامي الذي أدين للّه بفرض طاعته. فقال: «غفر اللّه لك يا أبا هاشم».

۵۰۴) عن الحسن بن ظريف، قال: اختلج في صدري مسألتان أردت الكتابة بهما إلي أبي محمّد عليه السلام فكتبت أسأله:

إذا قام القائم و أراد أن يقضي، أين مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس؟ و أردت أن أكتب إليه أسأله عن حمّي الرّبع، أغفلت ذكر الحمي، فجاء الجواب: «سألت عن القائم فإذا قام يقضي بين الناس بعلمه، كقضاء داود، و لا يسأل البينة، و كنت أردت أن تسأل عن حمّي الربع فأنسيت، فاكتب علي ورقة و علّقها علي المحموم قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلي إِبْراهِيمَ فإنّه يبرأ بإذن اللّه تعالي».

۵۰۵) عن أبي هاشم، قال: كنت مضيّقا علي، فأردت أن أطلب منه شيئا من الدنانير في كتاب فاستحييت، فلمّا صرت إلي منزلي وجّه إليّ مائة دينار، و كتب إلي: «إذا كانت لك حاجة فلا تستحي و لا تحتشم، و اطلبها فإنّك تري ما تحب إن شاء اللّه تعالي»

۵۰۶) و عنه قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فسألته عن قول اللّه تعالي: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فقال عليه السلام: «كلّهم من آل محمّد عليهم السلام، الظالم لنفسه الذي لا يقرّ بالإمام، و المقتصد العارف بالإمام، و السابق بالخيرات بإذن اللّه الإمام».

قال: فدمعت عيناي و جعلت أفكر في نفسي عظم ما أعطي اللّه آل محمّد عليهم السلام، فنظر إليّ و قال: «الأمر أعظم مما حدّثتك به نفسك من عظم شأن آل محمّد عليهم السلام، فاحمد اللّه فقد جعلك متمسكا بحبلهم، تدعي يوم القيامة بهم إذا دعي كل أناس بإمامهم، فابشر يا أبا هاشم فإنّك علي خير».

۵۰۷) و عنه، قال: سأل محمّد بن صالح الأرمني أبا محمّد عليه السلام عن قول اللّه تعالي: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُ الْكِتابِ فقال عليه السلام: «هل يمحو إلّا ما كان، و هل يثبت إلا ما لم يكن؟» فقلت في نفسي: هذا خلاف قول هشام أنّه لا يعلم بالشي‌ء حتّي يكون.

فنظر إليّ أبو محمد عليه السلام و قال: «تعالي الجبّار العالم بالأشياء قبل كونها، الخالق إذ لا مخلوق، و الرب إذ لا مربوب، و القادر قبل المقدور عليه». فقلت: أشهد أنّك حجّة اللّه و وليه بقسط، و أنّك علي منهاج أمير المؤمنين عليه السلام.

۵۰۸) و عنه قال: كنت عنده فسأله محمّد بن صالح الأرمني عن قول اللّه تعالي: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ الآية قال: «ثبتوا المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه، و لو لا ذلك لم يدر أحد من خالقه و من رازقه».

قال أبو هاشم: فجعلت أتعجّب في نفسي من عظيم ما أعطي اللّه وليّه من جزيل ما حمله، فأقبل أبو محمّد عليه السلام عليّ و قال:

«الأمر أعجب ممّا عجبت منه يا أبا هاشم، و أعظم، ما ظنك بقوم من عرفهم عرف اللّه، و من أنكرهم أنكر اللّه، و لا يكون مؤمنا حتي يكون لولايتهم مصدّقا، و بمعرفتهم موقنا؟».

۵۰۹) و عنه، قال: سمعت أبا محمّد عليه السلام قال:

«الذنوب التي لا تغفر قول الرجل: ليتني لا أؤاخذ إلّا بهذا» فقلت في نفسي: إن هذا لهو الدقيق، و قد ينبغي للرجل أن يتفقد من نفسه كلّ شي‌ء، فأقبل عليّ عليه السلام، و قال: «صدقت يا أبا هاشم، نعم ما حدثتك به نفسك، فإن الإشراك في الناس أخفي من دبيب النمل علي الصفا في الليلة الظلماء، و من دبيب الذر علي الشبح الأسود»

۵۱۰) عن يحيي بن المرزبان، قال: التقيت مع رجل فأخبرني أنّه كان له ابن عم ينازعه في الإمامة و القول في أبي محمد عليه السلام و غيره، فقلت: لا أقول به و لا أري منه علامة، فوردت العسكري في حاجة، فأقبل أبو محمّد عليه السلام، فقلت في نفسي متعنتا: إنّ مدّ يده إلي رأسه و كشفه ثمّ نظر إليّ و ردّه قلت به.

فلمّا حاذاني مدّ يده إلي رأسه أو القلنسوة، فكشفها ثمّ برق عينيه فيّ ثمّ ردّها و قال: «يا يحيي، ما فعل ابن عمك الذي ينازعك في الإمامة؟» فقلت: خلّفته صالحا فقال: «لا تنازعه» ثمّ مضي.

۵۱۱) عن أبي هاشم الجعفري، قال: فكّرت في نفسي فقلت: أشتهي أن أعلم ما يقول أبو محمّد عليه السلام في القرآن؟

فبدأني و قال: «اللّه خالق كلّ شي‌ء، و ما سواه فهو مخلوق».

۵۱۲) عن ابن الفرات قال: كان لي علي ابن عم لي عشرة آلاف درهم، فكتبت إلي أبي محمّد عليه السلام أشكو إليه و أسأله الدعاء، و قلت في نفسي: لا أبالي أين يذهب مالي بعد أن أهلكه اللّه.

قال: فكتب إلي: «إنّ يوسف عليه السلام شكا إلي ربّه السجن فأوحي اللّه إليه: أنت اخترت لنفسك ذلك حيث قلت: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ و لو سألتني أن أعافيك لعافيتك؛ إنّ ابن عمّك لراد عليك مالك، و هو ميت بعد جمعة».

قال: فردّ عليّ ابن عمّي مالي، فقلت: ما بدا لك في ردّه و قد منعتني إيّاه؟ قال: رأيت أبا محمّد عليه السلام في المنام فقال لي: «إنّ أجلك قد دنا، فردّ علي ابن عمّك ماله».

۵۱۳) عن أبي القاسم الحليسي قال: كنت أزور العسكري في شعبان في أوله، ثمّ أزور الحسين عليه السلام في النصف من شعبان، فلمّا كانت سنة من السّنين وردت العسكري قبل شعبان و ظننت أني لا أزوره في شعبان، فلمّا دخل شعبان قلت: لا أدع زيارة كنت أزورها، و خرجت إلي العسكر، و كنت إذا وافيت العسكر، أعلمتهم برقعة أو رسالة، فلمّا كان في هذه المرّة قلت: أجعلها زيارة خالصة لا أخلطها بغيرها، و قلت لصاحب المنزل: أحب أن لا تعلمهم بقدومي.

فلمّا أقمت ليلة جاءني صاحب المنزل بديا نارين و هو (متبسّم ضاحك مستبشر) و يقول: بعث إلي بهذين الديا نارين و قيل لي: ادفعهما إلي الحليسي و قل له: «من كان في طاعة اللّه كان اللّه في حاجته».

۵۱۴) عن محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن موسي بن جعفر قال: ضاق بنا الأمر فقال لي أبي: امض بنا حتّي نصير إلي هذا الرجل- يعني أبا محمد عليه السلام- فإنّه قد وصف عنه سماحة. فقال لي: أتعرفه؟ فقلت: ما أعرفه و لا رأيته قط.

قال: فقصدناه، فقال لي أبي و هو في طريقه، ما أحوجنا أن يأمر لنا بخمسمائة درهم، مائتين للكسوة و مائتي درهم للدين، و مائة درهم للنفقة، و أخرج إلي الجبل.

فقلت في نفسي: ليته أمر لي بثلاثمائة درهم، أشتري بمائة حمارا، و بمائة كسوة، و مائة درهم للنفقة، و أخرج إلي الجبل.

فلمّا وافينا الباب خرج إلينا غلام فقال: يدخل عليّ بن إبراهيم و محمّد ابنه؛ فلمّا دخلنا عليه و سلّمنا عليه قال لأبي: «علي ما خلّفك عنّا إلي هذا الوقت؟» فقال: يا سيدي، استحييت أن ألقاك و أنا علي هذه الصورة و الحال. فلمّا خرجنا من عنده جاءنا غلامه فناول أبي صرّة فيها خمسمائة درهم و قال: هذه الصرة: مائتان للكسوة، و مائتان للدين، و مائة درهم للنفقة، و لا تخرج إلي الجبل و صر إلي سوراء.

و أعطاني صرّة فقال هذه ثلاثمائة درهم، اجعل مائة منها ثمن حمار، و مائة للكسوة، و مائة للنفقة، و لا تخرج إلي الجبل و صر إلي سوراء.

قال: فصار أبي إلي سوراء، فتزوج بامرأة، فدخله إلي اليوم ألفا درهم، و هو مع ذلك يقول بالوقف.

۵۱۵) عن إسحاق، عن الأقرع قال: كنت كتبت إلي أبي محمد عليه السلام أسأله عن الإمام هل يحتلم؟ و قلت في نفسي بعدها قد أعاذ اللّه تبارك و تعالي أولياءه من ذلك.

فورد الجواب: «حال الأئمة عليهم السلام في المنام حالهم في اليقظة، لا يغيّر النوم منهم شيئا، و قد أعاذ اللّه عز و جل أولياءه من الشيطان، كما حدّثتك نفسك».

في بيان آياته عليه السلام في الإخبار بالمغيبات و فيه: اثنا عشر حديثا

۵۱۶) عن علي بن زيد بن علي بن الحسين، قال: كان لي فرس و كنت به معجبا أكثر ذكره في المحافل، فدخلت علي أبي محمد عليه السلام يوما فقال لي: «ما فعل فرسك؟» فقلت هو عندي ها هو ذا علي بابك، نزلت الآن عنه، قال: «استبدل به قبل المساء إن قدرت، و لا تؤخر ذلك» و دخل علينا داخل فانقطع الكلام، فبقيت متفكرا، و مضيت إلي منزلي فأخبرت أخي فقال: ما أدري ما أقول في هذا؟

و شححت عليه و نفست عليه و نفست علي السائس ببيعه، و أمسيت.

فلمّا صلّيت العتمة جاءني السائس و قال: يا مولاي، مات فرسك الساعة. فاغتممت لذلك، و علمت أنّه عني هذا بذلك القول.

ثمّ دخلت علي أبي محمّد عليه السلام بعد أيّام و أنا أقول في نفسي: ليته أخلف عليّ دابتي. فلمّا جلست قال قبل أن يتحدّث:

«نعم نخلف عليك، يا غلام اعطه برذوني الكميت». ثمّ قال: «هذا خير من فرسك و أطول عمرا».

۵۱۷) عن محمّد بن الربيع الشيباني، قال: ناظرت رجلا من الثنوية بالأهواز، ثمّ قدمت سر من رأي و قد علق بقلبي شي‌ء من مقالته، و إنّي جالس علي باب دار أحمد الخصيب إذ أقبل أبو محمد عليه السلام من دار العامّة يوم الموكب، فنظر إليّ و أشار بسبابته «أحد، فوحّده» فسقطت مغشيا علي.

۵۱۸) عن محمّد بن حجر، قال: كتبت إلي أبي محمّد عليه السلام فشكوت إليه عبد العزيز بن أبي دلف، و يزيد بن عبد اللّه، فكتب إلي: «أمّا عبد العزيز فقد كفيته، و أمّا يزيد فلك و له مقام بين يدي اللّه عز و جل» فمات عبد العزيز بن دلف، و قتل يزيد بن عبد اللّه محمد بن حجر.

۵۱۹) عن إبراهيم بن هلقام، عن ابن القزاز قال: كنت أشتهي الولد شهوة شديدة، فأقبل أبو محمد عليه السلام فارسا، فقلت تراني أرزق ولدا؟ فقال برأسه: نعم، فقلت: ذكرا؟ فقال برأسه: لا، فولدت لي بنت.

۵۲۰) عن حمزة بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: كان أبي بلي بالشلل و ضاق صدره، فقال: لأقصدنّ هذا الذي تزعم الإمامية أنّه إمام. يعني الحسن بن علي عليهما السلام.

قال: فاكتريت دابّة و ارتحلت نحو سر من رأي فوافيتها، و كان يوم ركوب الخليفة إلي الصيد، فلما ركب الخليفة ركب معه الحسن بن علي، فلما ظهروا و اشتغل الخليفة باللهو، و طلب الصيد اعتزل أبو محمد عليه السلام و ألقي إلي غلامه الغاشية فجلس عليها، فجئت إلي خرابة بالقرب منه فشددت دابّتي و قصدت نحوه، فناداني: «يا أبا محمّد لا تدن منّي فإنّ عليّ عيونا، و أنت أيضا خائف».

قال: فقلت في نفسي: هذا أيضا من مخاريق الإمامة، ما يدري ما حاجتي؟ قال: فجاءني غلامه و معه صرّة فيها ثلاثمائة دينار فقال:

يقول لك مولاي: «جئت تشكو إلي الشلل، و أنا أدعو اللّه بقضاء حاجتك، كثّر اللّه ولدك، و جعل فيكم أبرارا، خذ هذه الثلاثمائة دينار بارك اللّه لك فيها».

قال: فما خلاني من ثلاثمائة دينار، و كانت معه.

قال: و لمّا مات و اقتسمنا وجدنا مائتين و ثمانين دينارا، ثمّ أخبرتنا خادمة لنا أنّها سرقت منها عشرين دينارا، و سألتنا أن نجعلها في حلّ منها.

۵۲۱) عن أبي القاسم بن إبراهيم بن محمّد المعروف بابن الحميري، قال: خرج أبي محمّد بن علي من المدينة فأردت قصده، و لم أعلم في أي الطريق أخذ، فقلت: ليس لي إلا الحسن بن علي عليهما السلام، فقصدته بسر من رأي و وقفت ببابه و هو مغلق، فقعدت منتظرا لداخل أو خارج، فسمعت قرع الباب و كلام جارية من خلف الباب، فقالت: يا ابن إبراهيم بن محمد، إنّ مولاي يقرئك السلام- و معها صرّة فيها عشرون دينارا- و يقول: «هذه بلغتك إلي أبيك» فأخذت الصرّة و قصدت الجبل، و ظفرت بأبي بطبرستان، و كان بقي من الدنانير دينار واحد، فدفعته إلي أبي و قلت: هذا ما أنفذه إليك مولاي؛ و ذكرت له القصّة.

۵۲۲) عن علي بن علي بن الحسن بن شابور، قال: وقع قحط بسر من رأي في زمان المولي الحسن بن علي عليهما السلام، فأمر الخليفة الحاجب و أهل المملكة أن يخرجوا للاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام متواليات إلي المصلّي يستسقون فما سقوا.

فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلي الصحراء، و معه النصاري و الرهبان، و كان فيهم راهب، فلمّا مد يده هطلت السماء بالمطر، و خرج في اليوم الثاني فهطلت السماء بالمطر، فشكّ أكثر الناس و تعجبوا، و صبوا إلي دين النصرانية لما رأوا ذلك، فأنفذ الخليفة إلي أبي محمّد عليه السلام، و كان محبوسا، فأخرجه من حبسه، و قال:

الحق أمّة جدّك فقد هلكت. فقال له: إنّي خارج من غد و مزيل الشك فخرج الجاثليق في اليوم الثالث و الرّهبان معه و مولانا و سيدنا الحسن بن علي عليهما السلام في نفر من أصحابه، فلمّا بصر بالراهب و قد مدّ يده أمر بعض مماليكه أن يقبض علي يده اليمني و يأخذ ما بين إصبعيه؛ ففعل و أخذ من بين سبابتيه عظاما أسود، فأخذه مولانا عليه السلام ثمّ قال: «استسق الآن» فاستسقي و كانت السماء مغيمة فانقشعت و طلعت الشمس بيضاء.

فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبا محمد؟

فقال عليه السلام: «هذا عظم نبي من أنبياء اللّه تعالي، و هذا رجل من نسل ذلك النبي، فوقع في يده هذا العظم، و ما كشف عن عظم النبي إلّا هطلت السماء بالمطر».

۵۲۳) عن محمّد بن عبد اللّه، قال: لمّا أمر الزبير بحمل أبي محمّد عليه السلام كتب إليه أبو هاشم: جعلت فداك، بلغنا خبر أقلقنا و بلغ منازل محمد بن عبد اللّه قال: فكتب إليه: «بعد ثلاث يأتيك الخبر» فقتل الزبير يوم الثالث.

قال: فقد غلام له صغير، فلم يوجد، فأخبر بذلك فقال:

«اطلبوه في البركة» فطلب فوجد فيها ميتا.

۵۲۴) عن علي بن محمد الصيمري، قال: دخلت علي أبي عبد اللّه بن عبد اللّه و بين يديه رقعة فقال: هذه الرقعة كتبها إليّ أبو محمّد عليه السلام فيها: «إنّي نازلت اللّه تعالي في هذا الطاغية يعني الزبير بن جعفر و هو آخذه بعد ثلاث». فلمّا كان اليوم الثالث فعل به ما فعل.

۵۲۵) عن أبي هاشم الجعفري، قال: شكوت إلي أبي محمّد عليه السلام ضيق الحبس و ثقل القيد، فكتب إلي: «تصلّي الظهر اليوم في منزلك» فأخرجت في وقت الظهر فصلّيت في منزلي كما قال عليه السلام.

و عنه: كنت مضيقا، فأردت أن أطلب منه دنانير في كتابي فاستحييت منه، فلمّا صرت إلي منزلي وجّه إليّ بثلاثمائة دينار، و كتب إليّ «إذا كانت لك حاجة فلا تستحي و لا تستحشم، و اطلبها فإنّك تري ما تحب إن شاء اللّه تعالي».

۵۲۶) و عنه، قال: كنت في الحبس المعروف بحبس الجبيس، بالجوسق بالقصر الأحمر أنا و عبد اللّه الخدوري و الحسين بن محمّد العقيقي، و حمزة الغراب، و محمّد بن إبراهيم القمي، و حبس معنا أبو محمد عليه السلام و أخوه جعفر فحففنا به، و كان المتولي لحبسه صالح بن وصيف، و كان معنا في الحبس رجل جمحي يقول إنّه علوي، فالتفت أبو محمد عليه السلام فقال: «لو لا أنّ فيكم من ليس منكم لأخبرتكم متّي يفرّج اللّه عنكم» و أومأ إلي الجمحي بأن يخرج فخرج فقال عليه السلام: «هذا رجل ليس منكم فاحذروه، و إنّ في ثيابه قصة كتبها إلي السلطان يخبره بما تقولون فيه». فقال بعضهم:

نفتش ثيابه، ففتشوا فوجد فيها القصة يذكرنا فيها عظيمة و يعلمه بأنّنا ننقب و نهرب، و في الحديث طول.

ثمّ قال: و كنت أصوم معه فضعفت ذات يوم، فأفطرت في بيت آخر علي كعكة، و ما يدري و اللّه أحد، ثمّ جئت و جلست معه، فقال لغلامه: «أطعم أبا هاشم فإنّه مفطر» فتبسّمت فقال: «ما يضحكك يا أبا هاشم؟ إذا أردت القوّة فكل اللّحم، فإنّ الكعك لا قوة فيه».

فلما كان في اليوم الثالث الذي أراد اللّه أن يفرج عنه، جاءه الغلام و قال يا سيدي، احمل فطورك؟ فقال: «احمل و ما أحسبنا نأكل منه» فحمل الطعام الظهر، و أطلق عند العصر و هو صائم قال: «هداكم اللّه».

۵۲۷) عن إسماعيل بن محمّد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، قال: قعدت لأبي محمّد عليه السلام علي ظهر الطريق، فلمّا مرّ بي شكوت إليه الحاجة، و حلفت له أنّه ليس عندي درهم فما فوقه، و لا غداء و لا عشاء.

قال: فقال: «تحلف باللّه كاذبا و قد دفنت مائتي دينار! و ليس قولي لك هذا دفعا عن العطية، يا غلام أعطه ما معك؟» فأعطاني غلامه مائة دينار، ثمّ أقبل عليّ فقال: «إنّك تحرمها أحوج ما تكون إليها» ففنيت الدنانير التي دفنتها، و صدق عليه السلام فيما قال دفنت مائتي دينار، و قلت: تكون ظهرا و كهفا لنا، فاضطررت ضرورة شديدة إلي شي‌ء أنفقه، و انغلقت عليّ أبواب الرزق ففتشت عنها فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها و هرب، فما قدرت منها علي شي‌ء.

في بيان ظهور آياته عليه السلام في معان شتّي و فيه: أربعة أحاديث

۵۲۸) عن أحمد بن الحارث القزويني، قال: كنت مع أبي بسر من رأي نتعاطي البيطرة في مربط أبي محمّد عليه السلام، و كان عند المستعين بغل لم ير مثله حسنا و كبرا، و كان يمنع ظهره من السرج و من اللجام، و قد كان قد جمع عليه الرواض فلم تكن لهم حيلة في ركوبه فقال له بعض ندمائه: يا أمير المؤمنين، أ لا تبعث إلي أبي محمّد الحسن بن الرضا حتّي يجي‌ء، فإمّا أن يركبه [و إما أن يقتله] فتستريح منه، فبعث إلي أبي محمّد عليه السلام، و مضي أبي معه.

قال أبي: فلمّا وصل إلي الدار كنت معه، فنظر إلي البغل واقفا في صحن الدار فعدل إليه و وضع يده علي كفله.

قال: فنظرت إلي البغل و قد عرق حتّي سال العرق منه.

ثمّ صار إلي المستعين فسلّم عليه، فرحّب و قرب و قال: يا أبا محمّد، الجم هذا البغل، فقال أبو محمّد عليه السلام لأبي: الجمه يا غلام، فقال له المستعين: الجمه أنت. فوضع عليه السلام طيلسانه فألجمه.

ثمّ رجع إلي مجلسه فقعد، فقال له: يا أبا محمّد، أسرجه، فقال لأبي: «أسرجه يا غلام»، فقال المستعين: أسرجه أنت يا أبا محمد، فقام عليه السلام و أسرجه و رجع.

فقال له: أ تري أن تركبه؟ فقال: «نعم» فقام فركبه من غير أن يمتنع عليه، ثمّ ركضه في الدار، ثمّ حمله علي الهملجة فمشي أحسن مشي يكون، ثمّ رجع فنزل، فقال له المستعين: يا أبا محمّد، كيف رأيته؟ فقال: «يا أمير المؤمنين، ما رأيت مثله، حسنا». فقال: خذه فهو لك، فقال: «أراه و ما يصلح أن يكون مثله إلّا لأمير المؤمنين».

فقال: يا أبا محمّد، إنّ أمير المؤمنين قد حملك عليه، فقال عليه السلام لأبي: «يا غلام خذه» فأخذه.

۵۲۹) عن سيف بن الليث، قال: خلفت ابنا لي عليلا بمصر عند خروجي منها، و ابنا لي آخر أسنّ منه، كان وصيي و قيمي علي عيالي و في ضياعي، فكتبت إلي أبي محمد عليه السلام أسأله الدعاء لا بني العليل، فكتب إلي: «قد عوفي ابنك المعتل، و مات وصيّك و قيّمك الكبير، فاحمد اللّه، و لا تجزع فيحبط عملك و أجرك». فورد الخبر أن ابني عوفي من علّته، و مات ابني الكبير يوم ورد عليّ جواب أبي محمّد عليه السلام عن مسألتي.

۵۳۰) عن علي بن محمّد، عن بعض أصحابنا، قال: لمّا سلّم أبو محمّد عليه السلام إلي فخر بن أيم فكان يضيق عليه و يؤذيه قال: فقالت له امرأته: ويلك) اتق اللّه أ لا تدري من في منزلك؟! و عرّفته صلاحه، و قالت: إنّي أخاف عليك منه. فقال: لأرمينه بين السباع. ثمّ فعل ذلك فرآه قائما يصلّي و حوله السباع.

۵۳۱) عن أحمد بن إسحاق، قال: دخلت علي أبي محمّد عليه السلام و قلت: إنّي مغتم بشي‌ء يصيبني في نفسي، و إنّي أردت أن أسأل أباك فلم يتفق لي. قال: «و ما هو يا أحمد؟» فقلت:

يا سيدي، روي عن آبائك أنّ نوم الأنبياء علي أقفيتهم، و نوم المؤمنين علي أيمانهم، و نوم المنافقين علي شمائلهم، و نوم الشياطين علي وجوههم. فقال عليه السلام: «كذلك هو». فقلت: يا سيدي، فإنّي أجاهد أن أنام علي يميني و لا يأخذني النوم عليها. فسكت ساعة ثمّ قال: «ادن منّي يا أحمد» فدنوت منه فقال: «ادخل يدك تحت ثيابك» فادخلتها، فأخرج يده من تحت ثيابه و أدخلها تحت ثيابي و مسح بيده اليمني علي جانبي الأيسر و بيده علي جانبي الأيمن ثلاث مرات.

قال أحمد: فما قدرت أن أنام علي يساري منذ فعل ذلك بي، و ما أخذني عليها نوم أصلا.

الباب الخامس عشر في ذكر آيات صاحب الزمان الخلف الصالح المنتظر المهدي عجل الله فرجه الشريف

في بيان ظهور آياته عليه السلام في حال ولادته و بعدها و فيه: حديثان

۵۳۲) عن السياري قال: حدّثتني نسيم و مارية، قالتا: لمّا خرج صاحب الزمان عليه السلام من بطن أمّه سقط جاثيا علي ركبتيه، رافعا سبابته نحو السماء، ثمّ عطس فقال: «الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّي اللّه علي محمّد و آله، عبدا ذاكرا للّه، غير مستنكف و لا مستكبر».

ثمّ قال: «زعمت الظلمة أنّ حجة اللّه داحضة، و لو أذن لنا في الكلام لزال الشك».

۵۳۳) عن أبي علي الحسن الآبي قال: حدّثتني الجارية التي أهديتها لأبي محمّد عليه السلام قالت: لمّا ولد السيّد عليه السلام رأيت نورا ساطعا قد ظهر منه و بلغ أفق السماء، و رأيت طيورا بيضاء تهبط من السماء و تمسح أجنحتها علي رأسه و وجهه و سائر جسده ثمّ تطير، فأخبرنا أبا محمد عليه السلام بذلك فضحك ثمّ قال: «تلك ملائكة السماء نزلت لتتبارك بهذا المولود، و هي أنصاره إذا خرج بأمر اللّه عزّ و جل».

في بيان ظهور آياته عليه السلام في حال طفولته و فيه: حديث واحد

۵۳۴) عن سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف، قال في حديث طويل أنا أقتصر علي الموضع المقصود منه، قال: مضيت إلي سر من رأي مع أحمد بن إسحاق لأزور أبا محمّد عليه السلام و أسأله عن مسائل أشكلت علي، فلمّا وصلنا إليها و وردنا باب أبي محمد عليه السلام استأذنا فخرج الإذن بالدخول، و كان علي عاتق أحمد بن إسحاق جراب غطاه بكساء طبري، فيه مائة و ستون صرّة من الدنانير و الدراهم، علي كلّ صرّة منها ختم لصاحبه.

قال سعد: فما شبّهت أبا محمّد حين غشينا نور وجهه إلّا ببدر قد استوت لياليه أربعا بعد عشرة، و علي فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر، علي رأسه فرق بين وفرة كأنّه ألف بين واوين، و بين يديه رمّانة ذهبية تلمع ببدائع نقوشها، و وسطها غرائب الفصوص المركّبة عليها، قد كان أهداها له بعض رؤساء أهل البصرة، و بيده قلم إذا أراد أن يسطّر به علي البياض قبض الغلام علي أصابعه، فكان مولانا عليه السلام يدحرج الرمّانة بين يديه و يشغله بردّها كي لا يصدّه عن كتبه ما أراده، فسلّمنا عليه فألطف بالجواب و أومأ إلينا بالجلوس.

فلمّا فرغ من كتبه البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طي كسائه، فوضعه بين يديه، فنظر المولي أبو محمّد عليه السلام إلي الغلام، و قال: «يا بني، فضّ الختم عن هدايا شيعتك التي بعثوها إليك».

فقال: «يا مولاي، يجوز لي أن أمدّ يدي الطاهرة إلي هدايا نجسة و أموال وحشة قد خلط حلّها بحرامها؟».

فقال عليه السلام: «يا ابن إسحاق، استخرج ما في الجراب، ليميّز بين الحلال و الحرام منها».

فأول صرة بدأ أحمد بإخراجها قال الغلام: هذا لفلان بن فلان من غلّة كذا، تشتمل علي اثنين و ستين دينارا، منها من ثمن حجرة باعها، و كانت إرثا له من أبيه، خمسة و أربعين دينارا، و من أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا، و فيها من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير».

فقال مولانا عليه السلام: «يا بني، دل الرجل علي الحرام منها».

فقال: «فتّش عن دينار منها رازي السكة، تاريخه سنة كذا، قد انطمس من نصف إحدي صفحتيه نقشه و قراضته أصلية وزنها ربع دينار.

و العلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الحلّة وزن في شهر كذا من سنة كذا علي حائك من جيرانه من الغزل منّا و ربع، فأتت علي ذلك مدة قبض انتهاها لذلك الغزل سارقا، فأخبر به الحائك صاحبه فكذّبه و استردّ منه بدل ذلك منّا و نصفا من غزل أول ممّا كان دفعه إليه، فاتخذ من ذلك ثوبا كان هذا الديا نار مع القراضة ثمنه».

فلمّا فتح رأس الصرّة صادف رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه و بمقدارها علي حسب ما قال، و استخرج الديا نار و القراضة بتلك العلامة.

ثمّ أخرج صرّة أخري فقال الغلام عليه السلام: «هذا لفلان بن فلان، من محلّة كذا، و هو يشتمل علي خمسين دينارا، لا يحلّ لنا شي‌ء منها».

قال: «و كيف ذلك؟» قال: «لأنّها من ثمن حنطة قد حاف صاحبها علي أكاريه في المقاسمة، و ذلك أنّه قبض حصته منها بكيل واف، و كان ما خصّ الأكارين منها بكيل بخس».

فقال عليه السلام: «صدقت يا بني».

ثمّ قال: «يا ابن إسحاق، احملها جميعا لتردّها، أو توصي بردّها علي أربابها، و لا حاجة لنا في شي‌ء منها، و أتنا بثوب العجوز».

قال أحمد: و كان ذلك الثوب في حق لي فنسيته، فلمّا انصرف أحمد بن اسحاق ليأتيه بالثوب نظر إليّ مولانا عليه السلام فقال: «ما جاء بك يا سعد؟» فقلت: شوّقني أحمد بن إسحاق الخصيب إلي لقاء مولانا.

قال: «فالمسائل التي أردت أن تسأل عنها؟» قلت: علي حالها.

قال: «اسأل قرّة عيني عنها- و أومأ إلي الغلام- فاسأله عمّا بدا لك». فسألته عنها، فأجاب، و إنّي تركت ذكرها كراهية التطويل.

فلمّا أجاب قام أبو محمّد عليه السلام مع الغلام و انصرفت عنهما، و طلبت أثر أحمد بن اسحاق فاستقبلني باكيا، فقلت: ما أبكاك و أبطأك؟ فقال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره. فقلت:

لا عليك، فأخبره، و انصرف من عنده متبسما، و هو يصلّي علي محمّد و آل محمّد، فقلت: ما الخبر؟ قال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولاي يصلّي عليه.

قال سعد: فحمد اللّه تعالي و أثني عليه علي ذلك، و جعلنا نختلف بعد ذلك إلي منزله عليه السلام أيّاما، و لا نري الغلام بين يديه.

فلمّا كان يوم الوداع دخلت أنا و أحمد بن إسحاق و كهلان من أهل بلدنا، فانتصب أحمد بن إسحاق قائما بين يديه، و قال: يا ابن رسول اللّه، قد دنت الرحلة و اشتدّت المحنة، و نحن نسأل اللّه تعالي أن يصلّي علي جدّك المصطفي، و علي المرتضي أبيك، و علي سيدة النساء أمّك، و علي سيدي شباب أهل الجنّة عمك و أبيك، و علي الأئمة الطاهرين من بعدهما آبائك، و أن يصلّي عليك و علي ولدك، و نرغب إليه أن يعلي كعبك، و يكبت عدوك، و لا جعله اللّه هذا آخر عهدنا من لقائك.

فلمّا قال هذه الكلمة استعبر عليه السلام حتّي انهملت دموعه و تقاطرت عبراته، ثمّ قال: «يا ابن إسحاق، لا تكلف في دعائك شططا، فإنّك ملاق اللّه تعالي، في صدرك هذا».

فخرّ أحمد مغشيا عليه، فلمّا أفاق قال: سألتك باللّه، و بحرمة جدّك رسول اللّه صلي الله عليه و آله، إلّا ما شرّفتني بخرقة أجعلها كفنا. فأدخل عليه السلام يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما و قال: «خذها، و لا تنفق علي نفسك غيرها، فإنّك لا تعدم ما سألت، و إنّ اللّه تعالي لا يضيّع أجر من أحسن عملا».

قال سعد: فلمّا صرنا بعد منصرفنا من حلوان علي ثلاثة فراسخ حمّ أحمد بن إسحاق و صارت به علة صعبة أتي بلدة كان قاطنا بها، ثمّ قال: تفرقوا عنّي هذه الليلة و اتركوني وحدي، فانصرفنا عنه و رجع كلّ واحد منّا إلي مرقده.

قال سعد: فلمّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة، ففتحت عيني، فإذا أنا بكافور الخادم- خادم مولانا أبي محمد عليه السلام- و هو يقول: أحسن اللّه بالخير عزاءكم، و جبر بالمحبوب رزيتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم و من تكفينه، فقوموا لدفنه، فإنّه من أكرمكم محلا عند سيدكم، ثمّ غاب عن أعيننا.

في بيان ظهور آياته عليه السلام من الاخبار بآجال الناس و فيه: حديثان

۵۳۵) عن أبي عقيل عيسي بن نصر، قال: إنّ علي بن زياد الصيمري كتب إليه يلتمس كفنا، فكتب إليه: «إنّك تحتاج إليه في سنة ثمانين» فمات في سنة ثمانين، و بعث إليه بالكفن قبل موته.

۵۳۶) عن أبي عبد اللّه الصفواني، قال: رأيت القاسم بن العلاء و قد بلغ عمره مائة و ست عشرة سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينين، ثمّ لقي العسكريين و حجب بعد الثمانين، و ردّت عليه عينه قبل وفاته بتسعة أيّام، و ذلك أنّي كنت بمدينة كذا من أرض آذربايجان، و كان لا تنقطع توقيعات صاحب الزمان عليه السلام علي يد أبي جعفر العمري، و بعده علي يد أبي القاسم بن روح، فانقطعت عنه المكاتبة نحوا من شهرين فقلق من ذلك.

فبينما نحن عنده نأكل إذ دخل البواب مستبشرا، فقال: فيج العراق ورد، و لا يسمّي بغيره، فسجد القاسم، و دخل كهل قصير يري أثر الفيوج عليه، و عليه جبّة مصرية، و في رجله نعل محاملي، و علي كتفيه مخلاة، فقام إليه القاسم فعانقه، و وضع المخلاة، و دعا بطشت و ماء، و غسل يديه و أجلسه إلي جانبه، فأكلنا و غسلنا أيدينا، فقام الرجل و أخرج كتابا أفضل من نصف الدرج، فناوله القاسم، فقبّله و دفعه إلي كاتب له يقال له: ابن أبي سلمة أبو عبد اللّه، فأخذه و قرأه [و بكي] حتّي أحسّ القاسم ببكائه، فقال: يا أبا عبد اللّه، خبر، خرج فيّ فيما تركته؟ قال: لا، قال: فما هو؟

قال: نعي الشيخ إلي نفسه بعد ورود هذا الكتاب إليّ بأربعين يوما، و أنّه يمرض يوم السابع بعد وصول هذا الكتاب، و أنّ اللّه يردّ عليه عينيه بعد ذلك، و قد حمل إليه بسبعة أثواب.

فقال القاسم: علي سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك.

فضحك و قال: ما أؤمل من بعد هذا العمر؟

فقام الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة أزر، و حبرة يمانية حمراء، و عمامة، و ثوبين، و منديلا، فأخذه القاسم، و عنده قميص خلعة خلعها عليه علي النقي عليه السلام.

و كان للقاسم صديق في مهم الدنيا، شديد النصب يقال له:

عبد الرحمن بن محمد السري فوافي في قوم إلي الدار، فقال القاسم: اقرءوا الكتاب عليه فإنّي أحبّ هدايته. قالوا هذا لا يحتمله خلق من الشيعة، فكيف عبد الرحمن؟!

فأخرج القاسم إليه الكتاب، و قال: اقرأه، فقرءوه إلي موضع النعي، فقال عبد الرحمن: يا أبا محمّد اتق اللّه فإنّك رجل واصل في دينك، و اللّه تعالي يقول: وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ و قال جلّ ذكره: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلي غَيْبِهِ أَحَداً.

قال القاسم فأتم الآية: إِلَّا مَنِ ارْتَضي مِنْ رَسُولٍ فمولاي هو المرتضي من الرسول.

ثمّ قال: اعلم أنّك تقول هذا، و لكن أرّخ اليوم فإن أنا عشت بعد هذا اليوم أو مت قبله فاعلم أنّي لست علي شي‌ء، و إن أنا مت في ذلك اليوم فانظر لنفسك.

فأرّخ عبد الرحمن اليوم و افترقوا، و حمّ القاسم يوم السابع و اشتدّت العلّة إلي مدّة، و نحن مجتمعون عنده يوما إذ مسح بكمّه عينيه فخرج من عينيه شبه ماء اللحم، ثمّ مدّ يده إلي ابنه فقال: يا حسن، إلي، و يا فلان إلي، فنظرنا إلي الحدقتين صحيحتين.

و شاع الخبر في الناس، و أتته العامة من الناس ينظرون إليه، و ركب القاضي إليه، و هو أبو السائب عتبة بن عبيد اللّه المسعودي و هو قاضي القضاة ببغداد فدخل عليه، و قال: يا أبا محمّد، ما هذا الذي تري و أراه؟ فقال: خاتما فصّه فيروزج، فقرّبه منه فقال: ثلاثة أسطر لا يمكنني قراءتها.

و قد قال لمّا رأي الحسن ابنه في وسط الدار: اللهمّ ألهم الحسن طاعتك، و جنّبه معصيتك. ثلاثا.

ثم كتب وصيته بيده، و كانت الضياع التي في يده لصاحب الأمر، كان أبوه وقفها عليه.

و كان فيما وصّي ابنه: إن أهلت للوكالة فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرخندة و سائرها ملك لمولانا.

فلمّا كان يوم الأربعين و قد طلع الفجر مات القاسم رحمه اللّه فوافاه عبد الرحمن يعدو في الأسواق حافيا حاسرا و هو يصيح: يا سيداه. فاستعظم الناس ذلك منه فقال لهم: اسكتوا، فقد رأيت ما لم تروا. و تشيّع و رجع عمّا كان.

فلمّا كان بعد مدّة يسيرة ورد الكتاب علي الحسن ولده من صاحب الزمان عليه السلام: «ألهمك اللّه طاعته و جنّبك معصيته». و هو الدعاء الذي دعا به أبوه.

و في ذلك عدّة آيات.

في بيان ظهور آياته عليه السلام من الاخبار بالغائبات و فيه: ستة عشر حديثا

۵۳۷) عن أحمد بن أبي روح، قال: وجّهت إليّ امرأة من أهل دينور فأتيتها فقالت: يا ابن أبي روح، أنت أوثق من في ناحيتنا، ورعا، و إنّي أريد أن أودعك أمانة و أجعلها في رقبتك تؤدّيها و تقوم بها، فقلت: أفعل إن شاء اللّه. فقالت: هذه دراهم في هذا الكيس المختوم، لا تحلّه و لا تنظر ما فيه حتّي تؤديه إلي من يخبرك بما فيه. و هذا قرطي يساوي عشرة دنانير، و فيه ثلاث لؤلؤات تساوي عشرة دنانير، ولي إلي صاحب الزمان عليه السلام حاجة أريد أن يخبرني بها قبل أن أسأله عنها.

فقلت: و ما الحاجة؟ قالت: عشرة دنانير استقرضتها أمّي في عرسي، و لا أدري ممّن استقرضتها، و لا أدري إلي من أدفعها، فإن أخبرك بها فادفعها إلي من يأمرك به.

قال: و كنت أقول بجعفر بن علي فقلت: هذه المحنة بيني و بين جعفر.

فحملت المال و خرجت حتّي دخلت بغداد، فأتيت حاجز بن يزيد الوشّاء، فسلّمت عليه و جلست فقال: أ لك حاجة؟ فقلت: هذا مال دفع إليّ لأدفعه إليك، أخبرني كم هو؟ و من دفعه إلي؟ فإن أخبرتني دفعته إليك.

قال: لم أؤمر بأخذه، و هذه رقعة جاءتني بأمرك. فإذا فيها: «لا تقبل من أحمد بن أبي روح، و توجّه به إلينا إلي سر من رأي» فقلت:

لا إله إلّا اللّه، هذا أجل شي‌ء أردته.

فخرجت به و وافيت سر من رأي، فقلت: أبدأ بجعفر، ثمّ تفكّرت و قلت: أبدأ بهم، فإن كانت المحنة من عندهم و إلّا مضيت إلي جعفر.

فدنوت من باب دار أبي محمّد عليه السلام، فخرج إليّ خادم فقال: أنت أحمد بن أبي روح؟ قلت: نعم، قال: هذه الرقعة اقرأها فقرأتها، فإذا فيها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا ابن أبي روح أودعتك حايل بنت الديراني كيسا فيه ألف درهم بزعمك، و هو خلاف ما تظن، و قد أدّيت فيه الأمانة، و لم تفتح الكيس و لم تدر ما فيه، و إنّما فيه ألف درهم، و خمسون دينارا صحاحا، و معك قرطان زعمت المرأة أنّها تساوي عشرة دنانير صدقت مع الفصين اللذين فيهما، و فيهما ثلاث حبّات لؤلؤ شراؤهما بعشرة دنانير، و هي تساوي أكثر، فادفعهما إلي جاريتنا فلانة، فإنّا قد وهبناهما لها، و صر إلي بغداد و ادفع المال إلي حاجز و خذ منه ما يعطيك لنفقتك إلي منزلك.

فأمّا العشرة دنانير التي زعمت أنّ أمّها استقرضتها في عرسها، و هي لا تدري من صاحبها و لا تعلم لمن هي، هي لكلثوم بنت أحمد، و هي ناصبية، فتحرّجت أن تعطيها فإن أحبّت أن تقسمها في أخواتها فاستأذنتنا في ذلك، فلتفرقها علي ضعفاء أخواتها. و لا تعودن يا ابن أبي روح إلي القول بجعفر و المحنة له، و ارجع إلي منزلك فإنّ عدوك قد مات، و قد أورثك اللّه أهله و ماله».

فرجعت إلي بغداد، و ناولت الكيس حاجزا، فوزنه فإذا فيه ألف درهم صحاح و خمسون دينارا، فناولني ثلاثين دينارا و قال: أمرنا بدفعها إليك لتنفقها.

فأخذتها، و انصرفت إلي الموضع الذي نزلت فيه، فإذا أنا بفيج قد جاءني من المنزل يخبرني بأنّ حموي قد مات، و أنّ أهلي أمروني بالانصراف إليهم، فرجعت فإذا هو قد مات، و ورثت منه ثلاثة آلاف دينار و مائة ألف درهم.

و في ذلك أيضا عدّة آيات.

۵۳۸) عن ابن أبي سورة، عن أبيه، و أبوه من مشايخ الزيدية بالكوفة قال: كنت خرجت إلي قبر الحسين عليه السلام اعرّف عنده، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة صلّيت و قمت، فابتدأت أقرأ الْحَمْدُ فإذا شاب حسن الوجه، عليه جبّة سنية ابتدأ أيضا قبلي، و ختم قبلي، فلمّا كان الغداة خرجنا جميعا إلي شاطئ الفرات، قال لي الشاب: أنت تريد الكوفة فامض، فمضيت في طريق الفرات، و أخذ الشاب طريق البر، قال أبو سورة: ثمّ أسفت علي فراقه، فاتّبعته، فقال لي: «تعال» فجئنا جميعا إلي حصن المسناة فنمنا جميعا، و انتهينا فإذا نحن علي الغري علي جبل الخندق، فقال لي: «أنت مضيق و لك عيال، فامض إلي أبي طاهر الرازي فسيخرج إليك من داره، و علي يده دم الأضحية فقل له: شاب من صفته كذا و كذا، يقول لك: اعط هذا الرجل صرّة الدنانير التي عند رجل السرير مدفونة».

قال: فلمّا دخلت الكوفة خرجت إليه و قلت له ما ذكر لي الشاب، فقال: بالسمع و الطاعة. و علي يده دم الأضحية.

۵۳۹) و عن أبي أحمد بن أبي سورة، و هو محمّد بن الحسين بن عبد اللّه التميمي، عن الرازي [قال] مشينا ليلتنا فإذا نحن علي مقابر السهلة، فقال: هو ذا منزلي قال لي: أين الرازي علي بن يحيي فقل له يعطيك المال بعلامة أنه كذا و في موضع كذا و مغطي بكذا، فقلت: من أنت؟ قال: أنا محمد بن الحسن. ثم مشينا حتي انتهينا إلي البوابين في السحر فجلس فحفر بيده فإذا الماء قد خرج و توضأ و صلي عشر ركعات.

فمضيت إلي الرازي فدفعت الباب فقال: من أنت؟ فقلت: أبو سورة، فسمعته يقول: مالي و لأبي سورة. فلما خرج و قصصت عليه صافحني و قبّل وجهي و أخذ بيدي و مسح بها علي وجهه ثم أدخلني الدار و أخرج الصرة من عند رجل السرير و دفعها إلي، فاستبصر أبو سورة و كان زيديا، و في ذلك عدة آيات.

۵۴۰) عن إسحاق بن يعقوب، قال: سمعت الشيخ العمري يقول: صحبت رجلا من أهل السواد و معه مال للغريم عليه السلام، فأنفذه فردّ عليه و قيل له: «أخرج حق ولد عمّك منه، و هو أربعمائة درهم» فبقي باهتا متعجبا، فنظر في حساب المال و كانت [في يده] ضيعة لابن عمه قد كان ردّ عليهم بعضها و زوي عنهم بعضها، فإذا الذي بقي لهم من ذلك المال أربعمائة درهم كما قال عليه السلام، فأخرجها منه و أنفذ الباقي.

فقيل لجماعة من أصحابنا قالوا: إنّه بعث إلي أبي عبد اللّه بن الجنيد و هو بواسط غلاما و أمر ببيعه فباعه، و قبض ثمنه، فلمّا عير الدنانير نقصت في التعيير ثمانية عشر قيراطا و حبّة.

۵۴۱) عن محمّد بن هارون، قال: كانت للغريم عليّ خمسمائة دينار، و أنا ليلة ببغداد، و بها ريح و ظلمة، و قد فزعت فزعا شديدا، و فكرت فيما علي، و قلت في نفسي: لي حوانيت اشتريتها بخمسمائة دينار.

قال: فجاءني من يتسلّم منّي الحوانيت، و قد كتب لي في ذلك من قبل أن ينطق به لساني و ما أخبرت به أحدا.

۵۴۲) عن جعفر بن أحمد بن متيل قال: دعاني أبو جعفر محمّد بن عثمان فأخرج لي ثوبين معلمة و صرّة فيها دراهم، فقال لي:

تحتاج أن تصير بنفسك إلي واسط في هذا الوقت، و تدفع ما دفعته إليك إلي أول رجل يلقاك عند صعودك من المركب إلي الشط بواسط.

قال: فتداخلني من ذلك غم شديد، و قلت: مثلي يرسل في هذا الأمر و يحمل هذا الشي‌ء الوتح!

قال: فخرجت إلي واسط، و صعدت المركب، فأول رجل لقيته سألته عن الحسن بن قطاة الصيدلاني وكيل الوقف بواسط فقال: أنا هو، من أنت؟ فقلت: أبو جعفر العمري يقرأ عليك السلام و دفع إليّ هذين الثوبين و هذه الصرّة لأسلمهما إليك فقال: الحمد للّه، فإن محمّد بن عبد اللّه الحائري قد مات و خرجت لإصلاح كفنه، فحل الثياب فإذا فيها ما يحتاج إليه من حبرة و ثياب و كافور، و في الصرة كري الحمّالين و الحفّار.

قال: فشيعنا جنازته و انصرفت.

۵۴۳) عن نصر بن الصباح، قال: أنفذ رجل من أهل بلخ خمسة دنانير إلي حاجز، و كتب رقعة غيّر فيها اسمه، فخرج إليه الوصول باسمه و نسبه، و الدعاء له.

۵۴۴) عن محمّد بن شاذان بن نعيم، قال: بعث رجل من أهل بلخ بمال و رقعة ليس فيها كتابة، و قد خطّ فيها بأصابعه كما تدور من غير كتابة، و قال للرسول: احمل هذا المال، فمن أخبرك بقصته و أجاب عن الرقعة فأوصل إليه المال.

فصار الرّجل إلي العسكر و قصد جعفرا و أخبره الخبر فقال جعفر:

تقرّ بالبداء؟ قال الرّجل: نعم.

قال: فإنّ صاحبك قد بدا له، و قد أمرك أن تعطيني المال.

فقال الرسول: لا يقنعني هذا الجواب.

فخرج الرجل من عنده و جعل يدور علي أصحابنا، فخرجت إليه رقعة: «هذا مال عن ربه كان فوق صندوق، فدخل اللّصوص البيت و أخذوا ما في الصندوق و سلم المال» وردت عليه الرقعة كما يدور الدعاء «فعل اللّه بك و فعل».

۵۴۵) عن محمد بن شاذان بن نعيم قال: أهديت مالا و لم أفسر لمن هو، فورد الجواب: «وصل كذا، و كذا منه لفلان بن فلان، و لفلان كذا».

۵۴۶) عن أبي العبّاس الكوفي، قال: حمل رجل مالا ليوصله، و أحب أن يقف علي الدلالة، فوقع عليه السلام: «إن استرشدت أرشدت، و إن طلبت وجدت، يقول لك مولاك: احمل ما معك».

قال الرجل: فأخرجت مما معي ستة دنانير بلا وزن و حملت الباقي، فخرج التوقيع: «يا فلان رد الستة دنانير التي أخرجتها بلا وزن، و وزنها ستة مثاقيل و خمسة دوانق و حبة و نصف».

قال الرجل: فوزنت الدنانير، فإذا هي كما قال عليه السلام.

۵۴۷) عن إسحاق بن حامد الكاتب، قال: كان بقم رجل بزاز مؤمن، و له شريك مرجئ، فوقع بينهما ثوب نفيس فقال المؤمن:

يصلح هذا الثوب لمولاي. فقال شريك؟ لست أعرف مولاك، لكن افعل ما تحب بالثوب.

فلما وصل الثوب شقّه عليه السلام نصفين طولا فأخذ نصفه و ردّ النصف و قال: «لا حاجة لنا في مال المرجئ».

۵۴۸) عن محمّد بن الحسن الصوفي، قال: أردت الخروج إلي الحج، و كان معي مال بعضه ذهب و بعضه فضة، فجعلت ما كان معي من ذهب سبائك، و ما كان معي من الفضة نقرا. و كان قد دفع ذلك المال إليه ليسلمه إلي الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي اللّه عنه.

قال: فلمّا نزلت بسرخس ضربت خيمتي علي موضع فيه رمل، فجعلت أميز تلك السبائك و النقر، فسقطت سبيكة من تلك السبائك منّي، و غاصت في الرمل، و أنا لا أعلم.

قال: فلمّا دخلت همدان ميزت تلك السبائك و النقر مرّة أخري اهتماما منّي بحفظها، ففقدت منها سبيكة وزنها مائة مثقال و ثلاثة مثاقيل. أو قال: ثلاثة و تسعون مثقالا.

قال: فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة و جعلتها بين السبائك، فلمّا وردت مدينة السلام قصدت الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح فسلّمت إليه ما كان معي من السبائك و النقر، فمدّ يده من بين السبائك إلي السبيكة الّتي كنت سبكتها من مالي بدلا ممّا ضاع منّي، فرمي بها إليّ و قال لي: ليست هذه السبيكة لنا، و سبيكتنا ضيعتها بسرخس حيث ضربت الخيمة في الرمل، فارجع إلي مكانك و انزل حيث نزلت، و اطلب السبيكة هناك تحت الرمل، فإنّك ستجدها و ستعود إلي هاهنا فلا تراني.

قال: فرجعت إلي سرخس و نزلت حيث كنت نزلت، و وجدت السبيكة تحت الرمل، فنبت عليها الحشيش، و أخذت السبيكة و انصرفت إلي بلدي، فلمّا كان من السنة القابلة توجهت إلي مدينة السلام و معي السبيكة، فدخلت مدينة السلام و قد كان الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح رضي اللّه عنه قد مضي، و لقيت أبا الحسن علي بن محمّد السمري رضي اللّه عنه فسلّمت السبيكة إليه.

و في ذلك عدّة آيات.

۵۴۹) عن الحسين بن علي بن محمّد القمّي، المعروف بأبي عليّ البغدادي قال: كنت ببخاري فدفع إليّ المعروف بابن جاشير عشر سبائك و أمرني أن أسلمها بمدينة السّلام إلي الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس اللّه سره، فحملتها معي.

فلمّا وصلت مفازة أمويّة ضاعت منّي سبيكة من تلك السبائك، و لم أعلم بذلك حتّي دخلت مدينة السلام فأخرجت السبائك لأسلمها إليه، فوجدتها قد نقصت واحدة منها، فاشتريت سبيكة مكانها بوزنها و أضفتها إلي التسع سبائك، ثمّ دخلت علي الشيخ أبي القاسم الرّوحي، و وضعت السبائك بين يديه، فقال لي: خذ تلك السبيكة التي اشتريتها قد وصلت إلينا و هي ذا هي. ثمّ أخرج تلك السبيكة التي ضاعت مني بآمويه فنظرت إليها و عرفتها.

قال الحسين بن علي المعروف بأبي علي البغدادي: و رأيت تلك السبيكة بمدينة السلام.

۵۵۰) قال: و سألتني امرأة عن وكيل مولانا عليه السلام من هو؟ فقال لها بعض القميين: إنّه أبو القاسم بن روح. و أشار لها إليه.

فدخلت عليه و أنا عنده، فقالت له: أيها الشيخ، أي شي‌ء معي؟

فقال: ما معك فالقيه في دجلة، فألقته، ثمّ رجعت و دخلت إلي أبي القاسم الروحي رضي اللّه عنه و أنا عنده، فقال أبو القاسم لمملوكة له:

أخرجي إلي الحقّة. فأخرجت إليه حقّة، فقال للمرأة: هذه الحقة التي كانت معك و رميت بها في دجلة؟ قالت: نعم، قال: أخبرك بما فيها، أم تخبريني؟ فقالت: بل أخبرني أنت.

فقال: في هذه الحقّة زوج سوار من ذهب، و حلقة كبيرة فيها جوهر، و حلقتان صغيرتان فيهما جوهر، و خاتمان، أحدهما فيروزج و الآخر عقيق. و كان الأمر كما ذكر، لم يغادر منه شيئا، ثمّ فتح الحقّة فعرض عليّ ما فيها، و نظرت المرأة إليه فقالت: هذا الذي حملته بعينه و رميت به في دجلة! فغشي عليّ و علي المرأة فرحا بما شاهدنا من صدق الدلالة.

ثمّ قال الحسين لي بعد ما حدّثنا بهذا الحديث: اشهد عند اللّه يوم القيامة بما حدّثت به أنّه كما ذكرته، لم أزد فيه و لم أنقص منه، و حلف بالأئمة الاثني عشر صلوات اللّه عليهم لقد صدق فيه، و ما زاد و لا أنقص.

و في هذين الحديثين أيضا عدة آيات.

۵۵۱) عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتب، قال: كنت بالمدينة في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمّد السمري قدّس سرّه، فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلي الناس توقيعا نسخته: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري، أعظم اللّه أجرك و أجر إخوانك فيك، فإنّك ميت ما بينك و بين ستة أيام، فاجمع أمرك، و لا توصي إلي أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، و لا ظهور إلّا بإذن اللّه تعالي، و ذلك بعد طول الأمد، و قسوة القلب، و امتلاء الأرض جورا، و سيأتي لشيعتي، من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعي المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كاذب مفتر و لا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم».

قال: فنسخنا ذلك التوقيع و خرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه و هو يجود بنفسه، قيل له: من وصيّك من بعدك؟

فقال: للّه أمر هو بالغه. و قضي رحمه اللّه، و هذا آخر كلام سمع منه قدّس سرّه.

۵۵۲) عن محمد بن شاذان بن نعيم النيسابوري، قال: قد اجتمع عندي مال للغريم عليه السلام خمسمائة درهم، ينقص عشرين درهما، فأنفت أن أبعث بها ناقصة هذا المقدار، فأتممتها من عندي، و بعثت بها إلي محمّد بن جعفر، و لم أكتب مالي فيها. فأنفذ إليّ محمّد بن جعفر القبض، و فيه خمسمائة درهم منها عشرون درهما.

في بيان ظهور آياته عليه السلام في معان شتّي و فيه: عشرة أحاديث

۵۵۳) عن أحمد بن محمّد بن فارس الأديب، قال: سمعت حكاية بهمذان حكيتها كما سمعتها لبعض إخواني، فسألني أن أكتبها له بخطي، و لم أجد إلي مخالفته سبيلا، و قد كتبتها، و عهدتها علي من حكاها.

و ذلك أنّ بهمذان أناسا يعرفون ببني راشد، و هم كلهم يتشيعون، و مذهبهم مذهب أهل الإمامة، فسألت عن سبب تشيعهم من بين أهل همدان، فقال لي شيخ منهم رأيت فيه صلاحا و سمتا حسنا: إنّ سبب ذلك أنّ جدّنا الذي ننتسب إليه خرج حاجّا فقال إنّه لمّا فرغ من الحج و ساروا منازل في البادية.

قال فنشطت للنزول و المشي، فمشيت طويلا حتّي أعييت و تعبت، فقلت في نفسي: أنام نومة تريحني فإذا جاءت القافلة قمت.

قال: فما انتبهت إلّا بحر الشمس، و لم أر أحدا، فتوحشت و لم أر طريقا، و لا أثرا، فتوكلت علي اللّه تعالي و قلت: أتوجه حيث وجهني و مشيت غير طويل فوقعت في أرض خضراء نضرة كأنّها قريبة عهد بغيث، فإذا تربتها أطيب تربة، و نظرت في سواد تلك الأرض إلي قصر يلوح كأنّه سيف، فقلت في نفسي: ليت شعري ما هذا القصر الذي لم أعهده و لم أسمع به؟! فقصدته، فلمّا بلغت الباب رأيت خادمين أبيضين، فسلّمت عليهما فردّا ردا جميلا و قالا: اجلس، فقد أراد اللّه بك خيرا. و قام أحدهما فدخل، فاحتبس غير بعيد ثمّ خرج، فقال: قم فادخل. فقمت و دخلت قصرا لم أر شيئا أحسن و لا أضوأ منه، و تقدّم الخادم إلي ستر علي بيت فرفعه، ثمّ قال لي: ادخل، فدخلت البيت و قد علق فوق رأسه من السقف سيفا طويلا تكاد ظبته تمس رأسه، و كان الفتي يلوح في ظلام، فسلّمت، فردّ السلام بألطف كلام و أحسنه ثمّ قال: «أ تدري من أنا؟» فقلت: لا و اللّه. فقال: «أنا القائم من آل محمّد صلي الله عليه و آله، أنا الذي أخرج آخر الزمان بهذا السيف- و أشار إليه- فأملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا».

قال: فسقطت علي وجهي و تعفرت، فقال: «لا تفعل، ارفع رأسك أنت فلان من مدينة بالجبل يقال لها: همذان» قلت: صدقت يا سيدي و مولاي.

قال: «أ فتحب أن تؤوب إلي أهلك؟» قلت: نعم يا مولاي، و أبشرهم بما يسّر اللّه تعالي. فأومأ إلي خادم و أخذ بيدي و ناولني صرّة، و خرج بي و مشي معي خطوات، فنظرت إلي ظلال و أشجار و منارة و مسجد، فقال: أ تعرف هذا البلد؟ قلت: إن بقرب بلدنا بلدة تعرف بأسدآباد و هي تشبهها. فقال: أ تعرف أسدآباد؟ فامض راشدا. فالتفت و لم أره.

و دخلت أسدآباد، و نظرت فإذا في الصرّة أربعون- أو خمسون دينارا- فوردت همدان و جمعت أهلي و بشّرتهم بما يسّر اللّه تعالي لي، فلم نزل بخير ما بقي معنا من تلك الدنانير.

۵۵۴) عن أبي الأديان، قال: كنت أخدم أبا محمّد عليه السلام و أحمل كتبه إلي الأمصار، فدخلت عليه في علّته التي توفي بها، فكتب معي كتبا و قال: «امض بها إلي المدائن، فإنّك ستغيب خمسة عشر يوما، و تدخل سر من رأي يوم الخامس عشر، و تسمع الواعية في داري، و تجدني علي المغتسل».

قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي، فإذا كان ذلك فمن لنا؟ قال: «من طالبك بجوابات كتبي، فهو القائم بعدي».

فقلت: زدني. فقال: «من يصلي عليّ فهو القائم من بعدي».

فقلت: زدني يا ابن رسول اللّه فقال: «من طلب ما في الهميان فهو القائم بعدي».

ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان.

و خرجت بالكتب إلي المدائن و أخذت جواباتها، و دخلت سر من رأي يوم الخامس عشر كما قال عليه السلام، و إذا أنا بالواعية في داره، و إذا به علي المغتسل، و إذا بجعفر بن علي علي الباب، و الشيعة من حوله يعزّونه و يهنونه. فقلت في نفسي: إنّ يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة؛ لأنّي كنت أعرفه يشرب الخمر و النبيذ و يقامر بالجوسق و يلعب بالطنبور، فتقدمت و عزيت و هنّيت، و لم يسألني عن شي‌ء، ثمّ خرج عبد فقال: يا سيدي، قد كفن أخوك، فقم فصلّ عليه. فدخل جعفر بن علي و الشيعة من حوله يقدمهم.

فلمّا صرنا في الدار فإذا نحن بالحسن بن علي عليه السلام علي نعشه مكفنا، فتقدم جعفر بن علي ليصلّي عليه، فلمّا هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة و بشعر قطط و بأسنانه تفليج فجذب رداء جعفر بن علي و قال: «تأخر يا عم، فأنا أحق بالصلاة علي أبي عليه السلام» فتأخر جعفر و اربد وجهه، و تقدّم مولانا و سيدنا الخلف الصالح و صلّي علي أبيه، و دفن إلي جانب قبر أبيه عليه السلام.

ثمّ قال: «يا بصري، هات جوابات الكتاب التي معك» فدفعتها إليه، و قلت في نفسي: هذه آيتان، بقي الهميان.

ثمّ خرجنا إلي جعفر بن علي و هو يزفر فقال له حاجز الوشّاء:

من الصبي؟ ليقيم الحجة عليه. فقال: و اللّه ما رأيته قط و لا أعرفه.

و نحن جلوس إذ قدم نفر من أهل قم، فسألوه عن الحسن عليه السلام، فعرفوا بموته، فقالوا: من ضبط الأمر بعده؟ فأشار الناس إلي جعفر، فسلّموا عليه و عزّوه و هنّوه، و قالوا: معنا مال و كتب ندفعه إلي من يقول كم المال، و ممن الكتاب. فقام ينفض أثوابه و هو يقول: يريدون منا أن نعلم الغيب.

قال: فخرج الخادم و قال: معكم كتب من فلان و فلان، و هميان فيه ألف دينار، و عشرة دنانير منها مطلية، فدفعوا الكتاب و المال إليه و قالوا: الذي وجّه بك إلينا لأخذ المال هو الإمام.

فدخل جعفر بن علي علي المعتمد و كشف ذلك له، فوجّه المعتمد بخدمه فقبض علي صقل الجارية و طالبوها بالصبي، فأنكرته و ادعت حبلا بها لتغطي حال الصبي، فسلمت إلي ابن أبي الشوارب، و بغتهم موت عبد اللّه بن خاقان فجأة، و خروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم، و الحمد للّه رب العالمين.

۵۵۵) عن علي بن سنان الموصلي، عن أبيه، قال: لمّا قبض أبو محمد عليه السلام و قدم وفد من قم و الجبل وفود بالأموال التي كانت تحمل علي الرسم، و لم يكن عندهم خبر وفاة أبي محمّد الحسن عليه السلام، فلمّا أن وصلوا إلي سر من رأي سألوا عنه، فقيل لهم: إنّه قد فقد، فقالوا: و من وارثه؟ فقالوا: جعفر أخوه فسألوا عنه فقيل خرج متنزها، و ركب زورقا في الدجلة يشرب الخمر و معه المغنّون.

قال: فتشاور القوم و قالوا: ليس هذه صفة الإمام. و قال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتي نردّ هذه الأموال علي أصحابها.

فقال أبو العبّاس محمّد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتّي ينصرف هذا الرجل، و نختبر أمره علي الصحة.

قال: فلمّا انصرف دخلوا عليه و سلّموا عليه و قالوا: يا سيدنا، نحن من أهل قم، فينا جماعة من الشيعة و غيرهم، و كنّا نحمل إلي سيدنا أبي محمد عليه السلام الأموال.

فقال: و أين هي؟ قالوا: معنا.

قال: احملوها إلي. قالوا: إن لهذه الأموال خبرا طريفا، فقال: و ما هو؟

قالوا: إنّ هذه الأموال تجمع، و يكون فيها من عامّة الشيعة الديا نار و الديا ناران، ثمّ يجعلونها في كيس و يختمون عليها، و كنّا إذا وردنا بالمال إلي سيدنا أبي محمد عليه السلام يقول جملة المال كذا دينار، من فلان كذا، و من عند فلان كذا، حتّي يأتي علي أسماء الناس كلهم، يقول ما علي نقش الخواتيم، فقال جعفر: كذبتم تقولون علي أخي ما لم يفعله، هذا علم الغيب.

قال: فلمّا سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلي بعض، فقال لهم: احملوا هذا المال إلي. فقالوا: إنّا قوم مستأجرون، لا يسلّم المال إلّا بالعلامات التي كنّا نعرفها من سيدنا الحسن عليه السلام، فإن كنت الإمام فبرهن لنا، و إلّا رددناها علي أصحابها، يرون فيها رأيهم.

قال: فدخل جعفر بن علي علي الخليفة، و كان بسر من رأي، فاستعدي عليهم، فلمّا أحضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلي جعفر. فقالوا: أصلح اللّه الخليفة، نحن قوم مستأجرون، و لسنا أرباب هذه الأموال، و هي لجماعة، و أمرونا أن لا نسلّمها إلّا بالعلامة و الدلالة، و قد جرت بهذه العادة مع أبي محمد عليه السلام.

فقال الخليفة: و ما كانت الدلالة التي كانت مع أبي محمّد؟

قال القوم: كان يصف لنا الدنانير، و أصحابها، و الأموال، و كم هي، فإذا فعل ذلك سلّمناها إليه، و قد وفدنا عليه مرارا، و كانت هذه علامتنا معه، و قد مات، فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه، و إلّا رددناها إلي أصحابها الذين بعثوها بصحبتنا.

قال جعفر: يا أمير المؤمنين، هؤلاء قوم كذّابون، يكذبون علي أخي، و هذا علم الغيب. فقال الخليفة: القوم رسل، و ما علي الرسول إلّا البلاغ المبين.

قال: فبهت جعفر، و لم يرد جوابا، فقال القوم: يا أمير المؤمنين، تطول بإخراج أمره إلي من يبدرقنا حتّي نخرج من هذا البلد.

قال فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها، فلمّا أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن الناس وجها كأنّه خادم، فصاح: يا فلان و يا فلان بن فلان، أجيبوا مولاكم، فقالوا له: أنت مولانا؟ فقال: معاذ اللّه، أنا عبد مولاكم، فسيروا إليه. قالوا:

فسرنا معه حتي دخلنا دار مولانا الحسن بن علي عليهما السلام، فإذا ولده القائم سيدنا عليه السلام قاعد علي سرير، كأنّه فلقة قمر، عليه ثياب خضر، فسلّمنا عليه، فردّ علينا السلام، ثمّ قال: «جملة المال كذا و كذا، دينارا و حمل فلان كذا» و لم يزل يصف حتّي وصف الجميع، و وصف ثيابنا و رواحلنا، و ما كان معنا من الدواب، فخررنا سجّدا للّه تعالي، و قبّلنا الأرض بين يديه، ثمّ سألناه عمّا أردنا فأجاب، فحملنا إليه الأموال و أمرنا عليه السلام أن لا نحمل إلي سرّ من رأي شيئا من المال، و أنّه ينصب لنا ببغداد رجلا نحمل إليه الأموال، و تخرج من عنده التوقيعات.

قالوا: فانصرفنا من عنده، و دفع إلي أبي العبّاس محمد بن جعفر الحميري القمّي شيئا من الحنوط و الكفن، فقال له: «أعظم اللّه أجرك في نفسك».

قال: فلمّا بلغ أبو العباس عاقبة همذان حمّ و توفي رحمه اللّه.

و كان بعد ذلك تحمل الأموال إلي بغداد، إلي نوابه المنصوبين، و تخرج من عندهم التوقيعات.

۵۵۶) عن محمد بن صالح: كتبت أسأله الدّعاء لبادا شاله و قد حبسه عبد العزيز، و استأذنت في جارية استولدها، فورد: «ستولد الجارية، و يفعل اللّه ما يشاء، و المحبوس يخلّصه اللّه» فاستولدت الجارية فولدت و ماتت، و خلّي عن المحبوس يوم خرج إليّ التوقيع.

۵۵۷) قال: و حدّثني أبو جعفر، قال: ولد لي مولود و كتبت، أستأذن في تطهيره يوم السابع أو الثامن، فكتب يخبر بموته، و كتب:

«سيخلف عليك غيره، فسمّه أحمد، و من بعد أحمد جعفرا» فجاء كما قال عليه السلام.

قال: و تزوجت امرأة سرا، فلمّا وطأتها علقت و جاءت ببنت، فاغتممت و ضاق صدري، و كتبت أشكو ذلك، فورد: «ستكفاها» فعاشت أربع سنين ثمّ ماتت فورد. «اللّه ذو أناة، و أنتم تستعجلون».

۵۵۸) عن أبي محمّد الحسن بن وجناء، قال: كنت ساجدا تحت الميزاب في رابع أربع و خمسين حجة بعد العمرة و أنا أتضرع في الدعاء إذ حرّكني محرك، فقال لي: قم يا حسن بن وجناء فرعشت.

قال: فقمت، فإذا جارية صفراء نحيفة البدن، أقول إنّها من بنات أربعين فما فوقها، فمشت بين يدي، و أنا لا أسألها عن شي‌ء، حتّي أتت دار خديجة عليها السلام، و فيها بيت بابه في وسط الحائط، و له درج ساج يرتقي إليه، فصعدت الجارية و جاءني النداء: «اصعد يا حسن» فصعدت، فوقفت بالباب فقال لي صاحب الزمان عليه السلام:

«يا حسن، أتراك خفيت عليّ! و اللّه ما من وقت في حجّك إلا و أنا معك فيه». ثم جعل يعد عليّ أوقاتي فوقعت علي وجهي.

فحسست بيد قد وقعت علي، فقمت، فقال لي: «يا حسن، الزم بالمدينة دار جعفر بن محمّد عليه السلام، و لا يهمنّك طعامك و لا شرابك، و لا ما تستر به عورتك». ثمّ دفع إليّ دفترا فيه دعاء الفرج، و صلاة عليه، و قال: «بهذا فادع، و هكذا فصلّ علي، و لا تعطه إلّا أوليائي، فإنّ اللّه عز و جل يوفقك».

فقلت: يا مولاي، لا أراك بعدها؟ فقال: «يا حسن إذا شاء اللّه تعالي».

قال: فانصرفت من حجّتي و لزمت دار جعفر عليه السلام، و أنا لا أخرج منها و لا أعود إليها إلّا لثلاث خصال: إلّا لتجديد الوضوء أو النوم، أو لوقت الإفطار، فإذا دخلت بيتي وقت الإفطار فأصيب وعائي مملوءا دقيقا علي رأسه، عليه ما تشتهي نفسي بالنهار، فاكل ذلك فهو كفاية لي، و كسوة الشتاء في وقت الشتاء، و كسوة الصيف في وقت الصيف، و إنّي لا أدخل الماء بالنهار و أرش به البيت، و ادع الكوز فارغا، و آتي بالطعام و لا حاجة لي إليه، فأتصدّق لئلا يعلم به من معي.

۵۵۹) عن الأزدي، قال: بينا أنا في الطواف، قد طفت ستا و أريد السابع، و إذا أنا بحلقة عن يمين الكعبة و شاب حسن الوجه طيب الرائحة هيوب، مع هيبته متقرب إلي الناس، يتكلم، فلم أر أحسن من كلامه، و لا أعذب من منطقه في حسن جلوسه، فذهبت أكلمه فزبرني الناس، فسألت بعضهم: من هذا؟ فقالوا: ابن رسول اللّه صلي الله عليه و آله، يظهر للناس في كلّ سنة لخواصه يوما يحدّثهم. فقلت: يا سيدي، مسترشدا أتيتك، فأرشدني هداك اللّه، فناولني عليه السلام حصاة، فحوّلت وجهي، فقال لي بعض جلسائه: ما الذي بيدك؟ فقلت:

حصاة. و كشفت يدي عنها فإذا هي سبيكة ذهب.

فذهبت فإذا أنا به عليه السلام قد لحقني، فقال لي: «بينت لك الحجّة، و ظهر لك الحق، و ذهب عنك العمي، أ تعرفني؟» فقلت: لا.

فقال عليه السلام: «أنا المهدي، أنا القائم بأمر اللّه، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملأها عدلا كما ملئت ظلما، و جورا، إنّ الأرض لا تخلو من حجّة، و لا تبقي الناس في فترة، و هذه أمانة تحدّث بها إخوانك من أهل الحق».

۵۶۰) عن أبي جعفر محمّد بن علي الأسود قال: سألني علي بن الحسين بن موسي بن بابويه القمي رحمه اللّه بعد موت محمد بن عثمان العمري رضي اللّه عنه أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان صلوات اللّه عليه أن يدعو اللّه أن يرزقه ولدا ذكرا.

قال: فسألته، فأنهي ذلك، [ثم] أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيّام أنّه قد دعا لعلي بن الحسين، و أنّه سيولد له ولد مبارك ينفع اللّه به، و بعده أولاد، فرزق ابنه أبو جعفر محمّد بن علي الفقيه، و بعده أولاد.

۵۶۱) عن أحمد بن إبراهيم بن مخلّد، قال: حضرت ببغداد عند المشايخ، فقال الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد السمري قدس اللّه روحه ابتداء منه: رحم اللّه علي بن الحسين بن موسي بن بابويه القمي.

قال: فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم، فورد الخبر أنّه توفي في ذلك اليوم.

۵۶۲) عن يوسف بن أحمد الجعفري، قال: حججت سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة، ثمّ جاورت بمكّة ثلاث سنين، ثمّ خرجت عنها منصرفا إلي الشام، فبينما أنا في بعض الطريق و قد فاتتني صلاة الفجر فنزلت من محملي و تهيأت للصلاة، فرأيت أربعة نفر في محمل فوقفت أعجب منهم، فقال لي أحدهم: ممّ تتعجب؟ تركت صلاتك فقلت:

و ما علمك بي؟!

فقال: تحب أن تري صاحب زمانك؟ فقلت: نعم. فأومأ إلي أحد الأربعة.

فقلت له: إنّه له دلائل و علامات.

فقال: أيّما أحب إليك، أن تري المحمل و ما عليه صاعدا إلي السماء، أو تري المحمل بما عليه يرتفع إلي السماء فقلت: أيّهما فهو دلالة، فرأيت المحمل و ما عليه صاعدا إلي السماء و كان الرجل أومأ إلي رجل به سمرة، كأنّ لونه الذهب، بين عينيه سجّادة.

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/۴۱).

قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَنادِرُ البِحار – فی تلخیص بحار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص ۱۵۹؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشَّیخ الصَّدوق، الباب۲۸، ج۱/ ص۳۰۷).

مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علَیهِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنَةِ ۱۳۴۰ الهجریّة الشمسیّة (=۱۳۸۰ الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یَنطَفِئ مِصباحُها، بل تُتَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.

مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنَةِ ۱۳۸۵ الهجریّة الشمسیّة (=۱۴۲۷ الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...

الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثَقافة الثَّقَلَین (کتاب الله و اهل البیت علیهِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشَّباب و عموم الناس إلی التَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشُّبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...

- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالَم - مِن جِهةٍ اُخرَی.

- من الأنشطة الواسعة للمرکز:

الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة

ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول

ج) إنتاج المَعارض ثُّلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...

د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخَرَ

ه) إنتاج المُنتَجات العرضیّة، الخَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة

و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: ۰۰۹۸۳۱۱۲۳۵۰۵۲۴)

ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS

ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...

ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة

ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربِّی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنَة

المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"

تاریخ التأسیس: ۱۳۸۵ الهجریّة الشمسیّة (=۱۴۲۷ الهجریة القمریّة)

رقم التسجیل: ۲۳۷۳

الهویّة الوطنیّة: ۱۰۸۶۰۱۵۲۰۲۶

الموقع: www.ghaemiyeh.com

البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com

المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com

الهاتف: ۲۵-۲۳۵۷۰۲۳- (۰۰۹۸۳۱۱)

الفاکس: ۲۳۵۷۰۲۲ (۰۳۱۱)

مکتب طهرانَ ۸۸۳۱۸۷۲۲ (۰۲۱)

التِّجاریّة و المَبیعات ۰۹۱۳۲۰۰۰۱۰۹

امور المستخدمین ۲۳۳۳۰۴۵(۰۳۱۱)

ملاحَظة هامّة:

المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنَّها لا تُوافِی الحجمَ المتزاید و المتَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التّمکّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.